• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
سحر الحكايات
سحر الحكايات
Google+
عدد الزيارات
310
بساحة جامع الفناء بالمدينة الحمراء (مراكش)، كان أحد مبدعي "الحلقة" يلف بطاقيته المقلوبة على المتحلقين حوله يجمع فيها دراهم معدودة من الأيادي الكريمة،

 وبعد لفه آخر لفتين دون درهم إضافي صدح بالمقولة الشهيرة "من يتكرم علي بخمسة دراهم إضافية، خمسة دراهم فقط ويبدأ العرض" من ؟ من ؟! يدير رأسه يمينا وشمالا ويلتفت ويعيد، لكن لا احد يرمي له بها، فيضيف " أعطوني خمسة دراهم وأقول لكم إسم الذئب الذي أكل سيدنا يوسف ", فينفجر الجميع ضحكا مرددين : "سيدنا يوسف لم يأكله الذيب يا هذا !!!"، فيقول " إذا امنحوني خمسة دراهم وأقول لكم اسم الذئب الذي لم يأكل سيدنا يوسف" وضحك الجمع مجددا بطريقة هستيرية".

وهنا تذكرت أنه أصبح عسيرا على الناس منحه المزيد فالذئاب الملتحية أكلت جيوبنا جميعا.

انسحبت من الحلقة وتركت فقيهها يخبط كفيه يمينها بشمالها متأسفا عن حاله وحالنا, وعدت إلى بيتي, إلى ملجئي اليومي, كهفي الحاميني من شرور شوارع الحياة, وفتحت بابه لتستقبلني ابنتي ذات الست سنوات, حملتها من توي إلى الأعلى ونظرت في وجهها وإذا به من سعادته قد انغلقت عيناه وبزرت نواجده الملائكية الملكية, قبلتها بحرارة بالغة, فتكلمت : "بابا ! بابا ! أريد حكاية", هذا ما ألفته مني صغيرتي كونها بهذا تحلق بعيدا عن دنيانا الصعبة المراس والتعلم إلى دنيا الخيال والبطولة حيث لا شيء يقف عاقبة أمام روح الإنسان الخيِّر وبراءة قلبه النقي.

لم يتبادر إلى ذهني ساعتها غير قصة "ليلى والذئب" فما زالت كلمات خطيب جامع الفناء تراودني عن فكري.

-بنيتي : هل تذكرين حكاية ليلى والذئب ؟ 

-نعم, أذكرها بابا, نعم ليلى التي أكل الذئب جدتها ولبس لباسها ونام في فراشها ليأكل ليلى, ولكن ليلى فطنت بالملعوب كون أنف جدتها بدى طويل عن المعتاد وصوتها خشن فهربت واستنجدت بأحد الصيادين الذي قتل الذئب رميا بالرصاص.

- نعم يا فلذة كبدي ولكن في رواية الذئاب الملتحية : فقد كان جدهم "الذئب" حاميا لحمى الغابة "الوطن" من الفساد, وليلى كانت شريرة تأتي على الأخضر واليابس في الغابة وأراد كبح جماحها بزيارة جدتها والتشكي منها ولكنها كانت شريرة بدورها وقامت بضربه بعصاة على رأسه فلم يتمالك نفسه ودافع عن نفسه بأن دفعها فسقطت أرضا مغشية عليها, وحينها طرقت ليلى الباب فخاف ولبس لباس الجدة ورقد في مكانها واضعا قبعتها حتى لا تفزع ليلى, لكن ليلى بخبثها أدركت أن أنف جدتها أطول عن المعتاد وصوتها خشن فهربت واستنجدت بأحد الصيادين فرمى جدهم غدرا بالرصاص وتم قتله.

يا بنيتي أعذريني إن أثقلت على سنك ولكني لا أريدك وباقي فلذات الأكباد مستقبلا أن تنخدعوا بما انخدعنا به نحن الكبار "الكلام المعسول والمعقول" الذي لا أحد يستطيع اعتراضه والذي هو في حقيقة أمره نهب وطغيان بداعي محاربة الفساد, أما الذئاب يا بنيتي فجِرائها تدرس خارج غابتنا بلغة السباع, وأنتم تدرسون هنا بلغة الصحراء.

لهذا سأحكي لكي اليوم أحسن القصص جمالا ومعنى في انتصار الروح الطيبة على الإخوان المستئذبين.

