• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
رَيْثَمَا تَسْتَفِيقُ - (الفصل 1)
رَيْثَمَا تَسْتَفِيقُ - (الفصل 1)
محاولة كتابة سعيت خلفها رغبة في اطلاق العنان لنفسي وراء كل كلمة انسابت من خاطري وخطها قلمي دون رغبة مني في حصر المداد. تركت المخيلة تقودني إلى حيث توقف القلم عن الكتابة وتوقفت بنات افكاري وأحجمت عن مدي بالدعم، في انتظار افق جديد لإنهاء القصة.

لنعتبره فصلا من فصول السنة، ولنعش لحظاته في انتظار فصل جديد

في طرق الغبن الملآى بجحافل اليائسين، وجدت نفسي أتخبط في المسير. فقد كنت أمشي مترنحا كعربيد أثقله السكر وفي نفس الوقت أتحاشى السَّقطة تلو الأخرى خشية أن أضحى عثرة تزيد هذا الظلام بؤسا. كنت واعيا كل الوعي بأننيفي مكان وكابوس لا يمكنني انتشال روحي من عمقه وإخراج جسدي الغارق في الألم الذي يحس كل كياني بأنه من غير العادل أن أتحمله.

وصلت رسالة من المحكمة بعد أن وقعها القاضي المكلف بملف قضيتي إلى مدير سجن "أَنْطَالَاسْ" مساء، فأتى إلي الحارس ليخبرني أن المدير يستدعيني في منتصف الليل. أفقت على رعشة تغشى جسدي المنهك على مقعد معدني تخيلته لوهلة سطحا مغطى بصقيع لاسع. استجمعت قواي بيأس ومشيت أمام الحارس حتى وصلت لمكتب المدير. وقفت بإذلال شابكا يدي على خاصرتي مطأطأ الرأس أنتظر انتهاء المدير الذي انهمك في عمله يقلب الأوراق من ملف لآخر، يغلق هذا ويفتح ذاك في حركة رتيبة أشعرتني بالملل. بعد ربع ساعة التفت إلي وطلب مني أن أتقدم إلى جوار المكتب دون أن يأمرني بالجلوس. كان ذهني مشوشا ثائرا أحاول الحفاظ على ما تبقى من كرامتي، ونفسي تسول لي الجلوس دون إذن لكني عدلت عن الفكرة حين رأيتها سيئة قد تجرني إلى ويل لا أطيقه.

وقع المدير الكثير من الأوراق التي لم أعلم أكانت معدة لإعدامي أو لإطلاق سراحي، فسجني لم يحتج لأكثر من توقيع أرغمت عليه تحت تأثير الصفع والرفس على ورقة حملت اعترافا لم أعلم فحواه إلا في المحكمة وأمام القاضي. نظر إلي المدير مخاطبا:

-   لقد ظهرت براءتك، لم يعد مجديا أن تبقى هنا على أية حال. اذهب إلى زنزانتك واجمع اغراضك وسيسمح لك بالانصراف حال توقيع الأوراق اللازمة. لن يستغرق الأمر سوى دقائق معدودة.

لم أستوعب الموقف جيدا، لكني موقن من أنني سأخرج أخيرا وسأغادر هذا الجحيم. أردت أن أشكر المدير بكلمة ما، لكن لساني معقود عن الكلام تعوقه غصة في حلقي لم تزل باقية. نظر إلي متفحصا ثم أشار إلي بمرافقة الحارس للزنزانة. ولم أكد أهم بالانصراف حتى أردف قائلا:

-   أنت محظوظ جدا، فلو ماتت الفتاة لتعفنت في السجن للأبد. عليك أن تتعلم الدرس جيدا وألا تسمح لنفسك بالعودة مجددا لهذا المكان.

حبست كلاما كثيرا في نفسي وأنا أردد في داخلي سؤالا واحدا "محظوظ؟ كيف يكون ذلك وقد عشت هذه المذلة؟" ... لم أستسغ أن يكون في حياتي موقف من هذا القبيل، ولا خُيِّل إلي أنني سأصل إلى السجن أبدا.

كان ذلك يوم خروجي من السجن بعد أن أمضيت فيه شهرا من عمري. شهر سرق مني دون إذن. أطلق سراحي ليلا دون أن أجد أحدا بانتظاري، فأصبحت خارج أسوار السجن الذي يبعد عن مركز المدينة بأكثر من خمسة أميال عبر طريق يشق غابة مظلمة. كانت الواحدة صباحا .. لذا فضلت الاستلقاء على مقعد حديدي خارج السجن إلى أن ينبلج الضوء رغم إدراكي لشدة البرد وقساوته على جسدي الذي لا ينقصه الإنهاك.

