• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
الساعةُ الخامسةُ والعشرون
الساعةُ الخامسةُ والعشرون
«" إن الأمل الوحيد الذي نحتفظ به حتى الآن هو أن لا نكون أمواتاً . غير أن الأمل لا يمكن أن يضاهي الحياة نفسها . فالأمل عشبة تنبت حتى بين القبور»

ما الأمرُ يا ارقش، ما كل هذا الاقتضاب! لقد عاد الجرح ينزف، ساخنا كأنه قد أُحدث للتّو، فكيف سأكتب إليك بعد الآن؟

إن جُل ما فعلتُ يا ارقش هو أن جعلتك لي أيقونة، كتبتَ من أجلي قصيدة، فأهديتُ إليك كتاب. 

وها أنا ذا أعود مجددا، أكسرُ حاجزَ السكون. وأنا أنهي قراءة رواية الساعة الخامسة والعشرين يا ارقش، أفكر أن أكتب لك، أحاول انتقاء موضوعا قد لا يُثير مللك. أفكر أن أكتب عن الحزن لأنك تحبه، عن أحزان الناس وأوجاعهم. عن الألم وتحجيمه، عن الجرم الذي يُرتكب عند تجاهله والتساهل فيه، أليس تجاهل الحزن جريمة يا ارقش؟.

ثم أعود إلى رشدي وأتدارك الأمر. ولأني أعي تماما أن الكتابة بموضوع كهذا سينبشُ الجراح وسيكشفها، سيستنزفني إلى حدٍ قد لا أقوى بعده على الكتابة مدة طويلة، أقررُ أن لا أفعل، وأنصرف من فوري إلى الحديث عن شيء آخر. ما رأيك لو تحدثنا عن رواية الساعة الخامسة والعشرين؟ نعم؟ إذن  هيّا بنا نتمشى.

« غير أن آلام البشر لا يمكن أن تُقاس بالكيلوغرامات والأطنان! إن الحياة لا يمكن أن توزن، إن ذلك الذي يحاول وزنها يرتكب خطيئة قاتلة»

الحقيقة أن هذه هي المرة الأولى التي سأحاول فيها الكتابةَ كقراءةٍ لنصٍ أو كتاب. بصراحة أنا لا أُجيد هذا النوع من الكتابة ولا أحب قراءته؛ ذلك لأن القراءات أو المراجعات- كما يسميها البعض- تحصر نظر القارئ في زاوية واحدة، تضيق عليه أفق الرؤية والتأمل والتعمق. والقارئ الجيد لا يجب أن يكون كذلك على الإطلاق، فإذ لا بد له من التوغّلِ في النص بالطريقة التي يحب وإلى العمق الذي تستطيع مداركه الوصول إليه.

         

«الساعة الخامسة والعشرون اللحظة التي تكون فيها كل محاولة للإنقاذ عديمة الجدوى، بل إن قيام المسيح نفسه لن يجدي فتيلا. إنها ليست الساعة الأخيرة، بل هي الساعة ما بعد الساعة الأخيرة، ساعة المجتمع الغربي، إنها الساعة الراهنة، الساعة الثابتة المضبوطة»


الرواية باختصار عزيزي الارقش تحكي قصة بطلها الأول ايوهان موريتز، فلاح بسيط يزج في السجون والمعسكرات ظلما، يُعامل كهيودي رغم أنه ليس كذلك، يُسجن في معسكر اليهود ويُجبر على الأعمال الشاقة كالحيوانات كما وصف نفسه، ثم يهرب إلى هنغاريا فيوقف هناك لانه روماني ثم يُباع من قبل الهنغار إلى الالمان ويُسجن من جديد ويُعذب لانه هنغاري. ثم يلتقي باحد المسؤولين والذي يُصرُّ بدوره على أنه من سلالة نادرة من الألمان، يعامل على أنه جندي لا سجين. طيبته وسذاجته تدفعه لمساعد بعض السجناء الفرنسيين على الهرب، ليقابل مجموعة من العساكر الامريكان، يقدموا له المساعدة ثم يُزج بالسجن ثانية لأنه روماني. يُرسل يوهان موريتز إلى عشرات المعسكرات ليواجه فيها كل فضائع الحرب والويلات بسبب أوراقه، في كل معسكر يدخل إليه كان يموت شيء في داخله، عند كل مرحلة كان يتحول إلى شخص مختلف حسب ما يُكتب في الملف. يفقد هويته في الحرب لكنه يُبقي على إنسانيته في ظل واقع تحول في مجمله إلى آلات.


