• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
سفر ألف دال أمل دنقل
 سفر ألف دال  أمل دنقل
Google+
عدد الزيارات
280
حديث خاص مع أبي موسى الأشعري

حديث خاص مع أبي موسى الأشعري

[حاذيتُ خطو الله، لا أمامه، لا خلفه...]

1

إطارُ سيارته ملوثُ بالدمّ!
سارَ.. ولم يهتمّ!
كنتُ أنا المشاهدَ الوحيدْ
لكنني.. فرشتُ فوق الجسد الملقى جريدتي اليوميَّةْ
وحين أقْبَلُ الرجالَ من بعيد..
مزّقتُ هذا الرقم المكتوب في وريقةٍ مطويّةْ
وسرتُ عنهم .. ما فتحتُ الفمّ!

***

(حاربتُ في حربهما
وعندما رأيتُ كلا منهما .. مُتَّهما
خلعتُ كلا منهما!
كي يسترد المؤمنون الرأيَ والبيعة
.. لكنهم لم يدركوا الخدعة!)

***

حين دلفتُ داخل المقهى
جرَّدني النادلُ من ثيابي
جردتهُ بنظرة ارتيابِ
بادلتُه الكُرْها!
لكنني منحتُه القرشَ: فزيَّن الوجها..
ببسمةٍ.. كلبيةٍ.. بَلْها..
ثم رسمتُ وجهه الجديد.. فوق علبةِ الثقابِ!

2

رأيتُهم ينحدرون في طريق النهرْ ..
لكي يشاهدوا عروسَ النيل -عند الموت- في جَلْوتها الأخيرةْ
وانخرطوا في الصلوات والبكاءْ.
وجئتُ.. بعد أن تلاشت الفقاقيعُ، وعادت الزوارقُ الصغيرة
رأيتُهم في حلقاتِ البيع والشراءْ
يقايضون الحزنَ بالشواءْ!
.. تقول لي الأسماكْ
تقول لي عيونُها الميتة القريرة:
أن طعامها الأخيرَ.. كان لحماً بشرّياً..
قبل أن تجرفها الشباك!
يقول لي الماءُ الحبيسُ في زجاج الدورقِ اللمَّاعْ
إن كلينا.. يتبادلان الابتلاع!
تقول لي تحنيطةُ التمساح فوق باب المنزل المقابلْ
إن عظامَ طفلةٍ.. كانت فراشَ نومه في القاع!

***

(خلعتُ خاتمي .. وسيدي
فهل تُرى أحصي لك الشاماتِ في يدي
لتعرفيني حين تُقْبلين في غدِ
وتغسلين جسدي
من رَغَواتِ الزَّبدِ؟!)

***

في ليلة الوفاءْ
رأيتُها -فيما يرى النائمُ- مُهرةّ كسلى
يسرجُها الحوذيُّ في مركبِة الكراءْ
يهوى عليها بالسياط، وهي لا تشكو.. ولا تسيرْ!
وعندما ثرتُ.. وأغلظتُ له القولا..
دارت برأسها ..
دارت بعينيها الجميلتينْ ..
رأيتُ في العينين: زهرتينْ
تنتظران قبلة من نحلة هيضَ جناحُها.. فلم تعدُ تطيرْ !
.. رأيتُها - فيما يرى النائم - طفلةً.. حبلى!
رأيتُها.. ظلا!
وفي الصباح: حينما شاهدتُها مشدودة إلى الشراعْ
ابتَسمَتْ، ولَوَّحَتْ لي بالذراعْ
لكنني: عَثُرتْ في سيري!
رأيتُني.. غيري!
وعندما نهضتُ: ألقيتُ عليها نظرة الوداعْ
كأنني لم أرها قبلا!
فأطرَقَتْ خجلى ..
ولم تَقُلْ إني رأيتُها.. ليلا!

3

خرجت في الصباح.. لم أحمل سوى سجائري
دستها في جيب سترتي الرمادية
فهي الوحيدة التي تمنحني الحب.. بلا مقابل!