وهي قصة السيد يوسف مع إخوته الإحدى عشر, الذين كان والدهم "النبي يعقوب" يحب يوسفنا صغيرهم حبا عذريا جمَّا, ورأى الابن يوسف يوما في حلمه أن "احد عشر كوكبا والشمس والقمر له ساجدين" وفسر له والده أن الأحد عشر كوكبا هم اخوته والشمس والقمر والديه, وأمره بكتم الأمر سرا حتى لا يضره أمر من إخوته, لكن للأسف كاد به الإخوة جميعهم بأن ألحوا على أبيهم أن يخرج معهم يوسف للخلاء رعيا, ورموه بالبئر عائدين إلى أبيهم يبكون ليلا يحملون قميصا ملطخ بدم شات مدعين أنه دم يوسف وقد أكله الذئب, يا بنيتي إن يعقوب كان نبيا وأذكى من ليلى وذئب جدتها, فقد علم من أول الأمر أن القميص به دم كذب فكيف للذيب أن يأكل فلذة كبده والقميص لم يمزق وابيضت عيناه حزنا وهما والتزم الصمت, ويوسف حينما استقبل اخوته بمصر وكان قد أصبح عزيز عزيزها أرسل لأبيه قميصه الخاص الذي بمجرد أن شمه عاد له بصره, يابنيتي ! القميص الذي ادعى إخوة يوسف أن به دليل أكل الذئب له هو نفس أداة رجوع البصر ليعقوب وهو نفس الأداة (القميص) الذي برء يوسف من ادعاء زليخة زوجة العزيز "إن كان قد قض قميصه من دبرٍ لحظة أن جذبته زليخة لتراوده عن نفسه ...", آه يا بنيتي لو تبلغي رشدك وتنصتين في تامل ورشد لكل ما أقول ولتستمعين في رُقَي لسمفونية "قميص يوسف" للموسيقار الإيراني مجيد انتظامي, يا بنيتي بالأمس تابعت أنا وأمك مسلسل "الصديق يوسف" وهو من عمل الإيرانيين وترجمة العرب اللبنانيين وشاهدناه بكل جوارحنا لما تحمل القصة من معنى كونها كما جاءت في وصف الكتاب المبين "بأحسن القصص", بنيتي إن الذئب بريء من دم يوسف وإنما الإنسان ذئب لأخيه الإنسان على حد تعبير "طوماس هوبس" في القرن الثاني عشر وقد تجسد قديما وحديثا الذئب في رغبة الإنسان في السيطرة والسلطة وتناسى أن خيره يكمن في أن يحب لأخيه ما يحبه لنفسه ...

- بابا ! يوسف جميل ؟.

-نعم يا بنيتي، لقد عشقه الكل.

-هل كان يصلي مثل ماما ؟

-نعم كان يصلي بطريقته، ولكن ليس مثل ماما.

-مثلك انت.

- نعم هههه، ولي حكاية في هذا الشأن إن أردتي.

-مرحا ! مرحا ! احكي يا أبي.

يحكى في ما مضى أن رجلا يعمل عبارا، ينقل الناس بين ضفتي نهر ابي رقراق على قاربه المتواضع، واتخذ من كوخ خشبي بالقرب من النهر سكنا له بعيدا عن صخب الحياة، لا يكلم احدا ولم تكن له دراية بالقراءة والكتابة، ولا بكيفية الصلاة وإنما يتوجه الى السماء ويتمتم بكلمات غير مفهومة ظنا منه انه يصلي، وفي احد الايام بينما يترنح بجسده بقرب النهر ويتكلم بكلمات لا يفهمها الا هو جاء رجل يريد قطع النهر بقاربه وكانت ثياب القادم تدل على انه شيخ لاحد الزوايا، فشاهد العبار يفعل حركات غريبة، فسأله عما يفعل، فرد أنه يصلي، فقال له إن الصلاة ليست هكذا وإنما تتوضئ بهذه الطريقة وتصلي هكذا، ففرح صاحبنا ومن شدة فرحه منحه عبارته ليقطع بها النهر لوحده معتذرا له بأنه هو سيبقى ليصلي فقد وجد أخيرا الطريقة الصحيحة لآدائها، وانطلق الشيخ بالقارب، وتوضئ صديقنا متأنيا حتى لا ينسى شيئا ولكن عندما اراد الصلاة نسي بما يبتدئ وما يقول والتفت نحو القارب وجرى فوق الماء غير مبالي حتى ادرك القارب وسط النهر وأمسك بالشيخ : قلي ما يتوجب علي أن أقول وما افعل فقد نسيت، وهنا رأى الشيخ أن الرجل جاء مسرعا بقدميه الحافيتين فوق المياه وقال له : لا، حافظ على طريقتك التي كنت تصلي بها من قبل، فقد كانت جيدة. وشكر الشيخ الله واكمل طريقه.

