• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
مانديل بائع الكتب القديمة
 مانديل بائع الكتب القديمة
في هاتين القصتين يرسم زفايغ يرسم زفايغ بلغة الفن أثر الحرب حتى في من لم يشارك فيها من خلال شخصيتين فريتين كلتاهما حبيسة عالم خاص بها وحدها

كه يلان محمد:

أخذت الحربُ والكوارث المترتبة عليها والهمجية التي تتفشى على إثر اندلاعها حيزاً كبيراً في صفحات الأعمال الأدبية، إذ اختبر بعضُ الأُدباء قسوة جبهات المعارك مباشرة وسجلوا مشاهداتهم في المؤلفات الشعرية والروائية، كما كان لهؤلاء سبق في التنبؤ بخطورة الانسياق وراء الأنظمة الكليانية التي تفوقت في صناعة الأعداء الوهميين بغرض إعادة برمجة ذاكرة الإنسان، وفقاً لسنن مُحددة، بحيثُ تُمحى كل خصوصية فردية ويصبحُ الإنسانُ كائناً مُتحركاً بإيحاء الشعارات التي تُغذي الميول الغريزية إلى أن يغيبُ العقلُ تماماً في الكتل البشرية المُطيعة لتنفيذ ما ترمي إليه الأقلية، لتدشين تاريخ قائم على منطق إقصائي وإلغاء ما يسبقهُ ومُغاير لمنظومته الشعاراتية، وفي ظلِ هذه الهجمةِ على الذاكرة تتخذ الأعمال الأدبية موقفاً معارضاً أو مقاوماً للتيار الجارف، إذ تشهدُ أساليب الحكومات الشمولية في مصادرة النتاجات الأدبية وحرقها على دور بالغ الأهمية، لِما يودعه الكُتابُ من مضامين عميقة في محار الكلمات وطيات العبارات، لذا تصلُ حملات عدائية إلى الأعمال التي تخرجُ من أنساق الفكـــر الانغـــلاقي والتوجهات المُتطرفة، وما أن يفـــوزُ النازيون بالسلطة في ألمانيا حتى تقامُ المحرقة للكتب والمؤلفات المصنفة في القائمة السوداء منها رواية «كل شَيءٍ هادئ في الميدان الغربي» لكاتبها إريك ماريا ريماك، إذ تُحرق روايته بأمر غوبلز، كما يذكر ذلك علي حسين في «في صحبة الكُتب».

وهذا القرار صدر كون هذا العمل أداة لبيان زيف الادعاءات المُشجعة للحرب، ومخاطر مشروع ماكينة الحزب لصناعة ذاكرة جديدة. إذن كانت معالجة الصراع مع إكراهات زمن الحرب ثيمة أساسية في أعمال الكتاب الذين عاصروا لحظات انزلقت فيها المُجتمعات إلى هاوية الحرب، ويأتي الكاتب النمساوي ستيفان زفايغ في مقدمة من تناولَ المساعي الرامية لاحتماء الذاكرة من آلة القهر، حيثُ يسعى بطل «لاعب الشطرنج» للاحتفاظ بقواه العقلية من خلال خوض سلسلة مباريات على رقعة الشطرنج ضد الخصوم المُفترضين، وهو قيد الاعتقال، ويختارُ مانديل جاكوب في العمل الذي يحملُ اسمه الصادر من مسكيلياني تونس 2018 انشغالا في عالم الكتبِ منقطعاً عن أخبار الحرب في أحد مقاهي مدينة فيينا، ودأب على نشر إعلان كل يوم أحد يذكر فيه عنوانه واستعداده لشراء الكتب القديمة.

صومعة

يعتمدُ ستيفان زفايغ على تقنية التداعي للعودة إلى بيئة المقهى الذي كان يقيمُ فيه بائعُ الكتُبِ القديمة، حيثُ يحلُ الراوي بعد غياب لمدة عشرين سنة في مدينة فيينا، وبينما يتفرقُ المارة باحثين عن ملاذٍ من وابل المطر يُصادفُ أن المكان الذي يلجأُ إليه هو المقهى الذي يرتاده وصديقه بعدما أخبره الأخير بأنَّ ضالته من الكُتب لا يجده إلا في صومعة مانديل غاليسي آخر سلالة باعة الكُتب القديمة، ومن ثُمَّ ينتقلُ الراوي إلى وصف جاكوب على المستوى الخارجي، لافتاً إلى أنَّ بائع الكتب لم ينتبه لوجودهما قبل أن يضرِبَ رفيقه على الطاولة ويعقبُ ذلك كلام الراوي عن الكتب التي يدور عليها، مرفقاً غضبه على أمين المكتبة الذي خيب أمله، وبهذا يرفع الحاجز بينه وبين جاكوب.
وما لبث أن طالب بمصنفات ومقالات مؤيدة أو معارضة لميسمر، هنا يضعكَ الراوي أمام الصورة، التي يبدو فيها بائع الكُتب وسرعته في سحب ما خزنه في ذاكرته من المؤلفات الصادرة عن ميسمر مع الإشارة إلى مكان الإصدار والثمن.
يسترسلُ الراوي في رسم هذه الشخصية الفريدة من نوعها مقارناً إياها بعقليات فذة.
يصلُ تفاني مانديل بالكتب إلى درجة ينصرف كل اهتمامه إلى الكلمات التي تتغدى بها عيناه، بدون أن يشغله نوع الطعام ممتنعاً عن معاقرة الخمر والتدخين.
يكمن مصدرُ متعته في تقديم كتاب معين لمن أضناه البحث عنه هكذا يتخيلُ للمتلقي رجل مقهى غلوك في صورة راهب بصومعته بناء على تواردُ من المعلومات على لسان الراوي.

