• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
رسالة الى الطيور المهاجرة
رسالة الى الطيور المهاجرة
لان الغد فى عالم الغيب وربما لا يأتى ابدا فلا تؤجل عمل اليوم للغد وكذلك الحياة عيش الحاضر كما اراده لك الله .

عيش اليوم وكأنك ستموت غدا واعمل لآخرتك وكأنك ستعيش ابدا كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام . ثق بأن الله قد اصطفاك انت شخصيا لمهمة معينة من ورائها حكمة بالغة وان دورك فى الحياة لن يؤديه الا انت وليس غيرك وانه لا يحدث شىء فى ملك الله الا بعلمه وتدبيره. 


إذا كتب الله عليك ان تعيش مهاجرا فأعلم ان هذا لمصلحتك ولمصلحة من حولك لانه من تدبير علام الغيوب قم بدورك في الحياة الآن ولا تؤجل شيئا للغد وفى ذات الوقت لا تؤمل كثيرا فى دوام الحال والدنيا.


كان طبيبا بارعا فى الاسنان ودائم الابتسام فى العقد الخامس من العمر هاجر للعمل فى عدة دول لاكثر من عشر سنوات وكان دائما يخطط ويجهز لحياته بعد عودته لموطنه الاول وجهز منزله بكل شىء حتى تكون الحياه بعد العودة من الغربة كما كان يسميها مريحة وممتعة. واخيرا اخذ القرار الذى اراح نفسه المهمومة وعاد الى مصر وهو فى قمة السعادة فلقد تحقق الحلم الذى كان يراوده.  ولكن بعد عدة ايام من عودته كانت نهاية الحلم فلقد فاضت روحه وانتهى مشوار حياته واصبح من ساكنى باطن الارض بعد ان كان يعيش على ظهرها. تقول زوجته لم يمضى اسبوع واحد على عودته شعر ببعض الارهاق فذهب للنوم واخذ قسطا من الراحة وبعد عدة ساعات ذهبت لايقاظة لتناول الطعام فوجدته قد فارق الحياة رحمه الله.


كثيرا ممن هاجروا بعيدا عن البلاد التى ولدوا فيها وامضوا بها طفولتهم يرتكبون خطأ كبيرا لانهم يعتقدون انهم هم من اخذ القرار بالهجرة ونسوا ان الله هو الذى اصطفاهم ودبر كل شىء ولذلك يعيشون على حلم العودة مرة اخرى فيؤجلون الكثير من الاشياء لحين العودة التى ربما لا تأتى ابدا . 


والحقيقة هى  اننا قد نكون غرباء بأجسادنا خارج بلداننا ولكن عندما نعود اليها لننهى غربة الاجساد نكتشف باننا  اصبحنا غرباء ايضا ولكن غرباء بأحوالنا ونتبين ان الحنين للعودة لم يكن الا حنينا لذكريات الطفولة الجميلة التى كانت مرحلة من العمر لم تعد موجودة الان على ارض الواقع ولا يمكن الرجوع اليها وان هذه الذكريات الجميلة ليس لها وجود الا بداخلنا نحن وكانت خاصة بمرحلة عمرية تم تجاوزها بدليل لو نظرنا فى المرآة لن نجد ذلك الطفل الجميل وانما سنرى ذلك الشعر الابيض الذى غزا الراس وتلك التجاعيد التى بدات تظهر على الوجه وحينئذ سندرك قيمة الايام التى ضاعت فى انتظار العودة.


زميل اخر استاذ جامعى عاد من المهجر بعد بضع سنين فظل مكتئبا لفترة طويلة وكان كثير التأفف والشكوى فلما سألته عن ذلك قال قبل الهجرة كنت ارى الحياة من جانب واحد وقانع بحالى لاننى لا اعرف غيره فلما سافرت ثم رجعت وليتنى ما رجعت لان ما يعكر على حياتى الآن هو اننى اقارن بما انا فيه وما يجب ان يكون مثل من يتذوق عسل النحل الطبيعى لأول مرة ولم يكن يعرفه من قبل سيظل بقية عمره يقارن بين هذا الطعم الجديد وما كان عليه وعاد اليه.


اعتقد ان هناك سوء فهم او التباس فى تعريف كلمتى الغربة والهجرة فكلنا غرباء على سطح هذا الكوكب ولكن الكثير منا مهاجرون بين بلدانه لحكمة يعلمها الله مدبر كل شىء فى ملكه سبحانه. ولأن اعمارنا محدودة فقد لا يدرك الكثير منا النتائج النهائية لهذا السيناريو الربانى فمثلا بنى اسرائيل وهم يفرون امام جند فرعون لا يدركون ما حدث بعد ذلك بالاف السنين حيث انجى الله جثة فرعون بعد ان مات غرقا وهى موجودة الى يومنا هذا عبرة للاجيال ويأتيها الزوار من جميع انحاء العالم ليتذكروا حادثة شق البحر. 


