• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
رسالة من الجحيم... بقلم: مصطفى محمود
رسالة من الجحيم... بقلم: مصطفى محمود
هل يمكن أن تكون البراءة ذنباً .. والفضيلة ورطة .. والعفة سقطة تستدعي الكفارة والندم .. أشد الندم .. إن أحكامنا تتوقف على الزاوية التي ننظر منها إلى الأشياء .. وإذا وقفنا على رؤسنا، فيمكن أن نرى الأشياء مقلوبة ويكون هذا أمراً طبيعياً، ومع هذا فزوجتي لم تكن تقف على رأسها لكي ينقلب كل شيء في نظرها.

وأقدم لكم زوجتي أولاً .. السيدة فريدة علم الدين .. اسمها يدل على أنها من بيت قديم محافظ .. وهذا هو الواقع .. الشعار إياه الذي يردده كل العرسان في باب إعلانات زواج، بنت طيّبة من بيت قديم محافظ تُقدّر الحياة الزوجية مستعدة لفرش أربع غرف.

الشهادة لله أنها فرشت خمس غرف وصالة .. وأنها طيّبة .. على الأقل على ما يظهر من سلوكها في أيام التعارف الأولى.

ولكن الطِيبة أيضاً أمر يختلف تفسيره عند كل طيّب وطيّبة .. فيمكن أن تكون الطِيبة هي الغفلة ويمكن أن تكون العبط، وفي قول آخر أنها الكرم واليد السخيّة، وقول ثالث أنها الدروشة وحج بيت الله والصّلوات الخمس في أوقاتها، وفي قول رابع أنها التوكل وترك كل شيء للخلاق، وفي رأي مودرن أنها المجاملة والتملّق واستقبال كل الناس بالأحضان والقبلات ومسايرة الزمن، وفي رأي مودرن آخر هي الجَد وقول الجَد.

المسألة إذن تختلف فيها وجهات النظر .. الكلمة واحدة .. ولكن لها ألف معنى.

ولهذا لن ينفع أن أقول لك أن السيدة فريدة علم الدين من بيت طيّب وأنها طيّبة .. وإنما يجب أن أُدخِلك معي بيت الهنا الذي دخلته لترى ماذا فَعَلَت بي طيبتها.

كانت أول كلمة قالتها لي : ألا يكفيك أنك قد تزوجتَ بِكراً .. والأبكار لا وجود لهن في هذا الزمن .. أشهدُ أنها كانت بِكراً بالفعل .. أما بقية الجملة فلا أستطيع أن أجزِم بصحتها فليست عندي إحصائية فيها عدد الأبكار من بنات هذا الزمن .. وإن كنتُ أشعر بالدهشة من السؤال، فهل مفروض أن أُقبّل الأرض وأركع أمامها شاكراً حامداً لأنها بِكر .. وهل هذا شأنها أم شأني .. هل احتفظت ببكارتها احتراماً لجسمها وصيانة له .. أم أنها احتفظت بها كميدالية تُقدّمها عند الطلب وتتقاضى ثمنها.

يبدو أنها كانت لها وجهة نظر مختلفة جداً في مسألة البكارة هذه .. لأنها راحت تقاضيني ثمنها .. وكأنها ورطة وقعت فيها وذنب يستدعي منها أشد الندم .. فقد فعلَتْ هذا من أجلي .. وهأنذا أنا لا أستحق النعمة .. يالها من غلطة.

لأعوضها إذن عن هذا التلف .. أقصد عن هذه العفة .. أقصد عن هذه الطهارة.

كل يوم مَرّ في حياتها أبيض بلا ماض تطالبني بجريرته .. وكل خيانة تسمع أن النساء يرتكبنها ولا تفعلها .. تنقلب نكداً على رأسي .. فهي شريفة بين نساء كلّهن كلاب .. وهي عفيفة بين زوجات كلّهن قذرات .. حاضر على عيني وراسي .. ما هو المفروض أن أفعله.

أي شيء لا ولن يُرضيها.

لابد أن أطفح الدم .. شجاراً ونقاراً كل ليلة انتقاماً مني لهذا الشيء الذي لم تفعله ..

وأنا رجلٌ لي عمل .. وهي لا تفهم كيف يمكن أن يكون للزوج عمل غير زوجته ..

أقول لها كل يوم أني مهندس مسئول .. وأني أقوم بعمل جسيم .. هو تخطيط مدينة .. وهو عمل يحتاج إلى كل أعصابي.

أي مدينة.. !!

وهل توجد مدينة سواها هي وسوى حبها .. أدور في فلكها، هي التي ادّخرَتْ كل شبابها من أجلي، لم تنظر إلى رجل. ولم تُعطِ نفسها لإنسان .. ولم .. ولم .. ولم .. واحتفظَتْ بنفسها بِكراً ( أشهد وأبصم بالعشرة أنها كانت بِكراً .. ولكن هل معنى هذا أن أقتل نفسي ).

