• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
تعدُّدُ الزوجاتِ، هل حرّمه النّّبِيُّ -صلّى اللّهُ عليه وسلّم-؟
تعدُّدُ الزوجاتِ، هل حرّمه النّّبِيُّ -صلّى اللّهُ عليه وسلّم-؟
بسم اللّهِ الرحمن الرحيم.

الحمْدُ لِلّه ربِّ العالمين، والصّلاةُ والسّلامُ على خاتم النبيين؛ وبعدُ:

إنّ تعدّدَ الزوجات مِن المسائل التي كَثُرَ فيها الجدال، وزعم بعضُ الناس أنّ التّعَدُّد قد جاء تحريمُه القطعي على لسان النبيِّ - صلّى اللّهُ عليه وسلّم-؛ لذا وجب منعه!

إنّ أكثر الشباب -في هذا العصر- يجدون صعوبةً كبيرةً في الزواج بامرأةٍ واحدةٍ، بسبب الظروف الاجتماعية والاقتصادية؛ والغريبُ في الأمر أنّ بعضَ المنابر -عوض أن يُقدّموا حلولاً لهذه الظاهرة- تراهم يركّزون سِهامَهُم نحوَ المُناداة بمنْعِ تعدد الزوجات، وكأنّ التعددَ انتشر في المجتمع، وخلق مشاكل اجتماعية واقتصادية، تسبّبت في تأخُر الأمّة الإسلامية!

ويحتجّون على تحريم التعدّد بمنع النبيِّ -صلّى اللّهُ عليه وسلّم- عليّاً رضي اللّهُ عنه زوجَ ابنته فاطمة الزهراء، من الزواج بامرأة أخرى!

 ويستدلّون بالقصة التي جاءت في الصحيحين، حيث روى البخاري ومسلم عن المِسورِ بن مخرمة أنَّهُ قال:" سَمِعْتُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ وهو علَى المِنْبَرِ: (إنَّ بَنِي هِشَامِ بنِ المُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُوا في أنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عَلِيَّ بنَ أبِي طَالِبٍ، فلا آذَنُ، ثُمَّ لا آذَنُ، ثُمَّ لا آذَنُ، إلَّا أنْ يُرِيدَ ابنُ أبِي طَالِبٍ أنْ يُطَلِّقَ ابْنَتي ويَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ، فإنَّما هي بَضْعَةٌ مِنِّي، يُرِيبُنِي ما أرَابَهَا، ويُؤْذِينِي ما آذَاهَا)، هَكَذَا قَالَ".

 ولكنْ هناك روايةٌ أخرى في الصحيحين -يُعرِضُ عن ذكرها هؤلاء المُحَرِّمون للتّعدّد- تُبيّن السبب الحقيقي الذي جعل النبيَّ -صلّى اللّهُ عليه وسلّم- يغضب ويرفض هذا الزواج؛ هذه الرواية جاء فيها: ( أَنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلَالًا، وَلَا أُحِلُّ حَرَامًا، لَكِنْ وَاَللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ مَكَانًا وَاحِدًا أَبَدًا ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( إِنَّ فَاطِمَةَ مُضْغَةٌ مِنِّي، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ يَفْتِنُوهَا )!

يتبيّنُ لنا من هذه الروايات أمران:

- الأمر الأوّل: التعدد مباح، وهذا واضحٌ من قولِه -صلى الله عليه وسلم-: ( وإني لست أُحَرِّم حلاَلاً ).

- الأمرُ الثاني: النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يُحرِّم التعدد، وإنما رفض المرأةَ التي رغب علي - رضي الله عنه - في أن تكون زوجتَه الثانية، وضرّةً لفاطمة الزهراء - رضي الله عنها -؛ وسبب هذا الرفض بيّنه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بقوله:( فإنما ابنتي بضعةٌ مني، يريبني ما أرابها، ويؤذيني ما آذاها).

 فهو -صلّى اللّهُ عليه وسلّم- رفض هذا الزواج شفقةً على ابنته فاطمة، التي كان يحبُّها حُبّاً شديداً ؛ وهي -رضي الله عنها- لا يمكن لها أنْ تتحمّلَ أن تكون ابنةُ رجلٍ كان مِنْ أشدِّ الناس عداوةً لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ضَرَّةً لها. 

 إنّ هذه المرأةَ -التي اختارها علي -رضي اللّهُ عنه- كانت ابنةَ أبي جهل، وأبوجهل كان من أشدِّ النّاس عداوةً للإسلام،  ولرسولِ اللّهِ-صلّى اللّهُ عليه وسلّم-، وكان له دورٌ كبيرٌ في محاولة قتله -صلّى اللّهُ عليه وسلّم- ؛ فلقد حرّض كُفّارَ قُريش على قتله -صلّى اللّهُ عليه وسلّم- وقال لهم : "والله إن لي فيه رأيا، ما أراكم وقعتم عليه بعد". قالوا: "وما هو يا أبا الحكم؟" قال: "أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتىً شابّاً جليدًا نَسِيبا وَسِيطًا فينا، ثم نُعطي كل فتىً منهم سيفًا صارمًا، ثم يعمدوا إليه، فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه، فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرّق دمه في القبائل جميعًا، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا، فرضوا منا بالعَقْل، فعقلناه لهم"!

إنّ فاطمةَ الزهراء -رضي اللّهُ عنها- كانت ابنةَ رجلٍ ليس كباقي الرجال، إنها كانت ابنةَ رسول اللّهِ -صلّى اللّهُ عليه وسلّم- وكان أحبّ الناس إلى قلبها، ولم يكن في إمكانها -نظراً لمكانتها- أنْ تستسيغَ أن يجمع زوجُها بينها، وبين ابنة أبغضِ النّاس إلى قلبها!

قال الحافظ ابن حجر في شرحه لهذه القصة: "السّياقُ يُشعِر بأن ذلك مباحٌ لعلي، لكنه منعه النبي صلى الله عليه وسلم رعايةً لخاطر فاطمة." [ فتح الباري (9/329) ].

وقال النووي: " فإن ذَلِكَ يؤَدِّي إِلَى أَذَى فَاطِمَة، فَيَتَأَذَّى حِينَئِذٍ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَهْلَك مَنْ آذَاهُ، فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ لِكَمَالِ شَفَقَته عَلَى عَلِيّ، وَعَلَى فَاطِمَة. " [شرح صحيح مسلم (16/3)]

 وقال ابن التين:" أصحُّ ما تُحمل عليه هذه القصةُ: أن النبي صلى الله عليه وسلم حرَّم على علِي أن يجمع بين ابنته وبين ابنة أبي جهل؛ لأنه علّل بأن ذلك يؤذيه، وأذيته حرام بالاتفاق.

فهي له حلال لو لم تكن عنده فاطمة، وأما الجمع بينهما الذي يستلزم تأذي النبي صلى الله عليه وسلم لتأذي فاطمة به ، فلا ". [فتح الباري (9/328)] .


0
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}