• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
زئير القطط-٣
زئير القطط-٣
Google+
عدد الزيارات
114
الحلقة الثالثة والأخيرة

لم أكن وحدي أنا من يكره صابر، حتى بناته الثلاث لم يحسن استقبالهن في حياتهن ليجعل له بعد كبره عكازاً يتكئ عليه وقت ضعفه. أجسادهنّ الضعيفة تحمل من آيات تعذيبه وضربه ما حفر في النفوس قبل الجلود حفراً غائرة من الذل والمهانة وقلة الحيلة.

عدنا لنحيا في منزلنا الذي ابتاعه لنا صابر في كفرالشيخ، بينما كان صابر دائم التردد على القاهرة والساحل الشمالي بسيارته الجديدة دون أن يفكر باصطحاب إحدانا. تخرجت حنان وحسناء من كلية الهندسة بينما كانت لا تزال حبيبة تدرس القانون باللغة الانجليزية بكلية  الحقوق.

تزوجت حنان بعد تخرجها بعامٍ واحد من أحد معارف صابر القدامى في كفر الشيخ، ثم تبعتها حسناء بعامين، من زميل لها بالعمل. لم يحسن صابر تجهيز بناته كما كنتُ آمل وكنّ يطمحن، ولم أكن قد ادخرتُ مالاً يسند حاجتي في مثل هذا الوقت، فلم يكن صابر يمنحني الا فتات ما يتفضل منه كلما سألته حاجة لي أو لهنّ.

أمّا حبيبة، آخر حبة في عنقودي الصغير، فكانت حبة القلب وفاكهته. أقربهنّ لي، وكانت من تمسح الدمع في الليالي الطويلة وإن لم يساعدها صغر سنها في كثيرٍ من الأحيان أن تفهم سبب بكاءي.

ثم فهمت حين طالتها يد صابر، فهمت أنه لم يكن يوماً اباً صالحاً او زوجاً تقياً. وأن ما يمسكنا عنه مأوى نتلمسه ولقمة عيشٍ تسد الرمق.

كبرت حبيبة، اليوم عقد قرآنها على ياسر،هو أيضاً أقرب أزواج بناتي إليّ. كان يتيم الأم ، فتلمس بي أماً يبرها، وتلمست به ابناً يسند ضعفي. كان ياسر محامٍ بارع، لجأت اليه حبيبة لتتدرب لديه في مكتبه، هناك تعارفا ونشأت بينهما قصة حب. 

رغم ترددي وخوفي في البداية، لكنني حين حييت معها بقصتها، أحببتها ، وأحببت ياسر، وعرفت ان هناك مشاعر أخرى في هذه الدنيا غير القهر والظلم والخوف.

كانت حبيبة مختلفة عني أنا وأختيها، تخبرني بحكايات لا أفهمها، تعتنق أفكاراً لا أخالني عرفتها في أي من المحيطين بي. أستمع اليها في انبهار عن المرأة وحقوقها والعدل. تقصّ عليّ حكايات نساء نجحن وصنعن حياة، ونساء شققن الصعاب وحدهنّ، بنين أمجاداً بدون الرجال.تخبرني أن لي حقوقا اخرى غير المأكل والمأوى..لي حق الحياة والاحترام وصون الكرامة.

تعلمني ما لم تعرفه أمي أو ربما كل نساء قريتنا.. كانت وهي تجفف لي دمعي تخبرني ان دمعي عند الله غالٍ جدا.. 

فهمت ان الله يحبنا ولا يرضى لنا الظلم.. الظلم من صنع الانسان.. من صنع الظالم ورضوخ المظلوم.

ثم تسألني لم تمسكت بالصمت طيلة ثلاثون عاماً من زواجٍ قاهر؟ لم تلحفت بذله وظلمه بينما كان من الممكن أن أقاوم؟ مسكينة حبيبة لا تعرف ان النساء مثلي لا صوت لهنّ أو دية أو حياة خارج بيت أزواجهنّ.

لكن حبيبة لم تستسلم، ولم تكن ضعيفة مثلي، لم تصمت أبداً. كانت هي الوحيدة بيننا التي ترفع سلاح الكلام أمامه، أمام صابر وترد إهانته. كانت تدافع عني حين يبطش بي بل وتحميني بجسدهاوإن تأذت هي. حتى تغيرت أشياء كثيرة، تغيرتُ أنا!

أسمع زغاريد في كل مكان حولي بينما تتلقى الأوراق الماثلة أمامهم من نسخ عقد الزواج توقيع ياسر وحبيبة وصابر والشاهدين. تنظر لي حبيبة، هذه السعادة في مقلتيها تهون كل الماضي الأليم الذي مررتُ به..تجعلُ لحياتي التي لم أعشها قيمة أصبر نفسي الكسيرة بها.

اتجهتُ الى منزلي، بينما اتجه صابر الى منزله بالقاهرة لثلاث ليالٍ بعد زواج حبيبة. في اليوم الرابع جاء صابر الى المنزل، لم أكن أعرف بحضوره فلم اعد طعاماً للغذاء وكنت وحيدة فلم أجد داعياً لإعداد طعام لي.

سمعت مفتاحه بالباب، خفق قلبي بمشاعر شتى تجتاحه، خوفاً وألماً وقهراً. تذكرتُ حبيبة وياسر. قالا لي كل شئ سيسير على ما يرام! اتجهت الى غرفتي وأجريتُ اتصالاً سريعاً، ثم ابتسمت.. الآن أنا مستعدة يا صابر!