***

رؤيا :
ويكون عام.. فيه تحترق السنابل والضروع
تنمو حوافرنا مع اللعنات من ظمأ وجوع
يتزاحف الأطفال في لعق الثرى!
ينمو صديد الصمغ في الأفواه
في هدب العيون فلا ترى!
تتساقط الأقراط من آذان عذراوات مصر!
ويموت ثدي الأم.. تنهض في الكرى
تطهو على نيرانها الطفل الرضيع!
حاذيت خطو الله، لا أمامه، لا خلفه
عرفت أن كلمتي أتفه..
من ان تنال سيفه أو ذهبه .
حين رأت عيناي ماتحت الثياب: لم يعد يثيرني!
قلبت حينا- وجهي العملة
حتى إذا ما انقضت المهلة
ألقيتها في البئر.. دون جلبة!
وهكذا فقدت حتى حلمه وغضبه .
عيناك لحظتا شروق
أرشف قهوتي الصباحية من بنـَهما المحروق
وأقرأ الطالع!
وفي سكون المغرب الوداع
عيناك ياحبيبتي، شجيرتا برقوق
تجلس في ظلهما الشمس، وترفو ثوبها المفتوق
عن فخذها الناصع!

4

.. وستهبطين على الجموع
وترفرفين.. فلا تراك عيونهم.. خلف الدموع
تتوقفين على السيوف الواقفة
تتسمعين الهمهمات الواجفة
وسترحلين بلا رجوع !
ويكون جوع!
ويكون جوع!

(مارس 1967)

من مذكرات المتنبي
(في مصر)

أكره لون الخمر في القنينة
لكنني أدمنتها.. استشفاء
لأنني منذ أتيت هذه المدينة
وصرت في القصور ببغاء!
وعرفت فيها الداء!
أمثل ساعة الضحى بين يدي كافور
ليطمئن قلبه.. فما يزال طيره المأسور
لا يترك السجن ولا يطير
أبصر تلك الشفة المثقوبة
ووجهه المسود والرجولة المسلوبة
.. أبكي على العروبة!
يومئ يستنشدني: أنشده عن سيفه الشجاع
وسيفه في غمده.. يأكله الصدأ!
وعندما يسقط جفناه الثقيلان وينكفئ
أسير مثقل الخطى
في ردهات القصر
أبصر أهل مصر
ينتظرونه... ليرفعوا إليه المظلمات والرقاع!
جاريتي من حلب، تسألني "متى نعود؟"
قلتُ: الجنود يملأون نقط الحدود
ما بيننا وبين سيف الدولة..
قالت: سئمت من مصر
ومن رخاوة الركود
فقلت: قد سئمت مثلك القيام والقعود
بين يدي أميرها الأبله
لعنت كافورا
ونمت مقهورا...

"خولة" تلك البدوية الشموس
لقيتها بالقرب من "أريـــحا"
سويعة ثم افترقنا دون أن نبوحا
لكنها كل مساء
في خواطري تجوس
يفتر بالشوق والعتاب ثغرها العبوس
أشم وجهها الصبوحا
أضم صدرها الجموحا!
سألت عن القادمين
في القوافل
فأخبروني أنها ظلّت بسيفها تقاتل
في الليل تجّار الرقيق عن خبائها
حين أغاروا ثم غادروا شقيقها ذبيحا
والأب عاجزاً كسيحا
واختطفوها بينما الجيران يرنون المنازل
يرتعدون جسداً وروحا
لا يجرؤون أن يغيثوا سيفها الطريحا!
(ساءلني كافور عن حزني
فقلت إنها تعيش الآن في بيزنطة
شريدة ... كالقطة
تصيح: "كافوراه ... كافوراه"
فصاح في غلامه أن يشتري جارية رومية
تجلد كي تصيح: "واروماه .. واروماه"
لكي يكون العين بالعين.. والسن بالسن!)