تغار من نجاحي وتتمنى أن أفشل ولا يعود لي عمل سواها ولا يهم بعد هذا أن نجوع ونتعرّى ما دمنا معاً يا حبيبي ..

كذب طبعاً، فأنا أعلم أنها أحبتني لنجاحي .. وأني لو أصبحت الفاشل الخائب الذي يتبعها كظلها لما وَجدَتْ فيّ الشيء الذي تحبه .. ولأصبحْتُ موضوعاً منتهياً .. الموضوع الذي قُتِلَ بحثاً ولم يعد فيه شيء يثير.

تحبني وتتمنى أن تكرهني .. تتمنى لو ضبطتني متلبّساً بفعل شنيع يسقطني من عينها لتستريح وتقول لكل واحد :

" أنظر ماذا فعلتُ من أجله وماذا فعل الكلب، أنا التي حافظتُ على نفسي لم يمسسني بشر ولم ينلني إنسان .. ولم .. ولم .. ولم .. ولم .." تقول هذا لا لتقنعه ولكن لتُبرّر لنفسها مستقبلاً بهيجاً خالياً من الموانع تنوي عليه في ضميرها .. فمادام الرجال كلهم كلاب .. ورَجُلُها أكثر نباحاً .. فيالها من غلطة لا يجب أن تتكرر تلك العفة .. تلك الورطة التي تورطت فيها.

تقول لي كل يوم : لقد تغيّرت .. حبك تغيّر.

طبعاً حبي تغيّر إلى أحسن.

كان حبي قبلات وضمّات فأصبح حبي هو أن أمنحها عمري كله ووقتي وراحتي من أجل أن نبني معاً حياة أعظم لنا وللناس.

كلام فارغ .. فين أيام شهر العسل. كنتَ مشغوفاً بي كل لحظة .. لا أفكار في ذهنك سوى أين نسهر هذا المساء.

يا ست حب شهر العسل هو الحب الصغير .. كان كل منا يحاول أن يعطِي حبه للآخَر، أما الآن فنحن نحب بعضنا بعضاً الحب الكبير .. نحاول أن نعطِي حبنا للدنيا وللمجتمع، أنتِ تعطينه طفلاً .. وأنا أُخطّط مدينة.

كلام فارغ .. مجتمع إيه .. وبتاع إيه .. أنتَ لم تعد تحبني .. دائماً سرحان الفكر .. لابد أنك مشغول بامرأة أخرى .. وهذه قسمتي وهذا نصيبي المهبّب .. أنا التي حافظت على نفسي لم يمسسني بشر .. ولم يقربني رجُل .. ولم .. ولم .. ولم .. أخذتني بكراً .. خسارة فيك وفي عينيك.

انصرافي إلى عملي لا يبعث فيها إعجاباً أو احتراماً، وإنما يبعث فيها الغيظ والغلّ والحقد .. تقتحم عليّ لوحاتي وتنظر إليها كأنها عشيقة أو ضرّة لو استطاعت لفتَحَتْ رأسي لتفتّش فيه ولحَجَرَتْ على أفكاري.

تقول لي أنها تحبّني ولكنها في الواقع تحب نفسها .. فكل ما تعطيني من نفسها تندم عليه وتحاسبني عليه وتقاضيني عليه .. حتى ماضيها الذي لم أكنْ شاهداً فيه قدّمْتُ تعويضاً كاملاً عما فيه من شرف وفضيلة.

الحب عندها هو أن أكون في كل لحظة مبذولاً من أجلها مكرّساً من أجل ملاطفتها ومجالستها.

يبلغ بي العذاب أحياناً للدرجة التي أتمنى فيها لو كنتُ تزوجتها راقصة بشلن في شارع محمد علي وقد مرّتْ على ألف رجل ورجل .. لتتركني لراحتي وحريتي .. ربما لو كانت أخطأَتْ لكانت أصبحَتْ أكثر فهماً.

وفي لحظات اليأس التام والاختناق حينما أشعر أنها تجثم بمطالبها على مخّي .. وحينما تصبح المشكلة هي حرّية أو لا حرّية.

ساعتها أطلبُ الحرية بأي ثمن .. بالطلاق .. بالفراق .. بالموت .. أنجو بجِلدي ولو بسلخ جِلدي .. فلا سعادة أصيلة بدون حرية وملعون أبو البكارة اللي بالشكل ده .. فماذا يعني كون زوجة بلا ماضٍ .. إن ما تفعله وليس الشيء الذي لم تفعله هو القضية.

