• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
يقين المتحزلقين
      يقين المتحزلقين
أرمى مرارة اليوم و عبث الحياة و عبسها عندما اختلس بعض سويعات الليل و الإرهاق يلاحقنى فأتوارى وراء ستار النوم الذى ما لبث و تمزق تلك الليلة التى ضجت فيها حارتنا و أصدرت ألحان الفجر نشاذا من صدى الأصوات المتبادلة فجعلنى اتقلب بدون وعى لما يجرى فى حانات و أنحاء الحارة ..
والإرهاق يتبعه علو الأصوات يقاوم غلبة النوم لكنّ ( النوم سلطان ) ..

لم ألتفت لما حصل و احتضنى النوم وضمنى فى جعبته حتى أيقظتنى دقة السابعةصباحاً للبدء فى وصلة العمل الروتينية التى تنقلنى من المستشفى إلى العيادة حتى أتم حاضر اليوم بأمسه و أنا مُلقى على سريرٍ اطالع الأمانى و أرقب الفانوس السحرىّ لعله يعطينى يومَ راحة من هذه الوصلة المملة التى تلامسها متعة أهل الحى ممن يروحون بصبيتهم ليُتم علاجهم ثم يتبعون فرحتهم بالشفاء بهمسات من الدعاء لأن الله رفع عنهم الشقاوة و البلاء  وذلك طبعاً بعدما  يملسّون على مقام سيدنا المنجويشى لعلهم تصيبهم البركة .. هذا المقام المنُصب على حافة حارتنا يذهب إليه البنات أملاً فى أن يُرفع عنهن عادتهن و يعجل لهن النصيب و النسوة ممن رُزقن بالأنثى تضرعن كى يأتين بالولد ..

 

فأنا الدكتور شكرى عبدالرحمن طبيب مسّه  ضيق القوت ليرمى بى القدر للسكنة بين زنقات الدرب الأحمر حيث البيوت الباهتة و النفوس الخافتة عملى بالمستشفى الحكومى صباحاً للرزق الدنيوى الضئيل أما عيادة بعد العصر خصصتها لرزق الآخرة فالكشف قبل الدفع .. و الدفع على غير المعهود ليس بنقود الدنيا لكنه دعوات و همسات و إحجبه وكف ماشاء الله منعا للحسد و من أين يأتى الحسد ،

إذا كان ( المعلم شحتة ) صاحب قهوة المنجويشى ظاهراً وتاجر الحشيش خافياً عرض علىّ العمل معه و ذلك بحكم أنى طبيب فأقوم بالتوعية و توضيح الجانب الإيجابى  من الحشيش فى سلطنة المزاج و جعل الدنيا عال العال  كما يصف دوماً :-

( لازم نشوف نص الكوباية المليان يا ضااكتور و لا أنت يرضيك حالك كدا  )  يقولها متحشرج الأنفاس مما تعبء به الصدور و عينيه أوشكت على الذبول لولا أنى أرمى عليه قولا يمقته و هو : ربك قادر على ابن الحراام .. ولا اعلم لمَ يمقته أيستعجب أن يكون الله قادرا أم يمقت أنى عرفت أنه ابن حرام ..!؟

  تزاحمت الأفكار وفرضت حادثة البارحة نفسها بكونها أتعست منامى و أيقظت حالى و السؤال يفرض نفسه على بالى بما جرى فى أصداء الحارة و من ذا الذى فرض على أهلها أن يصحو و يباركوا بعودته بنبرات أحدها صادقة

 و أُخرى متعجبة  ..

