• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
شيطَنة التُّراث!
شيطَنة التُّراث!
إلى أين سيصل بنا الحال في شيطنة كتب التُّراث العربي وتغويلها أمام القُرّاء؟!

كثيرًا ما يتصدَّر العوام والمُبتدئين في تنصيبِ ذواتهم حُكّامًا على الكُتّاب وتصانيفهِم وتآليفهِم والقدحِ بالكاتب وفنِّه، والعالمِ بعلمهِ، والأديب بنقله. فنجد الطالبَ المُتخصِّصَ في مساقِ الشريعة الإسلاميّة -مثلًا- يقدحُ بكُتبِ الأدبِ وصحّةِ أسانيدها ورواياتها مُعتدًّا بما عندهُ مِن سبيلٍ في منهج الجرحِ والتعديل للرجال الرواة لهذه الأحاديث، وغيرهُ نماذج كثيرة ممن تعالَم وهو  غير مُطَّلِع - فضلًا على أنه غير مُتخصِّصٍ في مساقٍ مُعيَّن- إلى نقل آراء مشايخهِ ومُعجَبيه من غير تمحيصٍ لهذه الآراء أو تدقيقٍ بها أو حتى من غير إنصافٍ وموضوعيَّة.



يقول أحدهم -مُتحذلقًا-: 

" عليكُم الحذر من كتاب الأغاني فإنَّ فيهِ بعض الروايات التي لا تصحّ" 

ولا أدري لماذا لا تَصِحّ، وبأيّ ميزانٍ لا تصحّ! 

أهوَ من منظورٍ شرعِيٍّ، أم أدبَـيّ؟ أم أنه قرأ نُتَفًا من رأي العلماء أو المشايخ عن شخصية أبي الفرج الأصفهاني -مثلًا- أو حتى منهجهُ في التأليف فصارَ يُحذِّر من الكتاب أيّما تحذير؟! 

إذا أردنا عرض موضوع الطعن في الأغاني -على سبيل الذكر لا الحصر-

من منظورِ الأدبِ والشرع؛ فلا يصحّ لك أنتَ كطالبٍ في  الشريعة أن ترجع وتستشهد بكتابٍ أدبِـيّ يحمل في طيّاته الكثير من الأخبار والقصص المنقولة والمأثورة، فهذه الكتب حَوَت كُل غثٍّ وسمين؛ حتى أنه قيل: بلغ كتاب الأغاني لأبي فرجٍ الأصفهاني أربعةً وعشرين مُجلّدًا ضخمًا، فلا يصحّ لك أن تطعنَ بكتاب أدبِـيٍّ موسوعِيٍّ شاملٍ كونه يحمل (بعض) الروايات التي لا تصحّ. 

فكُتُب الأدب التي من صِفَتها أن تأخذ من كُلِّ علْمٍ بطرْف، لا يمكن أن نجزم بالدليل القاطع منها في العقيدة مثلًا، 

فطالبَ حُكمٍ في العقيدة لا يذهب لعيون الأخبار لابن قُتيبة فينال منه مراده، وطالب صحّة حديث لا يكون كتاب نفح الطّيب للمَقَّرِيّ مرجعًا له في الجرح والتعديل لرجال الحديث، وطالب تفسير الآيات لا يهتم بكتاب الأمالي لأبي علي القالي

 -على مافيه من غرابة في التفسير وسعة نظره-. 

فهذا وإن حصل فيُعزى لجهل الباحث في تحقيق مآربه ومعرفة مصادره التي من شأنها مَدّه بمراده وتحصيل ما ينفعه لبحثه ومرامه. 

ومِن ثمَّ فالمُفتي أو العالم أو الشيخ أو الشخص الذي زجرَ العامّي أو الباحث المتخصص لقراءة هذه الكتب؛ بحُجّةِ أن هذه الكتب تحمل في طيّاتها الأحاديث المغلوطة أو الأسانيد المقدوحِ فيها؛ فإنه ومع

-تقديرنا له واحترامه- مُخطِئٌ لعدة أسباب:

* أولها أنه نسفَ جهد عالمًا من علماء الأدب الذين كان لهم الشوط الأكبر في حفظ التراث العربي

* ثانيها عملَ على تحجيرِ عقل المُتخَصِّصِ وتضييق نطاق معرفته وجعله مقصورًا في مساق تخصصه وقيَّده ضمن منظور واحد وسبيل مُحدَّد. 

* ثالثها ألغى تعدّد المصادر للمتخصص خارج تخصصه؛ فنرى الطبيب لا يفهم إلّا بالطبّ، ونرى المحامي لا يعرف سوى (دستور) بلاده، ونرى المعلِّمَ لا يعرف شيء عن تاريخ التربية وأنظمتها عبر الحضارات والأمم ويُطبّقها. 

ومن هذا المُنطلَق فيُرى أنَّ مثل هذا الكتب الأدبية -على ما احتوتهُ من ثقافةٍ موسوعيّة جامعة لأخبار مَن سَلَف- لا تطعنُ في العقيدة الإسلامية ولا حتّى تُعطي حُكْمًا شرعيًّا في مسألة مُعينة؛ فهي بدورها جمعَت ما كان من أخبارِ الناس ودرجة تحضّرهم وواقع معيشتهم وأخبار دولتهم ومَعالم ثقافتهم وما جُبِلوا عليه من الخير أو الشر.

فعندما ينقل أبي الفرج عن مجون عمر بن أبي ربيعة، ليس بالضرورة أن يستحسن فعله أو يتقمّص قوله، فقد نقل ما جرى "وناقل الكفر ليس بكافر". كما تقول القاعدة العَقَديّة. 

ولولا هذه الكتب التي حفظت لنا هذا التراث، وجهود المُحققين الذي بذلوا طاقاتهم في إصداره على طبقٍ من ذهب للباحث والمُريد؛ لما عَرِفنا تاريخ هذه الأمة ولا معالمها ولا استطعنا أن نصنع مستقبلًا أو أن نعيشَ واقعًا، فمن لا تاريخ له لا واقع له. 

فهذا ابن خلدون -صاحب المقدمة- الذي لا يَخفى لِأحدٍ طول باعهِ في التأريخِ والاجتماع والسياسةِ والاقتصاد وغيره؛  يُطلِعنا على أربع كُتُبٍ للمُتأدِّب الناشِئ قد تعلّمها من شيوخه وهي-كما ذكرها-:

كتاب الكامل لمحمد بن يزيد المُبرِّد والبيان والتبيين لأبي عثمان الجاحظ وأدب الكاتب لابن قُتيبة الدّينوَريّ والنوادر لأبي علي القالي.


 

فنخلصَ إلى أنَّ كتب الأدب تكون مصدرًا ومرجعًا للباحث في الأدب وطالبه، وكتب الشريعة تنفع طالبها ومُريدها، وكتب الطب تنفع دارسها وكهذا دواليك، فلا يؤخذ من كتب الأدب الشرع ولا حاجة لأنْ تُهاجم بهذا التحذير والتشديد؛ فالناظر في هذه الكتب يُدرك حقيقة أصالتها ومدى رصانتها وطولِ باعها في تأديب العامّي وإرشاده إلى محامد الأخلاق ومدارس الآراء وعوالم الأمصار ولا غرو فهذا بحمد الله لهو الخير الكثير والعلم الحميد ومُراد كُل أريب ولا حولَ للناس ولا قوّة إلا بربّهم العليم.


2
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}