لقد كانت ليلة عصيبة، ليلة غيرت أقداري وما ألفته من رتابة طيلة حياتي. اسمي يِفَاوْ، مازلت شابا .. وأبلغ من العمر ربيعي الثلاثين. سماني والدي كذلك لأنه استبشر بي خيرا، وتمنى أن أكون نورا للهداية يضيء طريق الحق للحائرين. لكن تلك الأمنية لم يبق منها إلا ذلك الإسم. فبدل أن أكون منارة للضالين وصوتا للحق يصدح، أصبحت شخصا خجولا يتجنب الجميع وانطوائيا انكب على نفسه بعيدا عن تعقيدات العلاقات الاجتماعية. وانتهى بي المطاف منذ سبع سنين في مدينة "نُومِيدْيَا" الصاخبة والتي لا يهدأ هديرها. كان قدومي إليها في بداية الأمر رغبة في متابعة دراستي الجامعية لحين تخرجي، وهو أمر لم يتحقق لي بلوغه إلا أربعة أشهر قبل هذه اللحظة.

لم أتمكن من مغادرة سجن أنطالاس حتى أيقنت من عجزي التام عن تغيير مسار الأقدار التي جلبتني إليه وقادتني لهذا البؤس. فقد شعرت في السجن وكأن هناك من يتلاعب بأقداري وألقى بي في دوامة في بحر مظلم، أو إعصار عاصف عجزت عن الخروج منه رغم كل المحاولات المضنية. لم أترك أحدا أعرفه إلا وقد حاولت أن أتصل به وأطلبه لإيجاد حل لمعضلتي. لكن الأكيد أن الجميع سارع بالتخلي عني بمجرد السقوط. تلك كانت حقيقة الأمر، ويستحيل أن يفلت أحد منها بسهولة، فبالرغم من أني لم أختر أبدا أن أصبح شبحا منزويا في ركن من أركان السجن، إلا أنني استسلمت لواقعه ككلب أنهكه الجوع والعطش أنتظر الموت.

الأقدار عجيبة، وسبل الحياة أكثر غرابة، فهي تدفعك للسير فيها بتهور تام. فإما أن تكون ممن يغامر فيها ويقامر بأرواح الأخرين، ويختار للناس فيها مسالكهم ويدفعهم لما تراه عينه مناسبا لهم محتفظا بينهم بأفضليته .. أوأنك مهدد بأن تكون ضحية لمن يفعل ذلك .. ولعله يكون شخصا يشاركك الحقائق التي يؤمن بها، فتتجنب بذلك صاحب ضالة يضلك ليظفر بمراده الذي لا يتحقق له إلا بغبائك وخسارتك. فإن لم تكن من هؤلاء ولا أولئك، فأنت أسوء منهم جميعا، غارق في عزلتك لا تدري أيهم أقرب لك نفعا، ولا أصدقهم لك قيلا، فتغدو حمارا يحمل عليه كل فريق منهم أسفاره بسبب خنوعك واستحيائك من الجميع. فلا تستطيع رفض طلب أحدهم خشية الإساءة إليه من حيث لا تشعر، ولا أنت راض عن الاستجابة لهم فيما يرغبون. تريد أن تكون لكل الناس صديقا ونفسك تشمئز من الداخل وتؤكد لك أنها عدوة للجميع.

هكذا بدأت أفكاري تتوارد وتتعارك في رأسي بغية الوصول إلى السبب الذي جعلني أعيش ذاك الموقف. إنها بالنسبة إلي ليلة للتفكير في كل ما مضى وكل ما هو آت، من الولادة حتى الممات. فأنا لم أعد أخجل من مواجهة الوضع المحتوم، وباتت كل أحاسيسي ممسوخة لا يتخللها أي تواضع قد يمنعني من مواجهة القدر المجهول. فما عشته إلى حدود تلك الليلة أيقظ في نفسي شخصا آخر، إنسانا فتح عينيه مجددا بعد أن سئم كل الأكاذيب التي تحوم حوله في كل حين وآن. وأصبح الزمن بالنسبة إلي مجرد طقطقات يصدرها رقاص ساعة .. يتكتك كدقات طبل يتراقص على إيقاعه الجميع محاولين بلوغ لحظات الوهم، تلك النشوة التي يظنونها أكبر طموحاتهم ... وحين تنتهي أقصى آمالهم بالهزيمة أو حتى ما يظنونه انتصارا، يأوون إلى مضاجعهم سكارى يراؤون الموت ويقسمون له أن بهم بقية جهد تستطيع تحقيق نصر جديد.

جميعنا تدفعنا الحياة للبحث عن منابع الأمل والتحلي بمزيد من الصبر والحكمة في مواجهة الكثير من الهزائم والألم من حولنا، ونجد طرقا جديدة لتصريف جهدنا المتبقي كخطة إلهاء لأرواحنا حتى لا نشعر أننا مجرد لطخة تفسد المشهد. جميعنا نرفض الاعتراف أننا بلا قيمة .. وأن قيمتنا ستكون في غيابنا أكثر من حضورنا. لكن قلة نادرة منا هم من يدركون متى عليهم التوقف. من يعلمون أن نهايتهم لا تعني للحياة سوى إخراج لاعب لم يعد يضيف في المشهد شيئا، وسيكون كل شيء بدونه أكثر إثارة.


3
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}