• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
اركبْ معَنا ..
اركبْ معَنا ..
قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ "

الأنعام - الآية(64)

صلوا في رِحالِكمْ

منذ أن خلق الله البشر و هم يركضون ، يسرعون في كل شيءٍ و لا يتوقفون . " الحياة لا ترحم الكسالى " ، يقول أحدهم ! .

انا أيضاً كنت أركض في زخم الحياة كما الآخرين ، في نومنا نجري ، في طعامنا نهرول ، في عباداتنا نسير كحجارةٍ صغيرةