• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
رقصة مع الألم
رقصة مع الألم
يدوّخني الألم .. يقلبُنِي رأساً على عقب.. يراقصنِي رقصةً خطواتها للوراء ولا مضيَّ بها إلى الأمام...

عقاربُ الساعة تشيرُ إلى الثانية إلا ربع ظهراً, لا بُدَّ أنَّها تشيرُ, لكن بالنسبةِ لي توقَّفَ الزمن هناك.... نعم هناك, فنجانُ القهوة لم أغسله منذُ الصَّباح, شربتُ بهِ قهوةً للمرة السَّابعة, وعلبة السجائرِ بجانبي نفذت, عليَّ أنْ أذهبَ لشراءِ واحدةٍ أخرى, دلفتُ إلى الخارج وجلبتُ واحدة, وبينما كنتُ أعدو السلم لأدخل البيت سمعتُ أنينَ جارتي الذي تصدرهُ عندما ينفذُ المُسكّن لديها, أخبروها أنَّ التقرحات ستتفتحُ في جسدها ما دامت لا تقوى على الحِراك, التقرحات نعم, كم هي شبيهةٌ بألمِي... كلَّما أغلقتُ عينييَّ عن حزنٍ عابر, فتحَ قلبي الباب لحزنٍ جديد, وكأنَّهُ أُودعَ في جسدي ليخونني, لا ليساعدني على المُضي قدماً..... ثمّ أيّ مسكّن سيفلحُ في إغلاق فم ألمِي..

يبدو أنَّي سأتركُ كتابة ما أردتُ قولهُ والبوح به, إنَّني لا أفلح... عليَّ أنْ أرتشفَ فنجاناً آخر من القهوة, أو أقلعُ عن الأمر برمّتهِ.

13/أغسطس/2008, كم أنتَ يومٌ مشؤوم, لمَ عليَّ أنْ أستجيب لإغراءات الماضي بأنْ أستذكرك... هل عليَّ هذا, يأخذني الألمُ بعيداً, يدوِّخني, يقلبنِي رأساً على عقب, ويعود بي من جديد إلى هناك, تقفُ دورة الزمن لا تستطيعُ الحِراك, فتاةٌ في التاسعة عشر من العمر تهربُ من بيتِ أمٍّ وأبٍّ ما تركوا جهداً لإسعادها, ولو كانت النجوم بأحجامِ صغيرة ممّا نعرفُ عنها لكانوا جلبوها لها.

اليوم أطرحُ السؤال على نفسي مجدداً للمرة المليون, هل كانَ الأمرُ يستحقُّ كلَّ هذا العناء... ثمَّ أراني أجيب: نعم ... يستحق...

باسمِ الحبِّ كسرتُ فؤاد أقرب شخصينِ لي, باسمِ الحبِّ ضربتُ جهدهما لتسعة عشر عاماً عرضَ الحائط...

عندما يطوِّقنا الحب بقلائدهِ نشعرُ أنَّنا ملوكاً ولأكبرِ عرشٍ في الدُّنيا, نبدأ بإرسالِ شعاراتهِ إلى مَنْ حولنا, ذلكَ أنَّنا عندما نعشق, نرفضُ أنْ نكونَ وحدنا في هذا الميدان, بلْ نحاولَ أنْ نستجمعَ أكبرَ عددٍ ممكن من الصحَّبِ والجار ليشاركونا هذا الكرنفال, ويعثروا كما عثرنا على توءم روحنا, بالنهاية ربَّما نكونُ كدِيَكةٍ صيَّاحة, نعم ديكة, فالديكُ يظنُّ أنَّ الصبحَ يطلعُ كلَّ يوم إيذاناً بصياحهِ, أو.. نحن جمهور العاشقين نظنُّ أنَّنا شكَّلنا إمبراطورية خاصّة بنا,لا نفتأُ نردِّدُ شعاراتها, لماذا أثرثرُ كثيراً.... أهو الألم ما يجعلني أفعل هذا...

"رشيد" لا أكرهُ اسمهُ أبداً, أجمعُ ملامحهُ بشكلٍ يومي واحداً تلو الآخر لتكتملَ صورتهُ في داخلي دونما ندوب... عهد حبِّي لهُ بدأ في فبراير/2007, مجدداً أحرصُ على ذكرِ الزمن, وأنا التي أقولُ متباهيةً إنني أعيشُ خارج حدوثه, كذب كلهُ كذبٌ منِي.

ما عدتُ أذكرُ كيفَ علقتُ بهِ وعلِقَ بي, أحسستُ أنَّي أعيشُ في فضاءٍ جديد معه, فضاء لم يطأهُ قبلي إنسٌ ولا جان, أنا الملكة على عرشٍ واهٍ سمَّيتهُ يوماً الحب, فإذا بي اليومَ سجينةٌ تطلبُ زنزانةً تلمُّها من طرقات الماضي, تحيطها, وتدرأ عنها طعنات الذاكرة, لكن حتَّى هذا السجن لم أحظَ بهِ...

آمنتُ بأسطورةِ الفارسِ والحصانِ الأبيض معهُ, تخلَّيتُ عن كلِّ شيء, كانتْ تهمُّني نهاية القصة, أنْ تكونَ كقصص الأميرات والفرسان, دائماً تنتهي بزواجهم ومباركة الأهلِ لهم, ثمَّ يقولُ جميعُ مَنْ حولك: نهاية سعيدة.