 

تنافست عقارب الساعة حتى وصلت للثامنة بعدما نزلت من البيت الأشبه ببقية بيوت حارتنا مائلة القوام .. و يجبرنى الطريق إلى المستشفى أن أمر من أمام قهوة " المعلم شحته " وهو يأخذ بعض الأنفاس من النارجيلة  و يتمدد بساقيه معترضاً طريق من راح و جاء و " شيخون "  صبى المعلم أسى الأيام ارتسم على جبينه و ظلمة الليل اتخذت من وجهه طريقاً  كى تجعل بياض القمر ينفلت من وراء شفتيه وهو يجلس القرفصاء جوار شحتة المعلم و  يقلب الهواء على رماد النارجيلة  ، يلعن المعلم هذا فيكرر وراءه شيخون اللعنات ويحولها من همسات إلى مسامع المارة بعدها يتغزل فى الست عواطف بائعة المناديل  و هى تتراقص فى مشيتها و هو يعتدل فى جلسته ويشتم الزمان الذى رماهُ  على بهيجة زوجته التى جمعت كل معانى بهجة الحياة ثم أحرقتها و قعدت على رمادها  ثم يلفع شيخون على قفاه بضربة الهارب من القدر أو من ظن أنه سيهرب..

 

" داهية فى أمك " تنفلت هذه الكلمات من لسان شيخون خائفاً أن يسمعها المعلم وبعدها يهرع فيتقرب  برش الماء فيرطب الهواء و يخفف عن المعلم حرارة الأجواء مهابة أن تشتعل حرارة أخرى داخله بعدما مرت الست عواطف ..  

 

ثم يزف شيخون الخبر الموعود و يعلن وصول (شيخنا طاهر الجيلى) إلى الحارة ليلة أمس كما يصفه عن لسان شحتة المعلم فيتبع قوله : " أشرقت الأنوار وأهلت البشائر بمولانا " وفجأة يعتلى الزحامُ الحارة فتخرج زوجة المعلم فتزغرط و تخرج نسوةٌ أُخريات من المشربيات يزرغطن على صوت بهيجة مرات المعلم و هن لا يدركن ما السبب ولا لمَ كل تلك الغبطة ..

 

ليتنى أرى هذا الطاهر الجيلى الذى غيّر الحارة بهذا الشكل المريب أحقاً يكون فقيهاً مباركاً من ذوى البركات فيلتمس الناس لديه الدعاء و يتقربون منه لعلهم تمسهم نفحاته و لربما ينقضون مقام المنجويشى و يُنصبوا صاحبنا الجيلى مكانه بمبدأ

 " الحى أبقى من الميت " ، أم أنه فتوة أفتى من المعلم شحتة لذلك يوقره و يشيع  فى الناس أخباره ..


تتجول هذه الترهلات الفكرية فى خاطرى و أنا اقترب من المستشفى التى بدت ملامحها  حتى أجال ناظرى عنها مشهد عن بعد حيث يقف شيخ الحارة أمام المسجد و يصافح رجلاً أربعينىَّ الشكل مهترئ حاله جلبابٌ قصير مرصع بالرُقع متوسط القامة يضيق الجلباب من عند بطنه مرتدياً قبقاب فى زمن انقرض فيه القبقاب تأخر منبت شعره عن جبهته ويلفهُما بعضٌ من الناس و لكن يغلب الأربعينى الصمت ولا ينظر لأحد فقط يستمع ..

و يهمس الملتفين حولهما بأنّ الشيخ عبدالقوى شيخ الحارة و إمام مسجد المنجويشى قد تخلى عن إمامة المسجد لسيدنا الطاهر الجيلى و هو الذى سيلقى عليناالخطبة من بعد ..

انقضى الدرب و بدأت وصلة العمل المتكررة و أنا فى المستشفى ظلت تراودنى فكرة معرفة هذا الرجل و أروّدها لكن يلاكمنى الفضول لمعرفة الطاهر الذى يعلمه كل من فى حارتنا حتى شيخون صبى المعلم إلا أنا الجاهل الوحيد بينهم  ..

بعد العصر فى العيادة كان على غير العادة قلّ الزائرين فهل الناس قد سئمت العلاج و ملت الاحتياج و منعهم سوء أحوالهم أم بخلوا بدعاءهم مقابل الكشف ..

 

ولم يأتى أحد للعيادة حتى آذان المغرب الذى ناداه فى الناس الشيخ الجيلى عرفت صوته الجهورى المختلف عن صوت المؤذن المعتاد ، فترجلت السلم ثم روحت إلى قهوةالمنجويشى و لم ألاقى  أياً من الناس و لا أحد بالطرقات و لا البيوت سوى النسوة ممن تطلعن من المشربيات ..