في الليل
في حضرة كافور أصابني السأم
في جلستي نمت.. ولم أنم
حلمت لحظة بكـــا
وجندك الشجعان يهتفون: سيـف الدولة
وأنت شمس تختفي
في هالة الغبار عند الجولة
ممتطياً جوادك الأشهب شاهراً حسامك الطويل المهلكا
تصرخ في وجه جنود الروم
بصيحة الحرب.. فتسقط العيون
في الحلقوم
تخوض.. لا تبقي لهم إلى النجاءة مسلكا
تهوي ... فلا غير الدماء والبكا
ثم تعود باسماً... ومنهكا
والصبية الصغار يهتفون
في حلــب :
"يا منقــذ العرب"
"يا منقــذ العرب"
حين تعود... باسماً... ومنهكا
حلمت لحظة بكــا
حين غفوت
لكنني حين صحوت :
وجدت هذا السيد الرخوا تصدر البهوا
يقص في ندمانة عن سيفه الصارم
وسيفه في غمده يأكله الصدأ!
وعندما يسقط جفناه الثقيلان وينكفئ
يبتسم الخادم!
.. تسألني جاريتي أن أكتري للبيت حرّاسا
فقد طغى اللصوص في مصر
.. بلا رادع
فقلت: هذا سيفي القاطع
ضعيه خلف الباب ... متراسا!
"ما حاجتي للسيف مشهورا
ما دمتُ قد جاورتُ كافورا؟"


"عيدٌ بأية حال عدت يا عيدُ؟
بما مضى؟ أم لأرضي فيك تهويدُ؟
"نامت نواطير مصر" عن عساكرها
وحاربت بدلاً منها الأناشيدُ!
ناديت: يا نيــل هل تجري المياه دماً
لكي تفيض.. ويصحو الأهل إن نودوا؟
عيد بأية حال عدت يا عيدُ؟

(حزيران 1968)

ميتة عصرية


1

فتح المذياعَ.. واستلقى!
وكان القدحُ الساخنُ..
في وحدته المستغرقةْ.
يدخل الطيف الذي يهبط.. بغتةْ
يسكتُ المذياعُ.. سكتةْ
موجز الأنباءِ ألقت يدُه السيجارةَ المحترقة
صرَّت النافذةُ المنغلقة
.. .. .. .. ..
(يعبر الغرفةَ:
فوق الحائط الأزرقِ.. صورهْ
ظلَّ يجْلو تحتها خنجره.. مبتسماً)
.. .. .. ..
مَدَّ ساقيهِ،
وكان الرّعب في عينيهِ..
صار الصوت والموت
عدواً واحداً
منقسماً!
ظل في مقعدهِ..
سار الترامْ
وهو في مقعدهِ..
كلَّتْ يدا بائعةِ الخبز الصغيرة
وهو في مقعدهِ ..
كفَّ فحيحُ الصمتِ في المذياعِ،
وانساب "السلام"
وهو في مقعدهِ ..
- (موجز أنباء الصباحْ)
وهو في مقعدهِ ..

.. .. .. ..

في يدهِ سيجارةٌ ملتصقةْ
وعلى الحائطِ.. صورة!


2

- من ذلك الهائمُ في البريّهْ؟
ينام تحت الشجر الملتفِّ والقناطر الخيريّة؟
- مولاي: هذا النيلُ.
نيلُنا القديمْ!
- أين تُرى يعملُ.. أو يقيمْ؟
- مولاي:
كنَّا صبيةً نندسُّ في ثيابه الصيفية
فكيف لا تذْكُرُهُ؟
وهو الذي يُذْكَرُ في المذياعِ والقصائد الشعرية؟
- هل كان قائدا؟
- مولايَ: ليس قائداً.
لكنما السياحُ في مطالع الأعوامْ
يأتون كي يروه..
- آهٍ.. ويُصَوِّرونه لكي يشَهِّروا بنا
بوجهه الباكي.. وكوفيَّته القطنية
.. تعال كي نودعه في ملجأ الأيتامْ.
- مولاي:
هكذا تحبّه الصبايا.. والرعاةُ.. والأغنام
وأمُّ كلثومٍ تغني له..
في وصلتها الشهرية!
- النيلُ!
أين يا تُرى سمعتُ عنه قبل اليومْ؟!