«إنني أُصدقك و مع ذلك لا ينبغي لك أن تشرب دما وليس لدي ما أقدمه لك غير ذلك. إنك الرجل الوحيد بين كل المحيطين بي الذي لم تشرب بعد دما بشريا. هل تسمعني؟ لقد ولغ الآخرون جميعا في الدم وهم الآن كالعفاريت. إنهم ليسوا بشرا»

 الشخصية الرئيسية الثانية هي تريان، كاتب روائي دبلوماسي يلتقي بيوهان موريتز بأحد السجون، لكن تريان يفضل الموت بكرامة على الذل والبقاء أسيرا في المعسكرات ظلما، فيقرر أن يعبر الأسلاك الشائكة فيُرمى بالرصاص أمام مئات المعتقلين وأمام صديقه ايوهان موريتز.  

 

« لا تخف يا عزيزي موريتز ، إنني لست مجنونًا ، إنك إذا ظننتني كذلك أشعرتني بأسف مرير . 

إنك تزعم أنني لا زلت على قيد الحياة ، لأنني إذا توقفت عن الحياة فذلك معناه في نظرك لزوم دفني وعندئذ ستكون عيناي مغمضتان وقلبي متوقف عن الخفقان وأجفاني مسبلة وجسدي بارد . أي أنك سترى عندئذ جثتي الهامدة .. ولكن يا عزيزي مورتيز هناك بعض الميتات لا تخلف وراءها جثثًا . فالحضارات مثلا تموت ولا يبقى منها جثث وكذلك الأديان إذا ماتت الأوطان .. إن الرجال أحيانًا يموتون دون أن يخلفوا جثثًا فهل تفهمني ؟ »


هل لا زلت تسمعني عزيزي الارقش؟ إن رواية الساعة الخامسة والعشرين رواية متجددة الفكر والروح، تناسب كل مكان وزمان. آسرة، آخّاذه، إنها من النوع الذي تحب، إنها زوربا يوناني آخر رغم أنها لا تشبهها، عميقة، مذهلة إلى الحد الذي سيدفعك لقراءتها مرات. إنها حكاية الحروب والنزاعات. مرعبة إلى الحد الذي سيجعلك تخاف من الطريقة التي وصف فيها الكاتب طريقة َ تحول الإنسان إلى آله. الرواية هي حكاية الصراع بين الإنسان الحقيقي والإنسان الآله، وقد وُفق الكاتب ُُ في اختيار الحرب كمرتعٍ خصب لهذا الصراع. إن حرب ايوهان موريتز وتريان كانت عالمية، أحدهم اختار الحياة رغم بشاعتها والآخر رحب بالموت بكبرياء، أما معاركنا يا ارقش فهي في دواخلنا، حروبنا باردة خاسرة، والسجون في صدورنا مظلمة.


«لقد أشرف العالم على دخول ساعته الخامسة والعشرين، وهي التي لن تشرق الشمس من بعدها على الحضارة البشرية أبداً، والتي لن يحلّ بعدها يوم جديد، إنها الساعة التي سيتحول فيها البشر إلى أقلية عديمة القدرة على التفكير لا وظيفة لها غير إدارة جحافل الآلات وصيانتها وتنظيفها»


المجدُ لك يا ارقش ذو الأسماء، المجد لكل أصحاب الروايات الخالدة والاقلام النقية، الذين فهموا الحزن ومنحوه حقه، الذين عرفوا موطن الجرح فألقوا فوقه الضمادات..... برفق.

* تنوية جميع ما ورد بين أقواس التنصيص هو اقتباس من رواية الساعة الخامسة والعشرين.


9
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}