بالمناسبة النهايات السعيدة حتَّى في قصصِ أميرات "ديزني" كاذبة, عرفتُ خطأي بأنَّني أردتُ نفسي أميرةً منهن, وأردتُ "رشيد" فارساً من تِلك الأرض.

عصرَ يوم 20/يونيو... جاءَ إلى أبي.. طلبني فرفضَ أبي, حاولتُ أنْ أقنعهُ بالرضا بدموعي لكن لم أفُلحْ, حتَّى وساطة أمِّي لديهِ لم تفلح, أذكرُ تذرَّعَ لي يومها أنَّهُ يعرفُ هذا الشاب وأنَّهُ غير مسؤول: كيفَ ستقوينَ على العيشِ معه صرخ في وجهي, ثمَّ أردفَ: هل سيسمحُ أنْ تكملي ما بدأتهِ في دراستك.

لا أدري كيفَ جرأتُ يومها, وقلتُ: أحبُّهُ يا أبي, لم يجبني صوته, بلْ يده التي فصلتنِي عمَّا حدثَ لوهلة, لولا الدمُ الذي كانَ أسفل فمِي, كانتْ هذهِ أوَّل مرةٍ لأبي بضربي ... أسألُ نفسي لماذا, فأجدنِي أقول: لأنَّني كنتُ وقحةً ربَّما في نظرهِ بردّي الذي ما سمعهُ قبلاً مني....

أستهلكتُ كلَّ السبل بإقناعِ والدي بزواجنا, لم يستجب.... ثمَّ ماذا بعد استهلاك السُّبل.... هربتُ من المنزل لكي أكونَ مع فارسي الذي جاءني من مملكة الحبِّ التي كنتُ أقولُ عنها قبلَ مجيئه: إنَّها بعيدة.

تزوجنا وسط رفضِ عائلتهِ, لفتاةٍ تركتَ أهلها ولحِقتْ هواها, هذا ما كان يردِّدهُ كل أفراد عائلة "رشيد" عنِي, فتاةٍ ما حفظتْ سمعة عائلتها فكيفَ ستحفظُ سمعة زوجها...

بعدَ عام... عامٍ واحد, قالَ لي وبكلِّ برودة أعصاب: لم أعد قادراً على تحمُّلِ مسؤولياتي كزوج, لم أعد أقدرُ على هذهِ الحياة, نمطٌ لم أألفهُ أبداً, ثمَّ إنَّه لا يوجد بيننا أطفال وهذا يجعلُ فِراقنا هيناً...

رفضتْ, ولامنِي بأنَّني أنا مَنْ أجبرته على الزواج, قلتُ له: ألمْ تقل لي إنَّك تحبُّني, ردّ: قد لا يساوي الحبُّ الزواج أحياناً...

نعمَ قد لا يساوي الحبُّ الزواج أحياناً...

مرَّتْ على الحادثة عشرُ سنوات وأربعة أشهر, أعدُّها على أصابع يدي أهي كثيرة؟ أسأل, نعم هي كثيرة بعد أنْ رفضنِي والديّ

ربَّما لا يؤلمني فِراق "رشيد" رغمَ أنَّني عندما رأيتهُ منذُ أسابيع مع امرأة أخرى, تعمَّدتُ وقتها السَّلام عليه, فعرَّفنِي بها, وقالَ إنَّها حبيبتهُ: كم وددتُ أنْ أقولَ لها إنَّ الحبَّ عندَ "رشيد" لا يساوي الزواج, لكن لا علاقة لي بالأمر دعها تجرِّبُ حظَّها, وأنا لا ألومهُ صراحةً, الخوف من مواجهة الحياة يخلقُ هكذا أناس.

لكنِّني تألَّمت, فورَ عودتي أخرجتُ صورتهُ التي عندي ومزقتها وأسرفتُ بالبكاء فوقها, وحروف تخرجُ وسطَ بكائي سمعتُ نشيجها, تنعتُ صاحبَ الصورة بالخائن... بعد عشر سنوات لا سلطة لي عليه وأنا التي أطلقتهُ يومَ طلبَ.

وفوقَ ألمي منه وبعد كلِّ تلك الأعوام يرفضُ أهلي محادثتي, أُغيِّرُ هيأتي أحياناً,أذهبُ إلى الحيِّ الذي فيهِ بيتنا أسترقُ النظرَ إلى أبي وهو يذهب ويرجع من المسجد, هل تراهُ يدعو لي بالهداية, أم يدعو عليَّ لأنَّي كما قالَ لي حازم أخي _الذي كانَ عمرهُ أحد عشرَ عاماً عندَ فراري من المنزل_ إنَّه لا يريدُ رؤيتي ولا سماع صوتي ...

ما يؤلمنِي وفائي لذلك الرجل الذي وسمَ اسمهُ على قلبي ولم أستطع إزالته, ما يؤلمني أنْ يكونَ والديَّ بنفسِ المدينة التي أعيشُ ولا أستطيع الاقتراب منهم أكثر من مسافة 50 متراً وبعدساتٍ سوداء, لأنَّي هدمتُ ثقتهم التي أودعوني... هذا أكبر ألم... الألم الذي يأبى مفارقتي, يراقصني على الدوام رقصةً خاصةً بي وبه, الرجوع بخطواتنا بها أكثر من التقدُّم إلى الأمام, أمامك الكثير من الرَّاقصات أيُّها الألم, لكن لماذا تصرُّ على أنْ أبقى شريكتكَ الوحيدة في هذهِ الرقصة.


3
0
2

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}