• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى السَّمَآءِ (حقيقة علمية)
صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى السَّمَآءِ (حقيقة علمية)
من الحقائق العلمية الثابتة ان الضغط الجوى وبالتالى الضغط الجزيئى للاكسجين فى تناسب عكسى مع الارتفاع عن سطح البحر.

اى يقل كلما ارتفعنا عن سطح البحر ومن المعروف ايضا ان نفاذية الاكسجين للدم عبر الحويصلات الهوائية بالرئتين يتناسب طرديا مع الضغط الجزيئى للا كسجين فتزداد نفاذية الاكسجين بارتفاع ضغطه الجزيئى ومن هنا نستطيع تفسير بعض الملاحظات فيما يلى :

1- لاعبى الكرة الافارقة ينتشرون فى الاندية الاوروبية لانهم كانوا يعيشون فى بلدان مرتفعة عن سطح البحر تعودوا فيها على نقص الاكسجين وتاقلموا على ذلك فعندما ينتقلون الى بلدان اخرى اقل ارتفاعا تكون لياقتهم عالية ولافتة للانظار.


2- هناك نوع من المعالجة بالأكسجين عالي الضغط (العلاج بحجرة الأكسجين عالي الضغط) وذلك عند استخدامه لإعطاء تراكيز عالية من الأكسجين لمعالجة بعض الاعتلالات الصحية وهذا يدل على ان نفاذية الاكسجين تزداد بارتفاع ضغطه الجزيئى .

 

3- عند انخفاض الاكسجين بالدم تزداد سرعة القلب لضخ مزيد من الدماء للتعويض وكذلك تزداد سرعة التنفس ويكون الشهيق عميقا. فى الاحوال العادية يتم تبديل الغازات فقط  فى (500 مل) خمس حجم الهواء الموجود بالرئتين وكلما ازدادت الحاجة للاكسجين يكون النفس عميقا ليتم استعمال حجما اكبر من الهواء ما يسمى الجوع للهواء ويشعر الانسان بالنهجان وضيق الصدر (معظم من ماتوا بالقلب كانوا يطلبون فتح النوافذ لادخال الهواء لاعتقادهم ان الهواء حولهم قليل مما يسبب ضيق الصدر) . ولعل من يشهد عملية ذبح الاضحية قد شاهد هذا النوع من الجوع للهواء حيث يكون الشهيق عميقا جدا قبل الموت.


يقول الله تعالى: فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى السَّمَآءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ. (سورة الأنعام – 125). 


ولإلقاء الضوء من الناحية العلمية على عبارة (يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى السَّمَآء) يجب استعراض النقاط الاتية :

1- معظم الطاقة التي تحتاجها خلايا الجسم تحصل عليها من خلال تفاعلات كيميائية:

 بأكسدة الكربوهيدرات والدهون وهذه لا تحدث إلا في وجود الأكسجين. وتكون النفاية الرئيسة هى ثانى اكسيد الكربون. ويقوم الجهاز التنفسي بإمداد الجسم بالأكسجين من الهواء المحيط به كما يقوم بإخراج وطرد ثاني أكسيد الكربون خارج الجسم وتعتبر الدماء في الجهاز الدوري هي جهاز النقل لهذه الغازات بين الرئتين وبين خلايا الجسم ولذلك يقسم العلماء عملية التنفس إلى قسمين: التنفس الخارجي وهو تبادل الغازات بين الدم والرئتين والتنفس الداخلي وهو تبادل الغازات بين الدم وخلايا الجسم.


2- تناقص كثافة الهواء كلما صعدنا إلى الأعلى: 

عند مستوى سطح البحر تكون كثافة الغازات المكونة للهواء متناسبة مع احتياجات الجسم من الأوكسجين وتقل كثافة الغازات كلما صعد الإنسان للارتفاعات العالية وبالتالي يقل الضغط الجزيئي لكل الغازات فكتلة الغازات غير موزعة بشكل متساوٍ بالاتجاه العمودي حيث يجتمع 50% من كتلة الغازات المكونة من الهواء حتى ارتفاع 20 ألف قدم و90% منها حتى 50 ألف قدم وتتوزع 10% فقط في الفراغ فوق ذلك. وهذا يؤدي بدوره إلى نقص الأوكسجين المتوفر في المرتفعات العالية فضلاً عن انخفاض ضغطه مما يؤدي إلى صعوبة تلبية احتياج الجسم لمتطلباته من الأوكسجين اللازم لعملياته الحيوية.


