• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
تنقلات زمنية (الجزء الثالث)
تنقلات زمنية (الجزء الثالث)
Google+
عدد الزيارات
83
الحفاظ على العهد بعد هذا العمر الذي مضى أمر صعب بالنسبة إليك، أما لغيرك فهو أسلوب حياة

تنقلات زمنية (الجزء الثالث)

        20-10-2044


نسيم الصباح هو أسوء شيء يمكن أن يواجه الإنسان في فصل الشتاء البارد، هذا ما كان يشعر به عندما أيقظته تلك النسمات العابرة والمتسللة من أسفل تلك النافذة المكسورة والتي لم يستطع اصلاحها لسبب ما نسيه..

عند فتح عينيه قابله سقف الغرفة والذي كان مظلما بشكل موحش، اليوم هو العشرون من أكتوبر، عيد يحتفل به بينه وبين ذاته، عيد في قرارة نفسه، يصنفه عيد النكسة، في هذا اليوم تحديدا يتوقف دماغه عن التفكير إراديا، عن الاستيعاب، يتوقف عن فهم سير مجريات الأمور..

 نفحات الهواء المندفعة من أنف قطته النائمة بجانبه زادت من تكديره وتعكير صفو مزاجه والذي منذ ولادته لم يكن صباحيا أبدا، لهذا قام بسحب الغطاء وازاحته من على جسده، ثم تحرك حتى عدل من وضعه لتلامس قدماه الأرض، تلك الأفكار المزعج والمتشابكة كانت تقلقه، لهذا حاول ترتيبها ووضع حد لها ولكن للأسف لم يتمكن من ذلك بالشكل المطلوب..

رمى بعينيه نحو ساعة الحائط منتبها انها السابعة صباحا، تمكن من الاحساس بالفجوة في محور الزمن، التي تغير في الأشخاص، في الأماكن، في الأفكار، في المواقف والعلاقات على الرغم من مرور عقارب الساعة امام نفس الرقم مرارا وتكرارا ..

دائـــما ما يصطحب ضوء الفجر اختفاء تلك الأرواح التي نظن بأنها تنعم بالسلام والاستقرار في العالم الآخر، في كل يوم يسأل نفسه ذات السؤال وبدون ملل بعد أن يرتدي ملابسه استعدادا للخروج:

-        "من أجل ماذا تعود؟"

هو لا يزعجه نحيبها أو تلك الأجواء الموحشة والباردة التي تصحبها طوال الليل، من المؤكد بأن لها سبب لظهورها، والى يومنا هذا لم يتمكن من معرفته..

 عندما أغلق باب منزله مندفعا نحوالشارع مختلطا بالمتدفقين من البشر، توجه نحو اقرب محطة قطارات مستقلا قطار الساعة الثامنة، بطبيعته يقلقه الزحام والصراع الحاصل في كل يوم على مقاعد جيدة، لذا انتظر حتى صعد الجميع واتخذ من الكرسي (24) ونافذته المطلة على مدينة طرابلس الغرب مهربا له عن جميع الجالسين حوله ..

تحمل له هذه المدينة في طياتها العديد من الذكريات، في يوم العشرون من أكتوبر لابد وأن تعيد له تجرع مرارة بعضها، انعكاس عينيه البنيتين الداكنتين علىزجاج نافذة القطار يجعلك تدرك بأنه مدمن مزمن على تلك الذكريات حتى عجز بؤبؤ عينيه عن الابتسامة بسبب تليفها ..

بحث في جيب سترته مع اندفاع القطار اسفل نفق المدينة المظلم حتى عثر على ورقة صغيرة مطوية بداخله، مكتوب فيها بخط يده

( لا تنسى، الساعة التاسعة صباحا، الفندق الكبير، يوم العشرون من أكتوبر

                     ملاحظة:- لا تنسى باقة الأزهار البنفسجية)

شعر بأنه قد يتأخر عن الموعد المحدد، لذا تسلل الى قلبه شعور بالقلق غريب لم يشعر به منذ عقدين من الزمن تقريبا، الأمر الذي جعله يعيد الورقة بعصبية الى جيب السترة مجددا ويتحرك متجها نحو باب القطار بينما تتجلى ظلمة القطار الخفيفة بعد عودة شمس الصباح الى موضعها الأصلي.

ما ان توقف القطار وفتحت أبوابه حتى اندفع بسرعة الى خارجه مصطدما بتلك الجثث المتراصة في المحطة، عاد يتفقد ساعة جيبه وقد تبين بأنه متأخر عن موعده، ولكن هل يا ترى سيتمكن من الوصول في الوقت المناسب؟ ...

لحسن حظه كان هناك متجر لبيع الأزهار بجانب المحطة، دخل الى المتجر وتحصل على مراده، كما طلب من البائع بطاقة اضافية ملحقة كتب عليها أشياء لم يتمكن صاحب المحل البدين من رؤيتها بشكل واضح على الرغم من محاولاته التي تكللت جميعها بالفشل،ثم أعاد ترتيب نفسه وخرج نحو الشارع مجددا ..