فحارة المنجويشى التى لم تعرف أبدا طريقها إلى المسجد صاروا لا يفوتون صلاة و شيخ الحارة صاحب العنجهية المفرطة و النظرة المبهرجة بالزهو و الكبرياء و كأنه ولى من الأولياء أصبح صفر على الشمال بجانب سيدنا الطاهر الجيلى الذى انتزع مشيخة الحارة برغبته و صار شيخاً للحارة .. و من يومها بدأ شيخون صبىالمعلم شحتة أن يتقرب من شيخ الحارة الجديد الطاهر الجيلى و ينفر عن المعلم ..


و بقى حالُ اليوم كما كان أمسه  فى العيادة لم يأتى أحد  ، فسألت المعلم عن السبب إذا حلّ طبيبٌ غيرى بالحارة ..؟!

فقال :

سيدنا الطاهر ربنا يبارك له بيقوم بالواجب مع كل واحد و واحدة وبيقول لهم على وصفات إنما ايه بقا ي دكتور ، تقوّم زى الحصاان ..

ثم غمز و همز بكلمات تمتمها فى أذنى بأن :

" كل رجالة الحارة بقوا يصلوا وراه ويدعلوه بعد ما نجاهم من ليلة الخمي... "

 

دخل علينا شيخون فجأة و قال له :

سيدنا الجيلى يطلب منك بأن تتخلى عن فتونة الحارة و تترك الأمور له و لايهمك ويطلب مقابلتك  ..

ذلك بدون أى مقدمات ولا أسباب تبعه المعلم شحته برده اللاذع :

 

-        نعم !!! .. أنت عارف اللى  بتقوله يا هباب الحلل انت هو اتجنن ولا ايه ؟؟! 

ثم  تنفس آخر أنفاس النارجيلة  و هو يصدمها بعرض الحائط و كأنها كلام الجيلى و اختلفت نبرته الحنون إلى الفتوة المجنون و كأنه أحال لشخص آخر و ارتسمت خريطة العالم على وجه المعلم شحتة و تغير لونه وامتعض  و انطلق المعلم شحتة و فى ذيله شيخون و هو فى حالة مجون لا تدل على أى خير ..

 

 

اتعجب ما يدور بحارتنا فلم تصبح حارة المنجويشى التى باتت أعرفها.. كل شئ تبدل على يد الشيخ الجيلى ..  

وقررت  أن اسعى لمعرفة سر الشيخ الطاهر الجيلى و تتابعت الثوانى حتى تخطيت منطقة الدرب الأحمر وسألت أحداً إذا كان يعرف اسم الطاهر الجيلى  و اتعجب و أنا اسمع بأن  الشيخ طاهر الجيلى  إمام و خطيب مسجد المغربى عن مقربة من الدرب الأحمر قد توفى منذ خمسة أعوام و قد كان أحد كبار مشايخ المنطقة ..

 إذن فمن هذا الأربعينى الصامت ..من هو وكيف آمنته عقول الحى أليس منهم رجل رشيد ..

 

 لابد أن اطلع أهل الحارة لابد من أن يعرفوا  الحقيقة و نعلم من هذا المخادع  قررت أن اعاود بسرعة لقهوة الحى المنجويشى  فتلاقيت بزحام غير معهود فى تلك الآونة  أصواتٌ تتعالى و أجساد تنثر العرق  و الشمس تتعامد فوق رؤوسنا ..

و حين ذاك سمعت ضجة تتقدم من الوراء و اقترب مجموعة من الرجال يرأسهم المعلم شحتة حتى بلغوا موضع الرجل الأربعينى ثم حضنه اثنان بشدة ثم تعاون الكل على إلباسه جلباب المجانين الهاربين و قال رئيسهم " يا لك من رجل متعب " 

 و ظلت حارتنا وكرٌ للمجاذيب و الأكاذيب و أصحاب الخطوة الميامين ..!  


6
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}