• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
زهرة الكادابول "1"
زهرة الكادابول "1"
"1"

كانت ليلة باردة مظلمة......

الفاتح من شهر شباط تاريخ سيبقى محفوراً في ذاكرتها رغم فوضى الملفّات فوقه و تحته، فكأنه و مناخ هذه الليلة فيصل عالق بين الشتاء و الربيع .

فتحت جهينة الباب بهدوء تامّ، خشية أن يفضحها صدأ الأيام على مفاصله، فيئزّ متواطئاً مع جبروت أخيها و ضعف أمها، وحتى مع حطام الأحلام. 

أحكمت ربط حجابها، فيما عجز معطفها عن كبح اجتياح الرجفة في عظامها، فالأدرينالين الليلة في ذروته خوفاً وغضباً و برداً.

الإنارة الضعيفة لعمود الكهرباء العجوز، مكّنتها من تجاوز الحيّ بسلام، لتلقى نفسها أمام متاهة، دروبها تضيق و تضيق لتكتم على أنفاسها.

لابدّ أن أحد هذه الدروب مفتوح يتّسع لمرور ذؤابة روح في جسد هزيل، لكنها أعجز عن الاستدلال بمقولة "الخير فيما اختاره الله". 

هل اختار الله لها ؟؟!!!

هل يده التي دفعتها بقوّة لتتحرّر من فرعون و جنده، أم هي يد خفيّة تتربّص بها شرّاً ؟!

وما يدريها لعلّ الأرض كلّها مرتعاً للشياطين، بيدهم مفاتيح الرضا و السخط.. القبول و الرفض..  الاستعباد أو الاستعباد. 

بدأت تنوء بالحقيبة التي استودعتها تفاهاتها، والتي عجزت عن الاتساع لكون قلبها ومدارات الألم. 

كان بودّها أن تحمل أتفه أشيائها معها و لا تترك أثراً منها في عتمة ماضيها الكئيب، وتمنّت لو اتّسع الوقت للتخلّص حتى من صورها و خربشاتها و ملابسها العتيقة كعقول أهل بيتها و الحيّ و البلدة كلّها. 

لكن الوقت كان أضيق حتى من التردّد و الموازنة بين البقاء أو الرحيل، فقد ضاق و ضاق ليصير قراراً وحيداً، العقل أمامه مغيّب تماماً، فالروح لحظتها لم تكن إلا عصفوراً فُتح له باب القفص و لا يعرف كم صيّاد يتربّص به خارجاً. 

"إلى أين تمضين يا مسكينة، و أيّ جنون أن تكوني ريشة في مهبّ الريح، عودي أدراجك قبل افتضاح أمرك و تحايلي على بؤس واقعك بالصبر و انتظار الفرج. 

ثمّ إنك لا تملكين من المال إلا ما يوصلك بالكاد للمدينة .

عودي يا جهينة.. عودي

ليس للغريب  وطن ولا بيت و لا سقف يحميه".

هكذا راحت تحدّثها نفسها الغائمة بحزن، و تحاول جرّها لمزالق طريقها الوعر و غياهب القادم العاتمة .

لكنها استجمعت قواها و ردّت عليها بإيمان لم يزعزعه شر ّ البشر، و هي تكفكف دمعها :

"لكن له ربّاً يحميه، و إرادة تكفيه و تغنيه ".

صعدت آخر حافلة تغادر البلدة نحو العاصمة، ثم رمت نفسها متهالكة في مقعد اللاعودة.


"2"

شهادة جار


بشرفي و بأولادي الأربعة و بشاربيّ الذين ربيتهما شعرة شعرة، ليكونا دليل رجولتي  وعلامة صدقي الفارقة .. أقول :

 كنت أراها تتسلّل خفية كلّ صباح كلما خرج أخوها إلى عمله و الذي لا يعود منه عادة إلا مساء، و كانت تغيب بعض الوقت.. ما يقارب الساعتين بين زيادة أو نقصان، ثم تعود ووجهها أكثر إشراقاً.

في البداية حاولت إخماد النار التي تشتعل داخلي غيرة على شرف بنت حارتي وأخت جاري، و أدّعي أني سأكفّ عن مراقبتها من عين الباب الساحرة أو من خلف الستائر، و أريح أعصابي من كلّ هذا الشدّ والتوتّر.

لكن العين ساحرة حقاً و هيهات أقدر أن أقاوم سحرها، حين تدعوني بإلحاح وفتنة، كلما سمعت وقع خطى أحد الجيران. و ما الذي يمكن أن يفعله  عاطل عن العمل مثلي أو يملأ به  وقته سوى مراقبة الرائح و الغادي  و تتبع أخبار الجوار ثم إعادة بثّها بما تقتضيه المصلحة العامة؟!