- يا بنتي تعداد البشر على الارض ستة مليارات وربع، مليار وربع مسلم وإن صلى نصفهم بقي خمس مليارات ونصف كل يصلي بطريقته، والطريق الى الله بعدد الأنفس كما قال ابن عربي.

- أبي أبي، اريد ان احلق، اريد ان اطير، هل لك ان تحكي لي حكاية يكون لي فيها جناحين، انتقل بهما بين الاراضي والسماوات.

-بنيتي ! اراك اصبحتي اكثر نضجا وحكمة من اقرانك وتطلبين المزيد من الخيال.

حسنا ! أولا لماذا لا تطلبين هذا من أمك ؟ 

- أمي صارمة وتتكلم عن حقائق أجد الخيال أشد تماسكا وعبرة وتعايشا عنها، وأنت يا أبتي أكثر طيبة وحنانا منها، أفضل السفر معك على أن أعيش رهينة إطار مشوك وعازل عن الشعور بالغير.

-بنيتي أرى أني استطعت أن أغرس ما أربو إليه في ذريتي في زمن قياسي. ولكن سأحكي لكي قصة من يحط نفسه أعلى من غيره وينتهي دليلا وإن حلق وعلى.

هي قصة النمرود "ملك بابل" الذي كان يتنزه في الحدائق المعلقة التي أنشأها الملك نبوخذ نصر، وحين وصل لمكان اشتغال عمال الحديقة انحنى الكل في حضرته إلا واحدا منهم لم يكثرت فقصده النمرود موجها له اللوم : كيف له أن لا ينحني لملك الملوك، فجاوبه أنه كان في صلاة وأن حضرة الله الذي هو اكبر من أي شيء تمنعه أن يستحضر النمرود وحاشيته إذ لم يستشعر أحدا، ورجع النمرود لتوه جامعا كل مستشاريه متحيرا "كيف لهذا الله أن يمحيه ومن معه ؟! ما العمل ؟! أشار له أحد مستشاريه "أن يقتل الله ويسود لوحده"، أُعجب النمرود بهذه الفكرة وأمر بأن يُشَد وثاق بلاطه لنسور عدة وأن يلقى بثور بمنجنيق صوب السماء فتتبعه النسور ويُحلق في السماوات رفقة جنوده وكان له ما طلب حتى بلغ السماء السابعة واستقر بها وبدأ ينادي يا الله يا الله ! فلم يجبه احدا حتى صادف أن أجابه الشيطان انا هنا هنا هنا ! فانهالت السهام من كل جانب حتى اصبغ الشيطان الدماء على احد السهام فظن االنمرود أنه قتل الله وامر حاشيته بتوجيه السهام المعلقة بالبلاط نحو الارض وعاد وهو اكثر استبدادا وعجرفة، حتى ان ناموسة استقرت في اذنه فقتلها عبيده ممن ينشون عليه ولكنها قبل ذلك وضعت بيضها في اذن النمرود وظلت صغارها تخلق ممرات في رأسه المتعفن. وفي يوم خرج النمرود للتنزه بالحديقة وتغيير الهواء وتنفيس كربته فجاءه الشيطان في صيغة رجل الحديقة وقال له انت ملك الملوك الالاه الملك اؤمر حاشيتك ان يصنعوا لك رأسا من الماس .يستبدلوه برأسك المتعفن، فأمر النمرود بذلك وقص رأسه وتولى حاكم مستبد غيره الحكم.

وخاطب الله الشيطان لما كل هذه الجلبة والتمثيلية ؟! فأجاب أن الأمر تسلية لا غير.

يا بنيتي إياك والغرور والتكبر فالشيطان منا ولا نعلم.

وإن حلقتي حلقي مع الانسانية ودعي الشيطان والله يتسلوا بغيركي.


3
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}