ان كل خطوة نخطوها ورائها حكمة وتدبير من الله سبحانه فلا يعتقدن احد انه هو صاحب القرار فى الهجرة انما هو اصطفاء وتدبير من الله  لحكمة يعلمها هو سبحانه. فمثلا بوحى من الله ترك ابراهيم عليه السلام  السيدة هاجر  رضى الله عنها وابنها الرضيع اسماعيل عليه السلام فى صحراء مكة القاحلة بجوار بيت الله الحرام ولولا هذا الفعل لما تفجرت ماء زمزم ولما تجمعت القبائل العربية حولهما وينشأ اسماعيل فى بيئة عربية ليكون من نسله نبى اخر الزمان العربى محمد عليه الصلاة والسلام ثم ينزل القرآن باللغة العربية. التدبير بدأ منذ ذهاب ابراهيم عليه السلام الى مصر وزواجه من هاجر رضى الله عنها ثم تركها مع رضيعها فى الصحراء حيث لا زرع ولا ماء ولكن القصد النهائى للقصة هو ظهور نبى فى العرب ويكون القرآن عربيا. اما يوسف عليه السلام فلولا القائه فى الجب وبيعه بثمن بخس لما هاجر الى مصر  والوصول الى اعلى المناصب فيها وكان على يديه انقاذ البلاد وما جاورها من المجاعة. 


السيدة هاجر ورضيعها كانوا غرباء فى الصحراء ويوسف ايضا كان من الغرباء فى مصر فلماذا لم يتأثروا بالغربة وادوا دورهم كما اراد الله لهم. لقد لخصت السيدة هاجر رضى الله عنها المسألة كلها فى عبارات قليلة حينما سألت ابراهيم عليه السلام فقَالَتْ لَه: آللَّهُ أَمركَ بِهذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَت: إِذًا لاَ يُضَيِّعُنا. 

فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَ: جاءَ إِبْرَاهِيمُ ﷺ بِأُمِّ إِسْمَاعِيل وَبابنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِي تُرْضِعُهُ حَتَّى وَضَعَهَا عِنْدَ الْبَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ فوْقَ زَمْزَمَ في أَعْلَى المسْجِدِ، وَلَيْسَ بمكَّةَ يَؤْمئذٍ أَحَدٌ وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، فَوضَعَهَمَا هُنَاكَ، وَوضَع عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيه تَمرٌ، وسِقَاء فِيهِ مَاءٌ. ثُمَّ قَفى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا، فتَبِعتْهُ أُمُّ إِسْماعِيل فَقَالَتْ: يَا إِبْراهِيمُ أَيْنَ تَذْهَبُ وتَتْرُكُنَا بهَذا الْوادِي الَّذِي ليْسَ فِيهِ أَنيسٌ ولاَ شَيءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلكَ مِرارًا، وَجَعَلَ لاَ يلْتَفِتُ إِلَيْهَا، قَالَتْ لَه: آللَّهُ أَمركَ بِهذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَت: إِذًا لاَ يُضَيِّعُنا، ثُمَّ رجعتْ.

 

 الواقع اننا كلنا غرباء على هذه الارض نهاجر بين بلدانها وان حياتنا الدنيا بكاملها ما هى الا لحظات وذلك امر يقينى واضح للجميع نجمل بعض دلالاته فيما يلى:

  1- لان الجنة هى موطننا وهى دار القرار: 

كلنا غرباء بوجودنا على هذه الارض لانها ليست دارا للقرار وانما دار القرار هى الجنة ان شاء الله موطننا الحقيقى وانما كوكب الارض ماهو الا دار ابتلاء وليست دار مقام.


2-  لان الموت لن يغادر احدا مهما طال العمر: 

اليست كل نفس ذائقة الموت لتنهى رحلة الحياة على الارض تمهيدا للانتقال للوطن الحقيقى دار المقام و طننا الاصلى فما الفرق ان نكون فى شرقها او غربها طالما سنغادرها  ونهجرها . تدبر قول الله تعالى لمحمد عليه الصلاة والسلام : وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (الأنبياء : 34). ولقد توفى النبى صلى الله عليه وسلم .


3- حياتنا الدنيا ما هى الا سلسلة من الهجرات: 

الطفل مهاجر من موطنة وهو رحم امه والبنت مهاجرة من بيت ابوها الى بيت زوجها وكذلك الابن مهاجر من بيت والديه الى بيت الزوجية والموظف مهاجر من مكان عمله الى العمل فى مكان آخر وطالب العلم مهاجر من مرحلة الى التى تليها وهكذا تتوالى الهجرات .


اخيرا : 

ان الموطن  هو مكان العيش والرزق حيث اراد الله. فالارض هى ارض الله والرزق كله من الله. يقول الله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15) سورة الملك. والله تعالى يقسم بان الرزق يرسل من السماء فى قوله سبحانه: وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ (23) سورة الذاريات.  


اما من آثر الجلوس والتقاعس واصبح كل همه التأفف وبث الهموم على صفحات التواصل ارجو ان يتذكر قول الله تعالى الم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها. يقول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ ... (97) سورة النساء.


هذا والله اعلم


3
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}