• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
سويسرا الشرق
سويسرا الشرق
يا قطار الزّمن الزّميع هلّا أسديت لي معروفًا؟
أرجوك عد بي, أنا الفتاة المولودة بعد أوانها, إلى العصر البديع الصبيح, إلى عصرٍ كان فيه اسم لبنان البديل "سويسرا" الشّرق.
أستحلفك بالقدّيسين و بالأنبياء و المرسلين, أن ترجعني إلى الحقبة اللّبنانيّة الذّهبيّة المرصّعة بكمّ هائلٍ من العادات التليدة. فأنا ما عدتُ أحتمل العصر التكنولوجيّ الرثّ, عصر الحروب الافتراضيّة و الحبّ الزائف القابل للنسيان بكبسة زرٍ قبيحة.

أدعو ربي ليلًا و نهارًا, أن يكون هذا العصرالقبيح مجرّد كابوسٍ موجعٍ , ينتهي حالما أستفيق. لكن "ألف دعوة ما مزّقت قميص,و ألف زلغوطة ما زوّجت عريس". حقيقةً, إنّ التكنولوجيّا هي زوجة أبٍ  للبنانيّ الشغوف و سمٌّ قتّال لكبار السنّ اللّبنانيين.

 التكنولوجيا اغتالت بشراسةٍ أيام "العزّ اللبنانيّة".  أيّام كان لبنان رائدًا في المجال المصرفيّ,مركزًا ماليًا للشّرق الأوسط, و موطنًا للسريّة المصرفيّة. أيّام كانت العربات,المسيّرة بواسطة أحصنة, وسائل نقلٍ توصل راكبيها إلى وجهتهم. أيّام كان لبنان البلد العربيّ الفريد بتدشينه للسكّة الحديديّة التي لمت شمل طرقات لبنان و سوريا فالسعوديّة حتّى باريس. أيّام كان لبنان مقصدًا للسيّاح بفعل طبيعته الخلّابة السّاحرة, مياهه المنعشة للأرواح و الأبدان, و شوارعه التّي تعجّ بالحياة. لبنان,خلال الحقبة المنصرمة, كان موطن الازدهار, نبض الشّرق, و قالب الحياة.

التكنولوجيا أهلكت الفنّ اللّبناني العريق و هدّمت مسارحه. لقد حرمتنا التكنولوجيا اللّعينة, نحن الجيل اللّبناني الجديد, متعة ولهفة  التوّجه إلى مسرح البيكاديللي ,القابع بين أحضان الحمرا, لنعيد شحن رصيد قلوبنا بوحدات الحبّ التّي يسخّرها صوت فيروز السلسال و سواه من أصوات الفنانين المخضرمين. سرقت التكنولوجيا, من جيلي, الراديو الذّي كان رفيق درب العشّاق, مصدر حماس الثورييّن, مؤنس الطلاب ,وعكاز العجائز. الراديو اللّبناني في ذينك الزّمان, كان يصدح كلّ صباحٍ بانتظامٍ, من المقاهي و وسائل النقل العموميّة و البيوت,  بصوت فيروز. إذ كان لا صباح من دون فيروز في لبنان. فإذا جبت فجرًا أو صباحًا الشّوارع اللبنانيّة, ستستوقفك فيروز لتسألك عن حالك " كيف إنتَ ملّا إنتَ", لتعاتبك  على الغياب " سألوني النّاس عنّك ياحبيبي" , لتعيد إليكَ ذكريات الماضي الشجيّ " قديش كان في ناس عالمفرق تنطر ناس", لتصبّ في قلبك الحنين إلى فلسطين" مريت بالشّوارع, شوارع القدس العتيقة", و لتلفح روحك الذّابلة بنسيماتِ الصبابة "نسّم علينا الهوى". عوضَا عن ذلك, جمّلت النكنولوجيا الراديو و طوّرته, حتى غدا اليوتيوب مسرحنا, و مصدر صوت الهاتف الذكيّ "مايك" المطرب.  يا أسفي على زمنٍ أضحى فيه الفنّ باليًا عاريًا من الوجدان الحقّ الذّي يحاكي القلوب التي أضناها تعب الحبّ و أعيتها أمطار الحياة.

لعن الله العالم  الافتراضيّ لعنًا بعدد السماوات! فحتّى الحبّ أَضحى تكنولوجيًا بحتًا, يُقاس مداه بعدد "البوستات" الفيسبوكيّة. اليوم,كلمة "أحبّك" باتت متداولة كثيرًا على العالم الأزرق و العالم البنفسجيّ و سواه من العوالم المبتكرة, إلى حدّ فقدان معناها. التكنولوجيا اغتالت تلهّفنا  لانتظار رسالةٍ ورقيّة مشبّعة بالحبر و المشاعر و الدموع, و غيّبت فينا المجازفة باقتناء رسالةٍ خُطت بقلم القلب بين دفتيّ كتاب. صرنا في زمنٍ التعارف الافتراضيّ, الحبّ الافتراضيّ, المشاعر الافتراضيّة, و طبعًا الطلاق الافتراضيّ, حتّى بات الحبّ و كلماته سلعةً يتنقاله الكاذب قبل الصادق.  

تلك الشمطاء, اقترفت جرائم بشعة بحقّ المثقفين اللّبنانيين منذ ابتداعها حتّى الآن. إذ دمّرت بسلاحها الفتّاك"البي دي أف" المكتبات اللّبنانيّة ,التي كانت في يومٍ من الأيام وطنًا للكتب العربيّة و الأجنبيّة, وجهة المثقفين العرب, و منزلًا للنّدوات السياسيّة والثقافيّة المتنوّعة. حتّى المقاهي  الّتي كانت الأم العطوف للمثقفين و الكتّاب الذين هرعوا إليها كلّ مساء بغية الراحة والمناقشات,  لم تسلم من مقص التدمير, إذ استبدلت بمطاعم من الطراز الرفيع الذي يتناسب و الذوق الحاليّ. و من أبرز  الخسارات اللبنانية في هذا المضمار, مقهى "الهورس شو" الذّي وطأه ثلّة من النخب العرب أمثال الكنفاني.

أخيرًا , أقول و بكلّ قواي العقليّة, أّنّنيولدت في الزمن الخطأ, زمن اضمحلال المشاعر و بزوغ الماديّات. لذا, لطفًا, أعيدوني إلى "سويسرا الشّرق" حيث الحياة و الحبور و المهرجانات. أرجعوني إلى زمن كانت المشاكل لها رونقها الخاصّ, و المناسبات لها تقاليدها المنفردة بها. أعيدوا زمن المحبة , الألفة , قصص الجدات و السهرات العائليّة, حيث الأقارب لم يكونوا عقارب.


11
0
8

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}