تزوجت بناتي وأتممت رسالتي الآن، أبلغ من العمر خمسون عاماً، لكن النهاية لم تكتب بعد، وسأكتبها أنا بيدي الآن.ليس مهما ان نبدأ متأخرا.. المهم أن نبدأ حين نستطيع! 

هكذا قالت حبيبة!

حملت الحقيبة المثقلة بكل شئ مزعج داخلها ودفعتها الى خارج الغرفة، كانت ثقيلة كأيامي، كأنها تحمل فيها كل الذل والقهر والظلم والألم الذي عشته مع صابر، تحمل ثلاثون عاماً من الوجع والصمت المطبق.

وقف صابر متأملاً الحقيبة التي جئتُ بها اليه ووضعتها أمامه. 

صابر: ما هذه الحقيبة يا امرأة، هل قررتي الرحيل أخيراً.. مبارك!

ثريا: بل أنت من سيرحل، هذه الحقيبة تحمل ملابسك، ولا شئ يخصك بهذا المنزل بعد.

صابر: من الواضح أنك أصابك الخرف بعد زواج بناتك، فلتغربي عن وجهي ولتأوي الى الشارع فهو مكانك، هذا بيتي أنا

ابتسمت في ثقة وهدوء: لا يا صابر هذا بيتي أنا وبيت بناتي ولتغرب أنت عن وجهي فلا مكان لك في حياتي بعد الآن!

تقدم في غضب وكاد أن يبطش بي، لولا أن رآها في يدي، سكين مطبخ ضخم وجهته إليه في ثقة.

ثريا: إن اقتربت قتلتك!

صابر في ذهول : جننتي حقاً! 

ثريا: هذا البيت بيتي هو باسمي الآن اخرج من هنا، وبالمناسبة، منزل القاهرة وشاليه الساحل والسيارة.. كلهم أصبحوا ملكي! يمكنك اعتبارها مكافأة نهاية الخدمة، تعويض عن ثلاثون عاماً من الصبر والقهر وإن كان لا شئ يعوضني عن عمري البائد

صابر في ذهول: كيف، كيف يكون كل ما املك باسمك لا افهم

ثريا: تذكر نسخ عقد الزواج الكثيرة جدا التي وقعتها منذ أربع أيام في عقد قران حبيبة؟ كان من بينها توكيل عام باسمي لكل ما تملك.

صباح اليوم التالي سجلت كل ما تملك أنت باسمي أنا.. وبالمناسبة، رفعت قضية خلع بعدها بيوم وسيأتيك إخطار من المحكمة!

صابر: أيتها البائسة الحقيرة، هذا تزوير ونصب ، لقد سرقتني.. سأطعن في التوكيل ،أنت سارقة

هززت كتفي بلامبالاة: كما شئت ، فلتطعن كما تشاء، التوقيع توقيعك، فلا بأس أن تضيع بعض المال لدى المحامين لإثبات ما هو واقع بالفعل. 

صابر: أيتها ال..

ثريا: شششش، بالمناسبة هناك محضر في القسم بعدم التعرض

صابر: كيف ومتى خططتي لكل هذا، أنتِ شيطان!

ثريا: في الحقيقة لم أفعل، فعله ياسر! محاميّ الخاص وزوج ابنتي

صابر: ياسر هو محاميك الخاص!!

سارينة الشرطة يعلو صوتها في أسفل العقار بينما ابتسم أنا في انتصار وسعادة لأول مرة منذ ثلاثون عاماً

ثريا: آآآه، آسفة نسيت أن أخبرك أن هناك حكماً بسجنك، أنا أنسى كثيراً هذه الأيام!!

صابر: سجني أنا ، بأي تهمة!

ثريا: تبديد قائمة منقولات الزوجية! وآسفة أن المحكمة أخطرتك أكثر من مرة وأنا تسلمت عنك الخطاب ولم أخبرك فاعتبروك متهرب ونلت حكماً بالسجن ثلاثة أعوام!

 صابر: لا يمكن هذا لا يحدث، كيف وليس لديك قائمة منقولات أي عبث هذا؟ّ!

ثريا: أخبرتك أنني أنسى كثيرا هذه الأيام، اعذرني..نسيت أن أحكي لك، تذكر قائمة منقولات حبيبة التي وقعت عليها؟؟ هي قائمة منقولاتي أنا بالمناسبة ومضى عليها ياسر كمحامي وليس كطرف العقد، وأنا وقعت عليها بعدك يا صابر كطرف ثانٍ!

ثم رفعت عليك قضية بتبديد الذهب والمنقولات وجاء محضر من المحكمة ليرى الشقة الفارغة وأثبت واقعة السرقة

صابر: لكن الشقة ليست فارغة كيف أثبت ذلك؟!

ثريا: الشقة التي تعلونا فارغة وهي لي بالمناسبة اجرتها مؤقتا من المالك لأثبت ان الأثاث تبدد ولكن بعد التوكيل العام والنقود التي أخذتها منك ابتعتها البارحة من المالك.

ثم جاءك اخطار بحضور القضية ولم تذهب أنت للمحكمة لثلاث مرات.

طرق على الباب يقطع حديثنا، اتوجه في حذرٍ لأفتح الباب، يدخل ياسر ومعه ضابط الشرطة ليلقي القبض على صابر وهو لا يستطيع أن يفيق من صدمته بعد.

ثريا: نسيت أن أخبرك يا صابر، القطط الوديعة ايضاً تملك صوتاً إن أذاها أحدهم.. هل سمعت يوماً عن زئير القطط؟!!

نظر الي نظرة خاوية بعينين زائغتين قبل أن يختفي تماما من أمامي.. ولأبدا أنا حياتي من بعد صابر.. بداية ما بعد النهاية!


0
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}