إن ما نفعله هو المهم .. وليس ما لم نفعله.

إن ما نفعله هو حقيقتنا .. هو شخصيتنا، هو مساهمتنا التي نُكافأ عليها .. أما أن نتفاخر لأن شيئاً ما لم نفعله .. فهي نكتة.

والغيرة يا سادة.

الغيرة العمياء التي تتلمّس الأسباب في دَقّة تليفون أو نظرة شبّاك أو خطاب أو شعرة مجهولة النسب على الجاكتة أو تذكرتين سينما منسيتين في الجيب الجواني ( وهما تذكرتان نكون قد ذهبنا بهما أنا وهي والله العظيم ).

هذه الغيرة ليست دليل حب .. وإنما ذريعة تسلّط وتحكّم ووسيلة للضغط والقهر وإحكام الأقفال والترابيس حول القلب والمخ وخيط من حرير يلتف حول الرقبة حتى يخنقها وحتى تبلغ الروح الحُلقوم وحتى أهتف أنا المتهم الغلبان مُقسِماً بأغلظ الأيمان أني أحبها والله العظيم أحبها وحدها فقط .. لم ولن أنظر إلى غيرها .. في أي يوم .. وفي أي بلد .. وفي أي قُطر ..

ولكن لا ضمان .. من يؤكد لها أن كلامي هو الصّدق؟

الغباء الشديد يريد أن يتأكد.

وأنا لا أستطيع أن أقدّم ضماناً أكثر من القَسَم وأكثر من أن أبكي وأتشنّج وأحلف على نفسي بالعمى وعلى أهلي بالموت إذا كنتُ كاذباً.

ولكن الغباء الشديد يريد أن يتأكّد.

من يضمن لها أني لم أكذب في جميع هذه الأقسام المغلظة. وماذا أستطيع أن أفعل أكثر من هذا.

أنتحِر لأُقدّم الدليل .. ؟!

أشنُق نفسي؟

وبعد المحاكمة الرهيبة .. يعود الغباء ليتكلم.

- أنتَ لم تعد تحبّني كما كنتَ تحبّني الأول.

- أي دليل أُقدّمه على حبّي أكثر مما أفعل كل يوم .. أشقى وأتعب .. وأهلك وأضع بين يديك ثمار تعبي.

- أنا لا تهمني الفلوس ( كذّابة فهي تهتم جداً بالفلوس ولم تتزوجني إلا بعد أن اطمأنّت إلى إيرادي ).

- إنها ليست الفلوس إنها العمر وشقاء العمر وكدّ الذهن وعرق الجبين الليالي الطِّوال وسُهاد السنين أُسلّمهُ لك راضياً مرضيّاً .. هل يفعل هذا زوج يحب أم زوج يكره .. أليست عندك ذرّة عقل.

لاعقل .. لاذرّة عقل.

وإنما غيرة حمقاء وأنانية تعمي الرؤية .. ورغبة في الامتلاك والتحكم والتسلط باسم الحب .. الحب الغلبان المسكين المفترى عليه.

احترتُ كيف أفتدي حريّتي.

حاولت أن أفتدي نفسي برقبتي بتعبي بفلوسي .. بالجنون .. بالتشنّجات بدون أمل.

ولكنني حُرّ .. وحرّيتي زادي وقوّتي.

- وأنا أجمل امرأة في مصر.

- الجمال ليس تقاطيع .. الجمال سجايا وخُلُق وسماحة .. وأنتِ لا تكشفين لي إلا الوجه القبيح من وجودك ..

- أنتَ لا تشعر بأنوثتي ولا ترى فتنتي .. إني أوقف المرور في أشد الشوارع ازدحاماً .. ولا أعود مَرّة إلا وعربة تطارني من يميني وعربة من شمالي.

- أنا أنظر إليكِ على أنكِ زوجة لا على أنكِ صيدة.

- أنا أنجبتُ لكَ أسرة وجعلتكَ أباً .. بعد أن كنتَ صعلوكاً.

- أسرة ستتربّى في جوٍّ من الجنون وستكون ضحيّتك لا هديّتك.

- أنا نظّفتك ولبّستك وجعلتك بني آدم.

- أنا لن أكون آدميّاً إلا لحظة أفارقك .. لحظتها سوف أسترِدُّ حرّيتي واحترامي لنفسي .. وأعود إنســاناً .. أنا طهقت .. طهقت.

هذه هي حكاية السيّدة فريدة علم الدّين .. زوجتي .. سليلة البيت المُحافظ .. ربّة الصّون والعفاف التي بلا ماضٍ.

وبلا مُستقبَل أيضاً.

- من كتاب : رائحة الدم - للكاتب : مصطفى محمود


16
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}