• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
هناك - سليم بركات
هناك - سليم بركات
أيُّ غفرانٍ للحجر الصغير هذا، الذي يبتكرُ الملهاةَ للجيوش، ويُخْرِج لسانَهُ، كطفلٍ شقيٍّ، للأسلحة المخزونة؟

كم هي قريبة بداهةُ الحرية، وغامضة في الآن ذاته. فالذي تعتقدُهُ جزءًا من لعبة طفولتك يغدو, في رقّةٍ ‹‹ تجرُّ ›› التاريخ إلى قانونه، سيرورةً تُمكِّن المعنى من إكمالِ ‹‹نصابه››. والصُّلْبُ، الكثيف، ذلك الذي يُدْعى حجرًا، بالذي فيه من ظلامٍ وثقَلٍ، يرشدُ النُّورَ، قَذْفَاً، إلى كمالِ النُّور، حيث الحرية ذاتُها صوتُ ارتطامٍ بين فِلْزٍ وآخر.

ألم يكن وَعيْدُ الله مشغولًا من حجرٍ لتستقيم روحُ الآدميِّ؟

‹‹حجارة من سجّيل››. وجهنّمُ؟ هي أيضًا فسحةٌ من أبَدٍ ‹‹وقودها الناس والحجارة››. وإبليس الساخر من نقيضه. في التجاءٍ لا يُلْجئ إلى العبث – خارجَ الدِّيْن ذاته. يُحَمِّلُ الأرضيَّ وزْرَ ‹‹الكثيف الأرضيِّ››، كأنَّما نقاؤهُ المصطفى عَثَرةُ اعترافٍ: ‹‹ قال لم أكن لأسجدَ لبشرٍ خلقته من صلصالٍ من حمأٍ مسنون››.

ويُقال، لغةً: الحجرانِ، أيّ الذّهب والفضّة. و‹‹ ألقَمَهُ الحجرَ، أيّ أفْحَمَهُ بجواب قاطعٍ، مُسْكِتْ››. والحجر، بعد هذا، على غاربه، من أزلٍ فلسفيٍّ إلى دَهَشِ طفلٍ يقوده معلَّمهُ في ساحة المدينة، وهو ينظر إلى تمثال حصان: ‹‹ كيف عرف النَّحات أن في الحجر حصانًا؟››. لا بأس. إنَّه سؤال الخَلْق كلَّه, الذي ‹‹ من صلصالٍ كالفخَّار››، وقد استعاد الفلسطيني البداهةَ تلك، المتواترة بين الغيب والعِلْم، في الدائرةِ المُحْكمةِ للحرية: ‹‹إن في الحجر فلسطين››.

والحجر المقذوف، بشهادةٍ لا تدركُها إلَّا الأعماق، هو اجتماع الروح ذرّةً ذرّةً، إذْ كان للجسد، من قبل، حصَّتهُ الكبرى في ثبات الحجر، فيأوي- مطمئنًا- إلى كهف حجريّ، وإلى بيتٍ حجريّ، وإلى متراسٍ حجريّ، من أجل‹‹بقاء الأصلح››. فإن أصابَ الحجرَ قَلَقٌ اهتزَّ الجسدُ من ذُعْرِ افتضاحه عاريًا، مكشوفًا، أمّا أن يُرمْى الحجرُ، بحمّى الروح التي تريد العاريَ وحْدَهُ أكيدًا، فقد قِيْلَ الذي لم يُقَلْ.

أربعون سنة على الانحسار العربي داخل‹‹ السور ››، الذي لم يَعُدْ يُرى من خلفه شيء قط. لُغاتٌ ذهبت ولُغاتٌ أتت. تحرير مُتَّسِع ‹‹وَهْمِيّ›› للأرض، وآخر ضيِّقٌ. توازناتٌ، ونُعمى ‹‹توازنات›› مفتوحة إلى الأبد، آنيَّةً وثابتةٌ، مع عدوٍّ آنيٌّ وثابتٍ بحسب ‹‹ نُعمى ›› الفكرة العربية وشهوتها. فأيُّ غفرانٍ سيشمل هذا الحجر الآتي من سُباتٍ مَلَكيٍّ، عميمٍ كَظَفَرٍ مشغولٍ من عظام الموتى؟

أيُّ غفرانٍ للحجر الصغير هذا، الذي يبتكرُ الملهاةَ للجيوش، ويُخْرِج لسانَهُ، كطفلٍ شقيٍّ، للأسلحة المخزونة؟