3- تأثير الضغط المنخفض للأكسجين على الجسم:

يعتبر الضغط الجوي للغازات المكونة للغلاف الهوائي المحيط بالأرض هو العامل الأهم في حفظ استمرار الحياة الطبيعية فوق سطح الأرض وفي غلاف جوها القريب؛ وذلك بالتأثير المباشر على الضغط الجزيئي للأكسجين في الهواء وفي الحويصلات الهوائية، والضغط الجزيئي لثاني أكسيد الكربون في الحويصلات الهوائية، ونسبة تشبع الأكسجين في الأوردة الدموية

عندما يكون الضغط الجوي عند مستوى سطح البحر 760 مم/زئبق ـ يكون الضغط الجزيئي للأكسجين في الهواء 159 مم/زئبق وفي الحويصلات الهوائية 104 مم/زئبق والضغط الجزيئي لثاني أكسيد الكربون 40 مم/زئبق ونسبة تشبع الأكسجين في الأوردة 97%، وهذا هو الضغط المثالي للغازات المكونة للهواء المتلائم مع أعضاء الجسم البشري في القيام بالصورة المثلى لوظائفه.

وعند الارتفاع إلى أعلى يقل الضغط الجوي ويشعر الإنسان بازدياد ضربات قلبه وتسارع عدد مرات تنفسه ويشعر بضيق متنامٍ في صدره كلما ارتفع إلى أعلى ويهبط الضغط الجوي عند الارتفاع إلى عشرة آلاف قدم فوق سطح البحر إلى 523 مم/زئبق، وهذا الانخفاض في الضغط يؤدي إلى انخفاض في الضغط الجزيئي للأوكسجين في الهواء إلى 110 مم/زئبق، وفي الحويصلات الهوائية إلى 67 مم/زئبق، أما الضغط الجزيئي لثاني أكسيد الكربون فيقل قليلاً: 36 مم/ زئبق. لذلك فالصعود إلى هذا المستوى من الارتفاع ( 10 آلاف قدم) ورغم الضيق الذي يشعر به الإنسان في صدره من جراء اللهثان التنفسي وسرعة النبض إلا أن هذا الضيق لا يشكل خطورة تهدد حياته حيث يمكن أن يتأقلم جسده فسيولوجيًّا على هذا النقص في أي مستوى خلال هذا الارتفاع.


4- الضغط الجزيئي للأكسجين في الحويصلات الهوائية عند الارتفاعات المختلفة:

يختلف الضغط الجزيئي للأكسجين في الحويصلات الهوائية من منطقة إلى أخرى عند الصعود إلى أعلى، وهذا ليس راجعًا فقط إلى نقصان الضغط الجوي العام لغازات الهواء المتنفس ولكن إلى الضغط الجزيئي لبخار الماء والذي يظل ثابتًا 47 مم/زئبق مع ثبات درجة حرارة الجسم في الوضع الطبيعي ومع تغير الضغط الجزيئي لثاني أكسيد الكربون،  فعند الصعود إلى المرتفعات العالية يتدفق باستمرار ثاني أكسيد الكربون من الدم الرئوي إلى الحويصلات الهوائية ويفرز بخار الماء من أسطح الجهاز التنفسي ويختلط مع هواء الزفير ويمتزج هذان الغازان مع الأوكسجين فيخفّ تركيزه في هواء الحويصلات الهوائية وبالتالي يؤدي إلى نقص في الضغط الجزيئي له عنه في الهواء الخارجي، ويهبط الضغط الجزيئي للأكسجين في الحويصلات الهوائية من 104 مم/زئبق عند سطح البحر إلى 40 مم/زئبق عند ارتفاع 20 ألف قدم عند الأشخاص غير المتأقلمين و53 مم/زئبق عند الأشخاص المتأقلمين، ويظهر الفرق بينهما في زيادة سرعة تهوية الحويصلات الرئوية (اللهثان) عند غير المتأقلمين أضعاف سرعتها عند المتأقلمين، وهذا القدر من ضغط الأكسجين في الحويصلات الهوائية (40 مم/زئبق) هو الذي يمكن أن تستمر معه الحياة بالكاد، وهو ما ثبت عند تنفس المتأقلمين للهواء الجوي على قمة إيفريست في جبال الهمالايا حيث يصل ارتفاعها إلى حوالي 29 ألف قدم.


