• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
زئير القطط-٢
زئير القطط-٢
Google+
عدد الزيارات
174
الحلقة الثانية

بعد ثلاثُ ليالٍ عدتُ إلى صابر، كانت رؤيته تخنقني، وجوده في البيت أصبح رعباً حقيقياً. تثير غضبه أبسط الأشياء فلا يلبث أن يصرخ ويسب ويهين وينتهي بالضرب.

كان يعلم أن لا ملجأ منه إلا إليه، أين سأذهب في بلدٍ غريب دون مالٍ أو معارف أو مكانٍ يأويني؟!

بعد ثلاثة أشهر، وضعت حنان..نبراساً من الحب فتح لي طاقة نورٍ لأتكئ عليه في ليالي الظلمة الحالكة. ظننتُ صابر يتغير بعد رؤية هذا الملاك البرئ، لكن الوضع كان يزداد للأسوأ. 

لا أذكر أن صابر حاول يوماً أن يحمل حنان بين ذراعيه، أو أن ينظر إليها نظرة الأب لابنته. كيف لم ألحظ كل هذه القسوة واللامبالاة في عينيه قبل زواجي به؟! هل يجيد المرء التصنع الى هذا الحد.. حد طمس معالم شخصيته؟!

مضت الأيام بينما أنا أحاول أن أجعل من حنان دنيتي الوحيدة واتناسى صابر وقسوته وإهاناته المتكررة وضربه المبرح لي. 

لم يكن صابر قادر بعد أن يبتاع بيتاً لنا لنحيا فيه، ففي الأيام القليلة التي كنتُ أقضيها في مصر مع صابر، كانت بين خدمة أهله في بيتهم وبين معرفتي أنه لامكان لي بعد الآن في بيت أبي بعد زواج أخي فيه واحتلاله نصف البيت هو وزوجته وابنه الرضيع. ثم بدأت والدته بالمطالبة بولدٍ يحمل اسم صابر، فأنا لستُ بأقل من زوجة ولدها الآخر أو ابنتها وكلٌ منهن تحمل ولداً أو اثنين.

بعد عام، كنتُ أضع مولودتي الثانية حسناء، كانت شديدة الحُسن عند ولادتها. لكن صابر لم يرَ من حُسنها سوى أنها وصمة عارٍ أخرى تضاف إلى عائلته التعيسة. هجر البيت لليالٍ كأنه عقاب لي على ما وضعتُ بين يديه، ثم حين عودته، لم يفرق بيني وبين حنان التي لم تتعدَّ العامين في الضرب المبرح. كنتُ أحاول بكل ما أوتيت أن أحمي جسدها الضعيف بجسدي المتهالك، لكن الكثير من الأذى كان يطولها في جسدها وروحها البريئة على حدٍ سواء.

سنواتٍ مرت، أخالني نسيتُ طعم السعادة إلا من ضحكة بريئة لإحدى هبتي الله لي. كانت شكواي إلى الله وحده، بينما كانت دائماً أمي تردد على مسامعي أن المرأة ليس لها سوى بيتها وزوجها. أين سأذهب بأطفالي، من سيتكفل بي أنا وبناتي؟.

لم أشعر في يوم قط أنني امرأة بل لم اشعر انني إنسانة تستحق الحياة بكرامة وعزة نفس. كنتُ دائماً صامتة أخاف أن أرد بما لا يهوى، فيهوى عليّ بقبضة يده، أخاف منه وأكرهه وأكره كل حياتي بسببه. ثم في لحظات الهدوء ليلاً يذكرني أنما أنا قطته الوديعة التي لا يُسمعُ لها عواء، ولو كنتُ اخترتُ غير الصمتِ رداً على وحشية معاملته،لكنتُ دفعتُ ثمناً أغلى مما أظن!

ثم بعد مولد حسناء بخمس سنوات، كان خبر حملي الثالث بالنسبة لي كيوم اختبار بين الحياة والموت.

أقسم صابر إن أتيت بأنثى يطلقني ولا شأن له بهنّ، وإن أتيت بذكرٍ فسأنول كرماً من العيش، بل إنه وعد أنه سينتهي من ضرب الفتاتين الصغيرتين إن أتيت له بالولد.