لا. ثمَّتَ خطوطٌ أخيرة لهذه الحَظْوة ‹‹الرخيصة››. القريبة من الأيدي، والتي اسمها : حجر. وفي الصَّفِيرِ الذي يتردَّدُ صداه بين شارع من ‹‹جباليا›› وشارع من عاصمة عربية، على مظاهراتٍ صغيرة أن تُقْمَعَ، وعلى مخيّلة عسكرية أن تبحث عن شبهاتٍ خارج ما تعرفُهُ من الممنوع: أيَّ أن تُضيفَ كلَّ صُلْبٍ إلى القائمة:

مَنْعُ اقتناء الحجارة. مَنْع الاقتراب من المقالع. منع بين اللَّحم إلَّا مجرومًا عن العَظْم. مَنْع بيع الدُّحَلِ للأطفال، إحصاء الزجاجات في كل بيت. لكن الدول ستعمد إلى ‹‹إسكاتِ›› المتخرِّصين، عربًا وأجانب، ممَّن يشكّكون في ‹‹ الديمقراطية ›› فتُقيم في كل ساحة نُصْبًا للحجر، محاطًا بشبكة من المعدن: ‹‹ حجر من بلادنا ››، وقد تصدَّرتْها حروفُ صارخة: ‹‹ الاقتراب ممنوع ››.

خوفٌ عميم قادمٌ. خوفُ العودة إلى الصِّفْرِ بعد كل هذا التاريخ من الكلام الرسمي المنسوج من زنازينَ، وأسلحةٍ لتحرير الدولة من الشَّعْب. خوفُ الصِّفْرِ الأكبر. خوفُ الخوفِ من عظام الحيوان، والزجاج، والمعدن، والحجارة. خوفُ الصراع الأول الذي اكتشف المعدنَ نقيضًا للإنسان الرَّخويِّ، برغم عظامه.

يا لَلذُّعر ! كانت الحرية، أبدًا على هذه المَبْعَدَةِ القاسية مَبْعَدَةِ القُرْب الأحمق ليدٍ على حجر. يا لَذُعْرِ الوقت الذي استرسلت فيه الجيوش بنجوى بحثهل عن سلاحٍ أكبر تستعيض بـ ‹‹ توازنه ›› المفقود عن صراعها، وتؤجِّلُ القيامةَ.

وهاهُمْ، من أجل ‹‹ تفنيد ›› القيامة بسحر عطفهم الزائد على ‹‹ براءة ›› الفلسطيني ( المسلّح بعفوية لا علاقة لها بتاريخ وعيه المسلَّح، كما يرتؤون), يُضْفُون على الطفولة وحدّها شهامة النضال ‹‹ العشوائي ›› الذي يقود.. إلى أين؟ ‹‹ أطفال حجارة ››؟ إنهم يريدون ‹‹ أطفال الحجارة ››، مُصاغيْنَ من بندٍ خارج تاريخ م. ت. ف. يريدون ‹‹ عفوية ›› السَّحْر، وهُمُ الحواةُ. لا.

رجال. نساء. صبْيَةٌ. شُبّان. خليط من الحليب إلى النبيذ، ومن اللثْغِ إلى البلاغة. ووعيٌ جارفٌ: حجرٌ مُتَّقِدٌ بنَفْخٍ من ثلاثٍ وعشرين سنة في كُورِ الحدَّاد، مرفوع على اليد، لا على اللِّسان كما فعل موسى. فإن اختزلَ ‹‹ الأعْرَابُ ›› حُلْمَ ‹‹ القيامة ›› على الأطفال فقط، فما عليهم إلَّا سماع هَمْسِ الآباء خلف ‹‹ اليقين البريء ›› ذاكَ، الذي يَعِدُ الأُمِّةَ بسحرٍ آخر، محبوكٍ من ترابٍ، وزيتونٍ، وألَقٍ يحدِّدُ للجسم الفلسطيني جهاتٍ أوسع من الدولة ذاتها، غير المنقوصةِ زهرةً، إلى الأبد.

 

أهوَ الحلُم يصوغ كُتْلَتُه الصُّلبة الآن، فِلْزًا فِلْزًا، ويدوِّرُ الكثافةَ ملء يدٍ تقذفُ اليقينَ إلى جسارتهِ المُعْلَنَةِ؟ … هَيْتَ لك أيها الهواء.


0
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}