5- تشبع الهيموجلوبين بالأكسجين عند الارتفاعات المختلفة:

تختلف نسبة تشبع الأكسجين في الأوعية الدموية حسب الارتفاعات حيث تكون عند سطح البحر حوالي 97% وتظل مرتفعة نسبيًّا حتى 10.000 ألف قدم، ثم تهبط بحدة بعد ذلك حيث تصل النسبة إلى حوالي 70% عند 20 ألف قدم، ثم هبوطا مريعًا 24% عند 30 ألف قدم.


6- الأعراض الحادة لنقص الأوكسجين: 

تبدأ هذه الأعراض عند الارتفاع عن سطح البحر بـ 12 ألف قدم حيث يشعر الإنسان بدوار وفتور وتعب ذهني  وعضلي وأحيانًا صداع ورغبة في القيء وتتطور هذه الأعراض لتصل إلى حد التقلصات أو التشنجات لجميع عضلات الجسم فوق ارتفاع 18 ألف قدم وتنتهي فوق 23 ألف قدم في شخص غير متأقلم إلى غيبوبة ومن أهم هذه الأعراض أيضا نقص الوظائف العقلية ممثلة في نقص المحاكمة أو الحكم ونقص في الذاكرة ونقص في توظيف الحركات الإرادية المتباعدة وتزداد هذه الأعراض بالبقاء في الأجواء العليا بعض الوقت فلو مكث صاعد إلى أجواء الفضاء عند ارتفاع 15 ألف قدم لمدة ساعة لنقصت الوظائف العقلية لديه إلى 50% من الطبيعي ولو مكث 18 ساعة عند نفس الارتفاع لنقصت إلى 20% من الطبيعي. 

ثم يؤدي هذا النقص الشديد في الأكسجين إلى اكتئاب عقلي ونقص شديد في كفاءة العضلات الإرادية واللاإرادية في العمل مما يسبب نقصا كبيرًا في كمية الدم المتدفق من القلب إلى أوردة الجسم نظرًا لضعف عضلة القلب وسرعة النبض الهائل وإذا ازداد الارتفاع توقف القلب عن العمل بالكلية.  كما قد يصاب بعض الأشخاص عند الصعود المفاجئ إلى المرتفعات العالية بوذمة دماغية حادة او بوذمة رئوية حادة وقد تؤدي إلى موت محقق إن لم يسعف الإنسان بأقصى سرعة.


وجه الإعجاز في الآية:

يقول الله تعالى: فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ (صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى السَّمَآءِ) كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ. (سورة الأنعام – 125). وتشير هذه الآية الكريمة إلى عدة حقائق علمية تجلت في هذا الزمان الحديث يمكن تلخيص بعضها فيما يلي:


اولا: صعود الإنسان في السماء:

حيث شبه المولى  ـ عز وجل ـ حال ضيق صدر الكافر عن قبول الإيمان بحال الذي يتصعد في السماء، وذكر وجه الشبه وهو الصفة المشتركة بينهما (ضَيِّقًا حَرَجًا) وجاء بأداة التشبيه (كَأَنَّ) ليقع  بعدها المشبه به في صورة حسية واضحة.

