• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
ثمار حان قطافها
ثمار حان قطافها
Google+
عدد الزيارات
590
سرق بسمتها؛ فأذهلت العالم بسرقة همومهم.. تُذهلك بقوتها رغم ضعفها.. تبحر في مواقفها لتفهم تركيبتها، فتجد نفسك في متاهة تلافيف مخها.. تدرك ولا تدرك.. تقترب بابتعاد، وتبتعد باقتراب لتفهما؛ فتجد نفسك غارقًا مع أنك لم تمس إلا قطرات من بحر تفاصيلها.

في كوخها الصغير، تربت ونشأت سمية على يد جدتها الحنونة حتى اشتد عودها، وأصبحت قادرة على كسب لقمة عيشها من نسج الصوف الملون، وإعداد الفطائر وبيعها في سوق القرية... 

بابتسامة مشرقة، وروح مرحة، وقلب نابض بالحياة والأمل، تبدأ سمية يومها البسيط، تستيقظ مسرعة مع أذان الفجر؛ لتصليه مع جدتها، ومن ثم تنطلق مع عربتها الصغيرة المحملة بالفطائر المخمرة، وتفترش الأرض الحارة... 

بنارٍ متوهجة ملتهبة، تشعل موقدها بيدها التي يحبها الله ورسوله؛ لتخبز فطائرها كالمعتاد.. تبيعها جميعا وتتبقى فطيرة واحدة، كانت تعطف بها على محتاج يفترش أحد أركان السوق المخفية... 

عائدة إلى كوخهم الصغير، كعادتها كانت تتلاقى براءتها مع النقاء الطفولي، ويلعبون ويضحكون من مختلف الأعمار والأجناس في الطريق القروي... تمر كالنسمة اللطيفة بينهم، وتهتم لهذه ضحية الوالدين المطلقين، والأخرى غير الحظية باهتمام أهلها، ولا تنسى صديقاتها الغيورات من اهتمامها بغيرهن... وقبل دخولها لكوخها، تطمئن على العمة الوحيدة التي تقطن جوارهم... ومن ثم تذهب لأحضان جدتها الصادقة بعدما أنهكها التعب... 

لكن حدث ما لم يكن بالحسبان... 

بخطواتٍ متثاقلة، اقتربت من عِشها الذي لاحظت انطفاء أضوائه على غير العادة... هدوء لم تعهد مثيله من قبل... صمت متكلم بضجيج عقلها.. كرسيُّ جدتها فارغ ممتلئ بتربع الخوف عليه.. شعور بالوحدة يسيطر عليها فجأة دون سابق إنذار... 

مع فتحة الباب، انغلق قلبها. كانت تنادي "جدتي.. جدتي.. أنا عدت أجيبيني." فأجابتها قطرات دمٍ تتتابع بتساقطها من سكين قلب قاسٍ!  

ملامح مألوفة لم تعد، اطمئنان اختفى، حب تلاشى. بنبرة تنم عن الألم، قالت سمية مخاطبة القلب القاسي: "أستاذ مسعود!  أنت ماذا فعلت؟  ماذا يحدث هنا؟! هذه خدعة صحيح؟ أرجوكم كفوا عن اللعب إنها ليست لعبة ظريفة.." 

ضحكت وقهقهت كثيرا ثم دنت من جدتها وهمست في أذنها: "جدتي... جدتي، جئتُكِ بحلمك الذهبي ذي الشريط الأبيض.. لقد عملت كثيرا لأجل هذه اللحظة، أرجوك استفيقي وارتديه." لكن هذه المرة، أجابها الصمت القاتل، وهروب العم مسعود مسرعا من الكوخ. 

أسرعت سمية لبيت العمة إكرام جارتهم وقصّت ما حدث؛ فقالت: "يا ابنتي ماذا تقولين؟! كيف للعم مسعود أن يفعل ذلك؟! إنه إنسان حساس وطيب، ولا يؤذي النملة حتى!" 

فردت سمية: "لكنني رأيته بأم عيني يا عمة! ولا زالت آثار رفث حيوانات مزرعته اللاصقة بحذائه مطبوعة على الأرض، تعالي وتأكدي." 

تنهدت العمة وقالت: "ابنتي... استغفري ربك، ولا تفتري على الناس. لم نعهد هذه التصرفات منك، وما كانت جدتك لتفخر بك بهذه التصرفات." 

 بعد بكاء مرير، قررت سمية أن تعود بيتها يائسة بائسة بسبب تكذيب العمة لها؛ لتتفاجأ باختفاء آثار الأقدام والسكين، وتنظيف مسرح الجريمة تماما..  

حاولت بعد ذلك البحث عن شاهد يصدق على كلامها، لكن الجدوى الوحيدة من بحثها، نشر خبر وفاة الجدة، وتجمع الأهالي لدفنها.. وكانت المفاجأة المتوقعة مشاركة العم مسعود في الجنازة والعزاء.. 