وأنا منذ اكتشفت سرّ جهينة، أحدّث نفسي كالمجنون و أعيد نفس السؤال على زوجتي :

" أين تذهب هذه المغضوبة، وكيف تجرؤ على اغتياب أخيها؟!"

لا تظنّوا أنّي كنت أنتظر  ردّاً من زوجتي على أسئلتي.. 

فمنذ قالت لي يوماً :  دع الخلق للخالق ، أكلت حصّتها من الضرب بكلّ ما وقع تحت يدي، فتابت بعدها عن أن تستشرف أمامي و تدافع عن الباطل. 

و أبقى أحور و أدور لا أستقرّ على حال و أنا أردد في قلق خانق :

"يا لطف الله..  اللهم استر على حريمنا..  ولا تفضح بناتنا" 

"استغفر الله العظيم من الحال الذي وصلنا إليه".

ثم أقطع و أجزم بكلّ يقين :

"ليس مثل العشق ما يجعل الوجه مشرقاً هكذا و الخطى متراقصة ".

ثم لم أعد أطق صبراً..

قرّرت إخبار أخيها بما يحدث من وراء ظهره و إبراء ذمّتي

 لأن الحقيقة أمانة في عنقي، و للجار حقّ على جاره. 

في تلك الليلة....   

ساد صمت رهيب في بيت جارنا، بعد ساعات من الصراخ و العويل و النشيج المكتوم، و أصوات تكسير زجاج و أثاث و ربما عظام. 

كنت أرى زوجتي تتمتم في صلاتها  ولا أستغرب أن تكون تدعو عليّ ربها المنتقم الجبّار. 

أما أنا فقد نمت بعدها مرتاح الضمير، و كانت المرّة الوحيدة التي لم ألحظ فيها تسلّل جهينة الأخير.


"3"

شهادة صديقة


كانت صديقتي المقرّبة وربما الوحيدة، منذ طفولتنا إلى لحظة اختفائها تاركة ذكراها وشم ألم.

لا أدّعي أنني كنت أفهم تماماً هذيانها عن الحريّة، فقد كنت بطبعي هادئة أميل للسكينة و الرضا، اكتشفت بعد زمن أنهما خوف مبطّن يرتدي ثوب التسليم. 

لكن الفهم يبدو غير مهمّ أمام إحساس كلّ منّا بالأخرى، وتفانينا تجاه بعضنا مهما كانت النتيجة. 

كم مرّة راحت جهينة ترتجف بحضني إثر صدامها مع أخيها، الذي يعقبه بداهة ضرب مبرّح، و كم نصحتها ألا تعانده أو تقف بوجهه إذا ما ثار، وأن الصبر مفتاح الفرج، ولابد أن تأتي لحظة ينتهي به كلّ هذا العذاب. 

وهكذا كتمت سرّها خشية افتضاح أمرها و تمنيت لو تخبره أين تذهب كلّ يوم لعلّه يتفهّم، أو تكفّ عن فعلتها ولا تفتح على نفسها أبواب جهنّم.

هي تعرف تماماً أنه تحرّش بي يوماً، أنا التي كنت بمثابة أخت له،  ولولا دخلتْ فجأة لما تورّع عن مساس عفّتي.

و تعرف اكثر من ذلك....... 

فالعطر الرخيص على قمصانه لا يكتم خبراً. 

أتساءل بعد كل هذا الزمن الذي أراوح فيه مكاني:

هل كان سيصدّقني لو أخبرته الحقيقة.

حقيقة أنها كانت قد سجّلت بدورة حاسوب، و اقترضت مني رسم التسجيل.

و أنها كانت تنتظر ذهابه للعمل، لتمضي نحو نافذتها الوحيدة على العالم.

النافذة التي لم أستطع حتى اللحظة امتلاك إرادة فتحها،

بينما كانت لها تلك الإرادة، في تلك السنين البعيدة.


"4" 

شهادة عابر الحافلة


ما الذي يمكن أن تعنيه شهادة عابر سبيل مثلي بعد كلّ هذه السنين.

بالمقابل أقول:

ألم أكن أول من شهد صرخة "لا"  من يمامة السلام، وهي تتلوّى وجعاً في ذلك الأمس البعيد. 

ليلتها، ما زلت أذكر تماماً، أنها كانت الأنثى الوحيدة بين الركّاب. 

لفتت انتباهي منذ لحظة صعودها الحافلة، و تبيّنت رغم النور الشحيح كدمات زرقاء في وجهها، فقد صادف أن مقعدها قبالة مقعدي. 

جلست منكمشة تنضح تقاسيمها بالألم و كنت من حين لآخر أسترق النظر بلمحة خاطفة فأرى انسكاب الدمع من تحت ستائر الأهداب المسبلة.