وقد ثبتت بيقين هذه الصورة الحسية الناصعة في هذا الزمان حيث صعد الإنسان إلى طبقات الجو العليا بتسلقه للجبال  الشاهقة (حيث تبلغ قمة جبال الهملايا حوالي 30 ألف قدم) وبصعوده إلى أعلى في أجواء الفضاء عبر البالونات وفي الطائرات الشراعية والنفاثة وعبر الصواريخ العملاقة، وقد سجلت بدقة متناهية التغيرات الفسيولوجية لجميع أعضاء وأجهزة الجسم عبر طبقات الجو المختلفة وأثر الصعود على الجهاز التنفسي والدوري - أي ما يحدث في صدر الإنسان من ضيق متدرج يصل عند ارتفاع معين إلى أشد أنواع الضيق، فالتشبيه بعد تحقق المشبه به في الواقع أصبح ظاهرًا وواضحًا أشد الوضوح. فهو تشبيه مُرسَل مفصَّل ذُكِرَت فيه أداة التشبيه ووجه الشبه وهو تشبيه تمثيلي حيث وجه الشبه مُنتَزَع من أشياء متعددة مركبة من الضيق المتدرج

يليها مرحلة الانغلاق وهي أضيق الضيق والآثار المترتبة من ذلك على أجهزة الجسم. وبما أن القرآن الكريم يستمد تشبيهاته من عناصر الكون ومشاهده من أجل تحقيق غايته في تثبيت ما يهدف إليه من ربط الشعور بالحس، وحيث إن حالة المشبه هي من الأمور المعنوية التي تثبت في الذهن بتثبيتها بصورة محسوسة، وحيث إن التشبيه لا تكمل أركانه ولا يكون وجه الشبه في المشبه به أقوى منه في المشبه إلا بحمل النص على ظاهره من قصد التصعد في السماء على الحقيقة، وحيث إن ألفاظ كل المشاهد في القرآن الكريم تتميز بدقة اختيارها ومطابقتها للمعنى، فالألفاظ في هذا المشهد أيضًا تجمع بين دقة الدلالة ووضوح العبارة، وحيث إنه لا توجد قرينة في النص تصرف دلالة اللفظ الظاهر عن معناه ـ فبذلك يثبت أن في الآية الكريمة دلالة واضحة على إمكانية صعود الإنسان إلى أجواء الفضاء.. وتعتبر هذه الإشارة إخبارًا عن حقيقة وقعت ونبوءة تحققت في هذا الزمان.


ثانيا: ضيق الصدر المتدرج: 

والمتمثل في صعوبة التنفس واضطراب القلب والدورة الدموية الذي يعاني منه المتصعد في السماء والذي تزداد نسبته مع درجات الارتفاع.

وبما أن الجهاز الدوري يشارك الجهاز التنفسي مشاركة فعالة وأساسية في تبادل الغازات خارج وداخل الجسم وأن مكونات هذا الجهاز الرئيسة موجودة داخل منطقة الصدر ـ لذلك كان التعبير القرآني شاملاً حينما حدد مكان الضيق الذي يعاني منه الإنسان في الارتفاعات العالية بأنه في عموم الصدر وليس في أعضاء التنفس فقط.

ويفهم من عبارة النص الكريم (ضَيِّقًا حَرَجًا) بأن هذا الضيق ضيق متدرج ويستمر في الزيادة حتى يصل إلى الذروة في الضيق وهذا ما قرره علماء اللغة والتفسير حيث فسروا (ضَيِّقًا حَرَجًا) على أنه ضيق بعد ضيق، والحرج على أنه أضيق الضيق أو أشده.