أليس ذلك الذي..
كان يضاجعُ العذارى!؟
ويحب الدمّْ!؟
- مولاي: قد تساقطت أسنانه في الفمّْ
ولم يَعُدْ يقْوى على الحبِّ.. أو الفروسيّة
- لا بدّ أن يبرز لي أوراقه الشخصية
فهو صَمُوت!
يصادق الرعاعَ..
يهبط القرى..
ويدخل البيوتْ..
ويحمل العشاقَ في الزوارق الليلية
- مولاي؟ هذا النيلْ..!
- لا شأنَ لي بنيلك المُشَرَّد المجهولْ
أريد أن يبرز لي أوراقه الرسميّة:
شهادة الميلاد.. والتطعيمِ.. والتأجيلْ
والموطن الأصليِّ.. والجنسيّة
.. حتى يمارسَ الحريَّة!


3

.. ويلْقي المعلمُ مقطوعةَ الدرسِ،
في نصف ساعة:

"ستبقى السنابلْ..
وتبقى البلابلْ..
تغرِّد في أرضنا.. في وداعه"..
ويكتب كلُّ الصغار بصدق وطاعةْ:
"ستبقى القنابلْ..
وتبقى الرسائلْ..
نُبلِّغها أهلنا.. في بريد الإذاعةْ".

(1970)

سفر ألف دال


(الإصحاح الأول)

القِطاراتُ ترحلُ فوق قضيبينِ: ما كانَ ما سيكُونْ!
والسماءُ: رمادٌ، به صنعَ الموتُ قهوتَهُ،
ثم ذَرّاه كي تَتَنَشَّقَه الكائناتُ
فينسَلّ بينَ الشَّرايينِ والأفئِده.
كلُّ شيءٍ -خلال الزّجاج- يَفِرُّ:
رذاذُ الغبارِ على بُقعةِ الضَّوءِ،
أغنيةُ الرِّيحِ،
قَنْطرةُ النهرِ،
سِربُ العَصافيرِ والأعمِدةْ
كلُّ شيءٍ يفِرُّ،
فلا الماءُ تُمسِكُه اليدُ،
والحُلْمُ لا يتبقَّى على شُرفاتِ العُيونْ.

***

والقطاراتُ تَرحلُ، والراحلونْ..
يَصِلُونَ.. ولا يَصلُونْ!

(الإصحاح الثاني)

سنترال:
أعطِ للفتياتِ
- اللواتي يَنَمْنَ إلى جانب الآلةِ الباردةِ -
(شارداتِ الخيالْ)
رقمي - رقمَ الموتِ - حتى أجيءَ الى العُرْسِ..
ذي الليلةِ الواحِدهْ!
أَعطِه للرجالْ..
عِندما يلثُمُون حَبيباتهم في الصَّباحِ، ويرتحلونَ
إلى جَبَهاتِ القِتالْ!

(الإصحاح الثالث)

الشُهورُ: زُهُورٌ على حافَةِ القَلبِ تَنْمو.
وتُحرقُها الشَّمسُ ذاتُ العُيون الشَّتائيَّةِ المُطفأهْ.

***
زهرةٌ في إناءْ
تتوهَّجُ -في أوَّلِ الحبِّ- بيني وبينَكِ..
تُصبحُ طفلاً.. وأرجوحةً.. وامرأة.
زهرةً في الرِّداء
تَتَفَتَّحُ أوراقُها في حَياءْ
عندما نَتَخَاصرُّ في المشْيةِ الهادِئه.
زهرةُ من غِناء
تَتَورَّدُ فوق كَمنجاتِ صوتكِ
حين تفاجئكِ القُبلةُ الدافِئه.
زهرةٌ من بُكاء
تتجمَّدُ - فوقَ شُجيرةِ عينيكِ - في لحظاتِ الشِّجارِ الصغيرةِ،
أشواكُها: الحزنُ.. والكِبرياءْ.
زهرةٌ فوق قبرٍ صغيـرْ
تنحني؛ وأنا أتحاشى التطلعَ نحوكِ..