مع اقتراب الساعة التاسعة وصل صديقنا الى قاعة الفندق الكبير والتييستخدمها البعض في المناقشات العلمية أحيانا، لم يكن هنالك الكثير من الزحام أمامالقاعة احقاقا للحق، كان غريبا بين قطيعا من المهتمين بحدث اليوم والذين بدا عليه محسن الهيئة والتنظيم، وما ان دخل وتبوء مكانه في آخر القاعة حتى عاد ونظر في ساعةجيبه مجددا، لكن ولحسن حظه هذه المرة هو في الموعد تماما ..

في الواقع لا أحد يعرف لماذا هو هنا، نظرات الداخلين تكاد تلتهمه، معظمهم يتوجهون نحوه بالإشارة لكنه غير مهتم بهذا، حتى تقدمت امرأة متوسطة القامة رشيقة القوام بوجه يدل على أنها كانت على قدر من الجمال في شبابها لتعلن عن بدأ عرضها التقديمي في تقديم مشروع ما، كان الجميع منسجما مع العرض، بينما كان هو يعيد مشاهدة ذلك المقطع الممنوع من العرض للجميع من يعرفهم وقد اهترأ مع الزمن، مشهد كان في يوم ما قد أغلق عليه داخل صندوق خشبي ودفنه بعد أن أقفل عليه جيدا بمفتاح عتيق خبأه في أكثر الأماكن ظلمة وعمق في قلبه، وها هو اليوم عاد مجددا وبين يديهذلك المفتاح، ليعبر به حدون الزمان والمكان، حيث كان جالسا رفقة فتاة جميلة على حافة أحد المقاعد في الأماكن العامة بمدينة طرابلس، لم يكن للرياح حديث في ذلك اليوم، فقط شمس المغيب تتحدث، من بعيد ترى الأجواء الحميمة مخيمة على المكان أسفل شجرة كستناء عملاقة كانا قد التقيا في يوم من الأيام، أما عن قرب فلا يشعر بوهج النار الا من تتقد بداخله ألسنة لهيبها، نطق أخيرا قائلا


-       هل هو الوداع؟


قالت وقد جحظت عيناها وشخصت نحوه أبصارها

-     ربما


لم تتحمل الدموع المركونة في زوايا عينيها مثل هذه المواقف عادة لكن في هذا اليوم ظلت في مكانها عالقة بغراء القدر المحتوم، أخذت نفسا عميقا التفتت نحو الجهة المعاكسة لتخفي خيبة املها، لكنه سبقها بالوقوف ثم اختفى بين ستار ظلام الليل، انتظرت قليلا حتى اعادت النظر في اسطوانتهما السنيمائية المخزنة في ذاكرتها بحثا عن السبب، عن الدافع، عن هذاالوداع البارد، لحظات، أيام وسنوات، لكن بدون أمل، حتى تخطى الزمن بعقاربه عقدا كاملا، لمحته جالسا في عرضها التقديمي لمشروعها الأول والتي أشرفت عليه الحكومة المحلية، هناك أدركت معنى ما قاله في يوم من الأيام بأن روحه ستقترن بها الى الأبد، على الرغم من تباعد المسافات وتغير الأحوال.

عند انتهاء العرض، اختفى صديقنا من المسرح، بينما اخترق أحد الأطفال الطريق بين المجموع المهنئة للسيدة أعلى المسرح، قال لها بصوت عله أسنان الطفل المختفية

-        جدتي، انظري الى هذه الباقة انها ازهار بنفسجية جميلة

لاحظ طلابها اشتعال معلمتهم بالحيوية مجددا، بينما ابتسمت ولأول مرة منذ زمن طويل، كان أمرا غريبا بالنسبة لهم جميعا، أمسكت السيدة باقة الأزهار وهي تبحث عن شيء ما حتى عثرت على بطاقة كتب فيها:

(في مثل هذا اليوم ولمدة عشرون عاما تقريبا،أقدم مثل هذه الأزهار البنفسجية اسفل شجرة الكستناء العملاقة حيث التقينا أول مرة عربانا للإخلاص وكل ما كان بيننا في يوم من الأيام، ليحفظك الله وأدام محبتنا)

     لم تتمكن هذه السيدة من البكاء منذ عشرين عاما مضى لكنها تبكي اليوم وبغزارة أمام هذا الطفل الذي يحمل بين يديه باقةالأزهار البنفسجية المجهولة، بينما يحمل أحد طلابها باقتها البنفسجية الأخرى.

في المساء وفي طريق عودته كان الشارع ذوالمباني الكلاسيكية بالمدينة القديمة بطرابلس خاليا من المارة، نسمات الهواء البارد عادت مجددا لتطل عليه، نظر الى السماء و ضو علي مصباح على علم الآن لماذا تنزل تلك الأرواح البائسة الى الأرض بنحيبها وكئابتها المقيتة،  فهو الآن وعلى عكسها يحافظ على عهده الأبدي بشكل يمنعه من الندم والعودة في يوم ما بعد موته.


0
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}