يقول القرطبي: (فكأنه ضيق بعد ضيق) وهذا ما يتطابق علميًّا مع ما يشعر به الصاعد في أجواء السماء من ضيق متدرج في التنفس يزداد كلما زاد الارتفاع إلى أعلى حيث تقل كثافة الهواء في طبقات الجو المختلفة فيقل تبعا لها الضغط الجوي للغازات المكونة للهواء وأهمها الأكسجين فتزداد سرعة دورات التنفس حتى تصل إلى اللهثان مع ازدياد في عدد نبضات القلب فيشعرالإنسان بهذا الضيق بدءًا من ارتفاع ثلاثة آلاف قدم فوق مستوى سطح البحر ثم يتنامى الضيق بالتدريج في صدره كلما ازداد الصعود حيث يقل الضغط الجزيئي للأكسجين في الحويصلات الهوائية وتقل تبعا له درجة تركيز الأكسجين في الدم وبالتالي حرمان جميع أنسجة الجسم من الأكسجين اللازم لها وبعد ارتفاع 12 ألف قدم فوق مستوى سطح البحر تبدأ أعراض نقص الأكسجين متمثلة في الشعور بفتور ودوار وتعب ذهني وعضلي إلى أن تصل إلى حد التقلصات والتشنجات في جميع عضلات الجسم ومنها العضلات بين الضلوع وعضلة الحجاب الحاجز وعضلات الرقبة والكتفين والبطن المتعلقة باتساع القفص الصدري أثناء الشهيق حينما تتقلص تقلصًا دوريًّا طبيعيًّا فيأخذ الضيق في الازدياد بحدوث التعب العضلي لعضلات التنفس مع الدوار والتعب الذهني ويزداد القفص الصدري ضيقًا بحدوث التقلصات والتشنجات غير المنتظمة في عضلات التنفس حيث يضطرب اتساع التجويف الصدري أثناء الشهيق كما تضطرب عملية الزفير فوق 18 ألف قدم فيشعر الإنسان بضيق شديد ينتهي به فوق 23 ألف قدم إلى غيبوبة ـ إن كان شخصًا غير متأقلم ـ وقد ثبت أنه يمكن للأشخاص الذين يركبون الطائرات الشراعية غير المجهزة بالضغط الملائم من الداخل أن يطيروا لارتفاع 23 ألف قدم ويكونوا في حالة وعي إلى أن يهبط تركيز الأوكسجين في الدم من 40 إلى 50% عن معدله عند مستوى سطح البحر ـ فيفقدوا الوعي.

كما قد يصاب بعض الأشخاص بوذمة رئوية حادة كنتيجة لتسرب وانتقال السوائل من شعيرات الأوعية الدموية ذات الضغط المرتفع عنها في أنسجة الرئتين والتي يؤدي تجمعها إلى انكماش أنسجة الرئتين تمامًا ويدخل الإنسان إلى الضيق الحرج والذي تنغلق فيه مجاري التنفس انغلاقًا لا ينفذ منه شيء على الإطلاق.

ومن أهم التأثيرات لحرمان الجسم من الأكسجين في الارتفاعات العالية هو نقص الوظائف العقلية متمثلة في نقص الحكم على الأشياء، فيقل التمييز بين الصواب والخطأ وتنقص الذاكرة والتي هي مخزن المعلومات لديه، ثم يؤدي النقص الشديد في الأكسجين إلى اكتئاب عقلي وتزداد هذه الأعراض بالبقاء في الأجواء العليا وقتًا أطول، فتأمل هذه التأثيرات التي يعاني منها الصاعد في السماء والكافر الذي انغلق قلبه عن قبول الإيمان لتدرك دقة الصورة التمثيلية في هذا التشبيه الرائع.  