في لحظات الودَاعِ الأَخيرْ.
تَتَعرَّى؛ وتلتفُّ بالدَّمعِ - في كلِّ ليلٍ - إذا الصَّمتُ جاءْ.
لم يَعُدْ غيرُها.. من زهورِ المسَاء
هذه الزهرةُ - اللؤلؤه!

(الإصحاح الرابع)

تحبلُ الفتياتْ
في زيارات أعمامِهنَّ الى العائلة.
ثم.. يُجْهِضُهُنَّ الزحامُ على سُلَّم "الحافِلة"
وترام الضَّجيج!

***

تذهبُ السَّيداتْ
ليُعَالجْنَ أسنانَهنَّ فَيُؤْمِنَّ بالوحْدَة الشاملة!
ويُجِدْنَ الهوى بلِسانِ "الخليج"؟

***
يا أبانا الذي صارَ في الصَّيدليَّات والعُلَبِ العازلةْ
نجّنا من يدِ "القابِلةْ"
نَجنّا.. حين نقضُم - في جنَّة البؤسِ - تفّاحَةَ العَربات وثيابِ الخُروجْ!


(الإصحاح الخامس)

تصْرخين.. وتخترقينَ صُفوفَ الجُنودْ.
نتعانقُ في اللحظاتِ الأخيرةِ،
في الدرجاتِ الأخيرةِ.. من سلّم المِقصلَهْ.
أتحسَّسُ وجهَكِ!
(هل أنت طِفلتيَ المستحيلةُ أم أمِّيَ الأرملةْ؟)
أتحسسُ وجهَكِ!
(لمْ أكُ أعمى،
ولكنَّهم أرفقُوا مقلتي ويدي بمَلَفِّ اعترافي
لتنظرَه السلُطاتُ..
فتعرفَ أنِّيَ راجعتهُ كلمةً.. كلمةً..
ثم وَقَّعتُهُ بيدي..
- ربما دسَّ هذا المحقِّقُ لي جملةً تنتهي بي إلى الموتِ!-
لكنهمْ وعدوا أن يُعيدوا إليَّ يديَّ وعينيَّ بعدَ
انتهاءِ المحاكمة العادِلةْ!)

زمنُ الموتِ لا ينتهي يا ابنتي الثاكلةْ
وأنا لستُ أوَّلَ من نبَّأ الناسَ عن زمنِ الزلزلةْ
وأنا لستُ أوَّلَ من قال في السُّوقِ..
إن الحمامةَ - في العُشِّ - تحتضنُ القنبلةْ!.
قَبّلبيني؛ لأنقلَ سرِّي إلى شفتيك،
لأنقل شوقي الوحيد
لك، للسنبلة،
للزُهور التي تَتَبرْعمُ في السنة المقبلة
قبّليني.. ولا تدْمعي..
سُحُبُ الدمعِ تَحجبني عن عيونِك..
في هذه اللَّحظةِ المُثقلة
كثُرتْ بيننا السُّتُرُ الفاصِلة
لا تُضيفي إليها سِتاراً جديدْ!

(الإصحاح السادس)

كان يجلسُ في هذه الزاويهْ.
كان يكتبُ، والمرأةُ العاريهْ
تتجوَّل بين الموائِدِ؛ تعرضُ فتنتَها بالثَّمنْ.
عندما سألَتْه عَن الحَربِ،
قال لها..
لا تخافي على الثروةِ الغاليةْ
فعَدوُّ الوطنْ
مثلُنا.. يخْتتنْ
مثلنا.. يعشقُ السّلَعَ الأجنبيَّةْ،
يكره لحمَ الخنازيرِ،
يدفعُ للبندقيَّةِ.. والغانيةْ!
.. فبكتْ!