أمام الفوج القروي القادم للتعزية، قالت سمية للقاتل المتعجرف: "لقد كنتَ أقرب الناس لنا. كانت جدتي تثق بك.. لم تفكر يوما بأذيتك! لقد ساعدتك وفضلتك على حفيدتها في الوظيفة التي وجدتها، هل هذا جزاء الإحسان؟!"  

أجابها بنظرة بريئة مقززة: "أعلم أنك تمرين بوقت عصيب. أقدر معاناتك، وظنك السوء بي، وأنا أسامحكِ على ذلك."  

كسب بذلك تعاطف ورأفة الجميع، ووسط نظرات الاشمئزاز التي يطالعها بها الكل؛ فقدت سمية القدرة على تصديق نفسها... تقول شيئا أكيدا ولديها مخاوف صادقة، لكن تعاطف الجميع معه أفقدها ثقتها التي كانت تتلاشى مع كل حرف ينطقه الناس من حولها. 

مرت الأيام، وعادت الفتاة لعملها، لكن الدفء الأسري اختفى من فطائرها التي أصبحت باردة كقلب صاحبته، مذاق الأمل والنشاط لم يعودا موجودين بها، تلاشت الضحكات من طرقات القرية رويدا رويدا... سمية فقدت ثقتها بعدما كذبها الجميع، فكيف لفطائرها أن تعكس عكس ذلك؟! 

أصبحت سمية عقلانية أكثر؛ تساعد الجميع في القرية، وتسرق آلامهم باحترافية عن غير احتياج، لكنها بعد ذلك تختفي، ولا تستطيع مشاركتهم رخاءهم...أحد لم يعد قادرا على استيعاب حالتها؛ لا تفرح إلا عندما يحتاج أحد لمشاركته فرحته، تأتي وتختفي، أحيانا يظنون أنها أصبحت بخير وتناسيت الموضوع، وأخرى يظنونها تعايش نفس آلامها.. 

والحقيقة أن ألمها يكبر وينهش قلبها على نار هادئة، لكن تفاصيل الحدث ربما تتلاشى من ذاكرتها.  

 ومع كل هذا كانت سمية تحتفظ ببذرة أمل في قلبها، منبعها ثقتها بالله، تنتظر سقياها... 

"خبر صادم... خبر صادم... أيها القوم في الجريدة خبر صادم." تفاجأ الجميع من بائع الجرائد هذا؛ فلم تعهد القرية من قبل خبرا صادما في جرائدها!  

تحت صورة بالأبيض والأسود، كُتِب في الجريدة: "وفاة مفاجأة لرجل كبير في السن، وهو يحاول قتل فتاة صغيرة... وشهود عيان أثبتوا أنهم رأوه سابقا يكرر فعلته قبل عشر سنوات مع جدة كبيرة في السن، ومن ثم أخذ أعضاء القتيلة ونظف مسرح الجريمة... التفاصيل ص 7."  

وتبين من التفاصيل أن القاتل جنى ما يقارب المليون من خلال عمليات القتل التي ينفذها، ولا يعلم عنها إلا الله. فقد كان يأخذ أعضاء القتيل، ويبيعها في السوق السوداء، وكان يستهدف كبار السن والأطفال؛ لعجز الضعاف عن الدفاع عن أنفسهم. وقد كشفت الأدلة أنه كان ينوي عند إكماله للمليون بالتمام والكمال، أن يهدم المدينة ويخرج أهلها، ويحولها لأرض خصبة لأعماله الباطنية، لكنه مات وهو يسعى لتجميع آخر مئة ألف تنقصه.  

 أجل كان ذلك العم مسعود... بعد التحري والبحث عن كاتب الخبر والشهود مرارا وتكرارا، يأس الجميع من معرفتهم.. وفجأة جاء رجل لسمية وقال لها: " فطيرةٌ كل يوم تعطفين بها على مسكين يفترش أحد أركان السوق... أطفال ينتظرون منك هدية العيد، وقد تأخرت عليهم ذات عيد؛ فذهبوا لبيتك يسألون عنك، ثمار قد أينعت وحان قطافها على هيئة صحفي تحرى عن الموضوع وأثبت براءتك، وشهود عيانٍ كبروا وتشجعوا على قول الحق؛ فقط ليروا بسمة النور تشرق على وجهك مرة أخرى.." 

كذبتها كل الأسباب، ظنت أنها أسوأ إنسانة على وجه هذه الأرض.. في اللحظة التي وصل إليها الرجل فيها، كانت تمر بأزمة قلبية، لكنه بكلامه خفف عنها وطيّب خاطرها.. وأثبت لها الحقيقة المندثرة، فهي بالفعل من أنقى القلوب على هذه الأرض... 

شاءت إرادة الله أن يُكشف غمها، ويفرج كربها، وترى عيناها النور، وتنكس رؤوس وأعين المتكلمين عبثا... فالخوف كل الخوف من ظلم من لا ناصر لهم إلا الله. 


3
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}