ثم يؤدي النقص الشديد في الأكسجين بزيادة الارتفاع إلى الطبقات الأعلى إلى نقص شديد في كفاءة العضلات الإرادية واللاإرادية في الجسم كله مما يسبب نقصًا كبيرًا في كمية الدم المتدفق إلى الأوعية الدموية نظرًا لضعف عضلة القلب مع السرعة الهائلة في النبض، كما أن عضلات التنفس تتوقف عنها الإشارات العصبية  الواردة إليها من مركز التنفس نتيجة لتثبيطه من جراء النقص الشديد في الضغط الجزيئي لثاني أكسيد الكربون في الدم نظرا لدفقه بكميات هائلة أثناء تهوية الحويصلات (اللهثان) وزيادة حمضية سوائل الجسم، وهذا التثبيط يمنع تنشيط المستقبلات الحساسة في جدر الأورطى والشريان السباتي لمركز التنفس؛ وبالتالي يكف عن إرسال إشاراته العصبية لتنشيط تقلص عضلات التنفس فلا يتسع القفص الصدري ولا تتمدد الرئتان أثناء الشهيق ولا يقل الضغط في مجاري التنفس عنه في الخارج فلا يدخل الهواء محملاً بالأكسجين فيصاب الإنسان بضيق شديد بالغ، وهذا كله مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتبادل الغازي للأكسجين وثاني أكسيد الكربون بين خلايا الأنسجة وبين الأوعية الدموية الدقيقة وهو ما يسمى بالتنفس الداخلي والذي يؤثر بدوره عبر نظم كيميائية وعصبية عديدة ومعقدة ـ على ما يحتويه الصدر من أعضاء الجهاز التنفسي الخارجي وأعضاء الجهاز الدوري الدموي فيسبب الضيق الصدري والذي تتناسب شدته مع درجة الحرمان من الأكسجين.


ثالثا: الحرج (منطقة الانغلاق):

كلما ازداد الارتفاع أصيب الإنسان بأعراض نقص الأكسجين نظرًا لتناقص كثافة كتلة الغازات كلما صعدنا إلى أعلى ويختلف تأثير الارتفاع المفاجئ والحاد عن الارتفاع البطيء والمتدرج على أجهزة الجسم، ويفهم من عبارة النص الكريم (كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ) أن المراد هو الارتفاع المتدرج البطيء يؤيده قول القرطبي أن يصعَّد من الصعود وهو الطلوع وأن يتصاعد فيه معنى شيء بعد شيء وذلك أثقل على فاعله، ويتصعد يتكلف ما لا يطيق شيئًا بعد شيء كقولك: يتجرع ويتفوق، فيمكن القول بأن معنى يصعد أو يصّاعد أنه يفعل صعودًا بعد صعود وهو أثقل عليه وأشد، وذلك لأن الصعود البطيء إلى أعلى درجة بعد درجة يتيح للإنسان الشعور بدرجات شدة الضيق عند كل درجة ثم لا يلبث أن تخف حدته بالمكث فترة من الزمن ثم يزداد الضيق بالارتفاع إلى درجة أعلى وهكذا إلى أن يصل لمرحلة ذروة الضيق.

إن وظائف أعضاء الجسم يمكن أن تتأقلم على نقص الأكسجين خلال الارتفاع البطيء لمسافة عشرة آلاف قدم فوق سطح البحر، وتخف حدة الشعور بالضيق تدريجيًّا عند كل البشر بالمكث في الأماكن المرتفعة خلال هذه المسافة، أما الصعود إلى أعلى من ذلك درجة بعد درجة فيتجرع الإنسان خلاله درجات شدة الضيق.

ويختلف الإنسان العادي عن الإنسان المتأقلم في مستوى الارتفاع الذي يحقق نفس درجة الضيق ويصل كل منهما إلى أقصى وأشد درجات الضيق والذي لا يكون بعدها إلا الموت المحقق عند مستوى معين من الارتفاع والذي يمكن أن نسميه (وفق المصطلح القرآني) المستوى (الحرج) والذي يمكن تعريفه علميًّا بأنه المستوى الذي يقل فيه الضغط الجزيئي للأكسجين في الحويصلات الهوائية إلى المستوى الذي لا يسمح فيه بانتقال الأكسجين من الحويصلات الهوائية إلى الدم. وبعد هذا المستوى يصل الضيق إلى نهايته وذروته ويختلف هذا المستوى الحرج من الشخص غير المتأقلم والذي يعيش عند مستوى سطح البحر عن الشخص المتأقلم والذي يعيش في مستوى مرتفع عن سطح البحر.