ماذا يظن رجلاً مثله حين يتحدى إرادة الله ومشيئته؟  أخفيتُ حملي بالفتاة الثالثة في شهري الخامس، بينما كنتُ أحيا وأنا أنتظر الموت لأربعة أشهر حتى وضعت حبيبة. بعد يومين من وضعي، طلقني صابر وتركنا أنا وثلاث فتيات في البيت وحدنا بلا عائل ولا مالٍ يكفينا، في بلدٍ غريب لا نعرف فيه أحد.

لم يكن لي مؤخر صداقٍ يذكر ولا قائمة منقولات يسددها لي، لا شئ حصلت عليه من زيجة بائسة سوى ثلاث فتيات وجسد أنهكه التعدي بالضرب وحطام امرأة. بعد أسبوع، طرقتُ الباب على إحدى جاراتي، كنتُ في حالٍ يرثى لها. لم أتخطَ بعد نفاسي بعد، وحبيبة تعاني من الآم لا أعرف سببها وليس معي ما يسمح لي بزيارة طبيب.

أشفقت على ضعفي المرأة الحنون وأخذتني الى طبيبة الأطفال، وتكرم زوجها بشراء دواء حبيبة. ثم اكتشفت بعد إصراري ألا أصطحبها الى منزلي، أنني كنتُ خجلى من أن أريها منزلي الخالي مما يسد الرمق. لم تتأخر السيدة الكريمة في إطعام الأفواه الجائعة وشراء حاجيات البيت الأساسية.

ثم تدخل زوجها لمحاولة الصلح بيني وبين صابر، فلا مفر من عودته إلى بناته اللاتي لا عائل لهن ولا سند غيره وإن كان سنداً شائكاً، يضر أكثر مما ينفع.

عاد صابر الى المنزل بعد أن هدده جارنا أن يفضح أمره لدى مديريه وزملاءه في العمل، عاد بأسوأ مما ذهب. لم تكد إحدانا ترفع صوتها حتى ينهال عليها ضرباً. حتى الطفلة الرضيعة لم تسلم من أذاه حتى كُسرت يدها في إحدى المرات.

في الزيارة التالية لمصر، تمكن صابر من شراء منزلاً لنا في مكانٍ محمود ببلدتنا في كفر الشيخ، وظننتُ أن ضيق الحال ينتهي بعد شراءنا المنزل الذي كان صابر يمسك علينا قوتنا من أجله.

بكيت قبل سفري بين ذراعي أمي رجوتها أن ابقى بجانبها، لم يعد جسدي يتحمل بطشه ولا روحي تتحمل قهره. أذكر يومها حين جففت دمعي وهي تسألني صبراً.. من سينفق عليك أنتِ وبناتك؟ من سيأويكِ بعده ياابنتي ، تحملي.

قالت وإن فعلتِ ووجدتي من يحمل همك، بناتي يكبرن، يهرولن نحو سن الزواج، من سيتزوج ثلاث فتيات أمهن مطلقة؟ هذه وصمة في حقهن..لا تضيعي مستقبل بنات يا ثريا، تحملي من أجلهنّ.  

لملمت بقايا امرأة محطمة وعدتُ مع صابر، من أجل بناتي عدتُ وأنا أقنع نفسي، أنت قطة وديعة يا ثريا، لا تفسدي كل شئ بقلة صبرك، أمك تقول الصواب.

لكن ضيق الحال انتهى عند صابر فقط، كان يغدق على نفسه الملابس والعطور والسهرات ومظاهر الترف، بينما كان شظف العيش من نصيبي أنا وفتياتي حتى كان بعض الجيرة يغدقون علينا بعض العطايا في المناسبات والأعياد إشفاقاً علينا.

بعد عدة سنوات تمكن صابر من شراء منزلا آخر بالقاهرة، ثم شاليهاً بالساحل الشمالي، وأخيرا بعد خمس وعشرون عاماً من الغربة وعذاب الحياة مع صاب.. عانيتُ بها كل ما يمكنه صابر فعله لأكرهه، ولأكره حياتي بأكملها، عادت أسرتنا الى مصر.

وهناك بدأت مرحلة جديدة تماما..

يتبع الحلقة الثالثة


0
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}