كان يجلسُ في هذه الزّاويةْ.
عندما مرَّت المرأةُ العاريةْ
ودعاها؛ فقالتْ له إنها لن تُطيل القُعودْ
فهي منذُ الصباحِ تُفَتّشُ مُستشفياتِ الجُنودْ
عن أخيها المحاصرِ في الضفَّةِ الثانيةْ
(عادتِ الأرضُ.. لكنَّه لا يعودْ!)
وحكَتْ كَيف تحتملُ العبءَ طِيلة غربتهِ القاسيةْ
وحكتْ كيفَ تلبسُ - حين يجيءُ - ملابسَها الضافيةْ
وأرَتْهُ لهُ صورةً بين أطفالِهِ.. ذاتَ عيد
.. وبكت!

(الإصحاح السابع)

أشعر الآنَ أني وحيدٌ..
وأن المدينةَ في الليلِ..
(أشباحَها وبناياتِها الشَّاهِقه)
سُفنٌ غارقه
نهبتْها قراصنةُ الموتِ ثم رمتْها الى القاعِ.. منذُ سِنينْ.
أسندَ الرأسَ ربَّانُها فوقَ حافتِها،
وزجاجةُ خمرٍ مُحطّمةٌ تحت أقدامهِ؛
وبقايا وسامٍ ثمين.
وتشَبَّث بحَّارةُ الأمسِ فيها بأعمدةِ الصَّمتِ في الأَروِقة
يتسلَّل من بين أسمالِهم سمكُ الذكريات الحزينْ.
وخناجرُ صامتهٌ،..
وطحالبُ نابتهٌ،
وسِلالٌ من القِططِ النافقه.
ليس ما ينبضُ الآنَ بالروحِ في ذلك العالمِ المستكينْ
غير ما ينشرُ الموجُ من عَلَمٍ.. (كان في هبّةِ الريحِ)
والآن يفركُ كفَّيْهِ في هذه الرُّقعةِ الضيِّقة!
سَيظلُّ.. على السَّارياتِ الكَسيرةِ يخفقُ..
حتى يذوبَ.. رويداً.. رويداً..
ويصدأُ فيه الحنينْ
دون أن يلثمَ الريحَ.. ثانيةً،
أو.. يرى الأرضَ،
أو.. يتنهَّدَ من شَمسِها المُحرِقة!

(الإصحاح الثامن)

آهِ.. سَيدتي المسبلهْ.
آه.. سيدةَ الصّمتِ واللفتاتِ الوَدودْ.

***

لم يكنْ داخلَ الشقَّةِ المُقفله
غيرُ قطٍ وحيدْ.
حين عادت من السُّوق تحملُ سلَّتها المُثقله
عرفتْ أن ساعي البريدْ
مَرَّ..
(في فُتحةِ البابِ..
كان الخِطابُ،
طريحاً..
ككلبِ الشَّهيدْ!)
.. قفز القِطٌ في الولوله!
قفزت من شبابيكِ جيرانِها الأَسئِله
آه.. سيدةَ الصمتِ والكلماتِ الشَّرُودْ
آه.. أيتُها الأَرملَه!

(الإصحاح التاسع)

دائماً - حين أمشي - أرى السُّتْرةَ القُرمزيَّةَ
بينَ الزحام.
وأرى شعرَكِ المتهدِّلَ فوقَ الكتِف.
وأرى وجهَك المتبدِّلَ..
فوق مرايا الحوانيتِ،
في الصُّور الجانبيَّةِ،
في لفتاتِ البناتِ الوحيداتِ،
في لمعانِ خدودِ المُحبين عندَ حُلول الظلامْ.
دائماً أتحسَّسُ ملمَسَ كفِّك.. في كلِّ كفّ.
المقاهي التي وهبَتْنَا الشَّرابَ،
الزوايا التي لا يرانا بها الناس،
تلكَ الليالي التي كانَ شعرُكِ يبتلُّ فيها..
فتختبيئينَ بصدري من المطرِ العَصَبي،
الهدايا التي نتشاجرُ من أجلِها،
حلقاتُ الدخانِ التي تتجَمَّعُ في لحظاتِ الخِصام
دائماً أنتِ في المُنتصف!
أنتِ بيني وبين كِتابي،
وبيني وبينَ فراشي،
وبيني وبينَ هدُوئي،
وبيني وبينَ الكَلامْ.
ذكرياتُكِ سِّجني، وصوتكِ يجلِدني
ودمي: قطرةٌ - بين عينيكِ - ليستْ تجِفْ!
فامنحيني السَّلام!
امنحيني السَّلامْ!