لم يكن الفضول ما يحرّك مشاعري بل تعاطفي الإنسانيّ نحوها، فمما لاشك فيه أنها قد تعرضت لأذى جسديّ و نفسيّ و إلا ما الذي يدفعها للسفر إلى العاصمة وحدها في هذه الساعة المتأخرة من الليل ؟!

قلبي مضطرب النبضات لساعات، و حواسي كلّها مستنفرة كقطيع أيل نحو هذه الغريبة، و الكتاب بين يديّ أقلّب صفحاته و أدّعي القراءة، فيما عقلي يستهزئ من كلّ الحروف أمام ألم امرأة.

أتساءل بعد هذا الزمن، هل كان عليّ أن أعرض مساعدتي عليها؟!

ولماذا آثرت أن أدعها غارقة في نسك أحزانها؟!

أتساءل أيضا....... 

هل كان سيخطر ببالي، أنني يوماً، بعد تلك الليلة بكثير، سأميّز وجهها من غير حجاب عبر لقاء  على الشاشة الصغيرة.


"5"

شهادة مدرّس الحاسوب


هذه البنت فلتة....... 

أقولها و كأنها لم تزل بذاكرتي الشابّة التي تنضح برغبة الحياة والتوق لتجسيد كينونة الوجود.

لم أجد بسواها، حتى هذه اللحظة من كلّ الذين مرّوا عليّ في دورات تعلّم الحاسوب، مثل هذا الشغف للمعرفة، ولا تلقّفها السريع لأيّة معلومة مهما كانت صعبة، فقد قطعت خلال فترة وجيزة ما يحتاج معه سواها لسنوات دون مبالغة. 

و لأكن أكثر صراحة، لقد فتحت عيني على أمور كنت أجهلها، و أوحت إليّ بطرق لتطوير مهارات تعليم الحاسوب، كنت عميّاً عنها. 

كان عليكم أن تروا بريق عينيها حين يبدأ الدرس، أو خفّة أناملها على لوحة الأزرار، أو أناقة روحها في التنضيد و الجدولة و برامج "الفوتو شوب" و سواها.. وهل من كلمات مهما عظمت تقدر أن تصف عطر وردة؟!

أجل أنا أنحاز للجمال....... 

ليس انحياز الذكر للأنثى، بل انحياز المبدع لتجلّيات إبداعه فيما صنع، و كمحاولة للتقريب كبهجة الله بالإنسان حين يدور بمدارات لم تخطر على قلب بشر. 

إن تسألوني عن الجمال سأقول "جهينة" و أصمت.

وليست شهادة عاشق، فأنا أحبّ زوجتي و طفليّ و مخلص لأسرتي إلى المنتهى. 

بل هي شهادة حقّ الساكت عنها شيطان أخرس. 

فهل أخطأت حين أنشأت لها صفحة في هذا الفضاء الأزرق، تليق بأجنحتها؟؟!!

أم أنني كنت المجرم، من حيث لا أدري؟!


"6"

شهادة زميلة في دورة الحاسوب 


الشهادة لله - و قد ولّت تلك الأيام مع ملعونة الذكر - أنني لم أرتح لها منذ يومها الأول معنا. 

فراستي لا تخطئ أبداً، و الفراسة علمٌ و له أهل.

فقصر القامة علامة الفتنة و البلبلة، و دقّة الملامح دليل اللؤم و النفس الخبيثة، و جهينة اجتمعت بها الصفتان معاً. 

على فكرة، أمثال هذه الفتاة هم من أساؤوا للدين، فمن خلف الحجاب و ستر الرأس كم و كم تجري أمور في الخفاء. 

و إلا..  بحقّ الله..  ما الذي يدفع أستاذنا للثناء عليها أمامنا، و تحفيزنا من خلال مقارنة تميزها بنا.

ما الذي أعجبه بها، لو لم تكن تشبع رغباته وعين الرغبة عمياء. 

فلا اخضرار عينيّ يعنيه ولا طول قامتي ولا سيارتي الفارهة  ولا محاولاتي لفت انتباهه بطريقة أو بأخرى. 

ستقولون أن الغيرة تغلّف شهادتي تجاهها ولكم الحق فيما تقولون، لولا أنني رأيتها بأم عيني تكثر الالتفات كلصّ كلما غادرنا المركز، خائفة من أمر ما تخاله يتبعها أو يمسكها بالجرم المشهود.

لماذا تسألوني عنها ، و تشعلون ناري الخامدة بعد كلّ هذه السنين ، فأنا لا يعنيني و قد صرت  وزيرة للاتصالات، أن تكون جهينة حيّة أو ميتة، لأنها في الحقيقة ليست سوى ذكرى باهتة. 


يتبع


0
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}