وقد سجلت المراجع الطبية هذا المستوى للشخص غير المتأقلم فوق 20 ألف قدم بينما سجلته فوق ارتفاع 29 ألف قدم للشخص المتأقلم فإذا صعد الإنسان فوق هذا المستوى من الارتفاع ازداد عنده شدة ضيق التنفس وكربة الصدر نتيجة لتوقف سريان الأكسجين إلى الدم وانغلاق تام إلى أن يصاب بصدمة عصبية وغيبوبة تنتهي به إلى الموت المحقق.

وهذا الضيق هو ضيق حقيقي متدرج للقفص الصدري إلى أن يتوقف اتساعه أثناء الشهيق بعدم تقلص عضلات الحجاب الحاجز والعضلات بين الضلوع وعندما لا تتمدد الرئتان أثناء الشهيق وعندما تضيق مجاري الهواء في الرئتين تتقلص العضلات الإرادية المحيطة بهذه القصبات أو عندما تحدث الوذمة الرئوية الحادة والتي تؤدي إلى انكماش الرئتين وانسداد مجاري التنفس تمامًا وإنهاء عمل الرئتين بالضغط عليها من الخارج وعندما يرتفع الضغط داخل الجانب الأيمن في القلب وداخل الأوعية الرئوية ليدفع الدم بقوة إلى نظام شبكة الشعيرات الدموية الرئوية الكبيرة المتمددة. وهذا الضيق الحقيقي يتوافق ومعاني الضيق والحرج الذي ذكره المفسرون فهو ضيق بعد ضيق إلى أن يبلغ أشد درجاته وهو أيضا لا ينفذ منه شيء كالحرجة وهي الشجرة التي التفت بها الأشجار التفافا شديدا أو هي الموضع الذي التف شجره فلا يصل إليه شيء من شدة التفافه. كما أنه يصاحب هذا الضيق معاناة ومشقة بالغة وآلام عند التنفس، وهذا ما يتوافق والمعنى اللغوي للصعود، والذي يفيد -علاوة على معنى الذهاب إلى أعلى - معنى المشقة والألم المصاحب للتنفس.


اخيرا: 

1- إن ورود هذه الحقائق العلمية المتمثلة في إمكانية الصعود في السماء والضيق المتدرج الذي يعاني منه الصاعد فيها والمستوى الحرج الذي يصل فيه الضيق إلى ذروته والتي ذكرت في هذا المشهد القرآني البليغ لهي إعجاز علمي واضح إذ ما كان أحد في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم يمكن أن يتخيلها فضلاً  عن أن يكتشفها.


2- إن هذه الحقائق لم تكن معلومة على وجه القطع في زمن الوحي ولا حتى بعده بقرون ولم تعرف هذه الحقائق وتكتشف إلا خلال القرون الثلاثة الأخيرة وكانت البداية حينما اكتشف العالم (بليز باسكال) عام 1648م أن ضغط الهواء يقل كلما ارتفعنا عن مستوى سطح الأرض وقد تجلت هذه الحقائق في القرن العشرين حينما ارتبطت أبحاث وظائف أعضاء الجسم بصعود الإنسان في طبقات الجو العليا عبر تسلق الجبال الشاهقة وركوب الطائرات الشراعية والعمودية والنفاثة وتقدم وسائل البحث والرصد وكان (بول بيرت) هو أول طبيب يقوم بدراسات موسعة عن طب الطيران وتأثير انخفاض الضغط الجوي على وظائف أعضاء الجسم وقد نشر عام 1887م كتابًا أسماه (الضغط الجوي).


3- فمن أخبر محمدًا صلى الله عليه وسلم بهذه الحقائق منذ ما يزيد على أربعة عشر قرنًا؟ اليس هو الوحي من الله الذي خلق الكون والإنسان ويعلم سنن الخلق. إن تجلي هذه الحقائق في هذا الزمان لهي من وعد الله لنا بإظهار أنباء القرآن الكريم في الزمن المستقبل قال تعالى:   (إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ ِلّلْعَالَمِينَ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ) (سورة ص : 87-88).


المراجع:

ضيق الصدر والتصعد في السماء | الطب وعلوم الحياة

المُعالَجَة بحجرة الأكسجين عالي الضغط - الإصابات والتَّسمُّم - ...


1
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}