(الإصحاح العاشر)

الشوارعُ في آخرِ اللّيل... آه..
أراملُ متَّشحاتٌ.. يُنَهْنِهْنَ في عَتباتِ القُبورِ - البيوتْ.
قطرةً.. قطرةً؛ تتساقطُ أدمُعُهنَّ مصابيحَ ذابلةً،
تتشبث في وجْنةِ الليلِ، ثم.. تموتْ!
الشوارعُ - في آخر الليلِ - آه..
خيوطٌ من العَنْكبوتْ.
والمَصابيحُ - تلكَ الفراشاتُ - عالقةٌ في مخالبِها،
تتلوَّى.. فتعصرها، ثم تَنْحَلُّ شيئاً.. فشيئا..
فتمتصُّ من دمها قطرةً.. قطرةً؛
فالمصابيحُ: قُوتْ!
الشوارعُ - في آخرِ الليلِ - آه..
أفاعٍ تنامُ على راحةِ القَمرِ الأبديّ الصَّموتْ
لَمَعانُ الجلودِ المفضَّضةِ المُسْتَطيلةِ يَغْدُو.. مصابيحَ..
مَسْمومةَ الضوءِ، يغفو بداخلِها الموتُ؛
حتى إذا غَرَبَ القمرُ: انطفأتْ،
وغَلى في شرايينها السُّمُّ
تَنزفُه: قطرةً.. قطرةً في السُكون المميتْ!
وأنا كنتُ بينَ الشوارعِ.. وحدي
وبين المصابيحِ.. وحدي
أتصبَّبُ بالحزنِ بين قميصي وجِلْدي.
قَطرةً.. قطرةً كان حبي يموتْ!
وأنا خارجٌ من فراديسِهِ..
دون وَرْقَةِ تُوتْ!


السرير

أوهموني بأن السرير سريري
أن قارب "رع" سوف يحملني عبر نهر الأفاعي
لأولد في الصبح ثانية.. إن سطع
(فوق الورق المصقول
وضعوا رقمي دون اسم
وضعوا تذكرة الدم
واسم المرض المجهول)
أوهموني فصدقت
(هذا السرير
ظنني - مثله - فاقد الروح
فالتصقت بي أضلاعه
والجماد يضم الجماد ليحميه من مواجهة الناس)
صرت أنا والسرير
جسداً واحداً في انتظار المصير
(طول الليلات الألف
والأذرعة المعدن
تلتف وتتمكن
في جسدي حتى النزف)
صرت أقدر أن أتقلب في نومتي واضطجاعي
أن أحرّك نحو الطعام ذراعي
واستبان السرير خداعي
فارتعش
وتداخل - كالقنفذ الحجري - على صمته وانكمش
قلت: يا سيدي.. لم جافيتني؟
قال: ها أنت كلمتني
وأنا لا أجيب الذين يمرون فوقى
سوى بالأنين
فالأسرة لا تستريح إلى جسد دون آخر
فالأسرة دائمة
والذين ينامون سرعان ما ينزلون
نحو نهر الحياة كي يسبحوا
أو يغوصوا بنهر السكون.


* قصائد مختارة من "أمل دنقل- الأعمال الشعرية الكاملة"، الطبعة الثانية 1985، دار العودة ومدبولي.


0
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}