أنقاض الإنسان

ويتبع صاحبُ «رسالة من امرأة مجهولة» تعدد الرواة إذ تتفتحُ القصة الأولى بعرض جانب من شخصية مانديل جاكوب المُنْغَمِس في الكُتب وتكتملُ المَرأة المُنَظِفة سبورشيل الوحيدة التي تتذكر مانديل، وجهاً آخر من حياته المتأزِمة في زمن الحرب. وبما أنَّ بائع الكتب لم يحفلْ بوقائع الحرب ومن انتصرَ ومن خَسِرَ وبأنَّ علاقات البلدان يتحكم بها منطق ثنائية الأعداء والأصدقاء، لذا ما فتئ يراسلُ وكلاء دور النشر في لندن وباريس، مُحتجاً على عدم تسلمه طلبيته، علماً أنه دفع الثمن مسبقاً ولم يُصَدِق المعلمُ المتخصص الذي عُينَ لمراقبة المرسلات مارأه عاداً إياه مزحة، غير أنَّ تكرار الأمر يحمله على تبليغ الجهاتِ العُليا وأخيراً يلقى القبض على جاكوب ويقضي سنتين في السجن، ولولا توالي المراسلات من شخصيات بارزة على عنوانه في المقهى، لكان مصيره جنوناً، لكن من يخرجُ من السجن ليس إلا أنقاض إنسانٍ، إذ تصف المنظفة لونه الذابل وسحنته الشاحبة عقب مرحلة الاعتقال، ويتعمقُ جرح بائع الكتب أكثر حينَ أصبح شخصاً آخر مالكاً للمقهى وهو يتحينُ فرصة لطرد مانديل الذي عانى الفاقة ما اضطر إلى سرقة الخبز ليسد جوعه ولا يغفر له ذلك ما يعني وقوعه في العراء وطرده من مكان كان بمثابة مأوى لذكرياته مع الكتُب، وما يخلصُ إليه المتلقي أنَّ الحرب تدفعُ بمظاهر غير إنسانية إلى سطح المجتمع، وتختفي معالم الحياة الطبيعية مع ظهور أسياد جدد.
وفي القسم الذي يلي قصة مانديل تحت عنوان «المجموعة المَخفية» يرصدُ ستيفان زفايغ تداعيات الحرب أيضاً منطلقاً من حياة تاجر التُحف الثمينة يعيشُ في درسدن يقتفي أثره من يزاولُ المهنة نفسها بعدما تهدأُ الحرب علَّ أن يعثر لديه على بعض القطع النادرة غير أنَّ هذه الرحلة تكشفُ مأساة الأسرة التي اضطرت لبيع كل ما اقتناها المستشار غابي الذي أصبح ضريراً ويتحسسُ سطح اللوحات والمُقتنيات، بدون أن يدري أن ما يتفاعل معه ليس إلا مجموعة من القطع المزيفة صارت بديلاً لما باعته زوجته وبنته من التحف لسد الاحتياجات المادية، وما يثقل عبء الأسرة هو مقتل زوج ابنة التاجر في الحرب، فظلت وحيدة مع أربعة أطفال صغار. مُقابل محنة هؤلاء المنكوبين يستفيدُ المضاربون الذين تتراكم ثرواتهم مُقتنصين فرصة تقلبات البورصة وسيادة المعايير الغائمة، ما يرمي إليه مؤلف «الخوف» هو إبانة خسارة الإنسان للقيم والتاريخ، كما أشرنا آنفاً، أنَّ ستيفان زفايغ رغم مساحة أعماله لكنه لا يبني مواده السردية بأسلوب نمطي، إنما يجد متسعاً للاهتمام بالتنوع في المبنى الحكائي.



6
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}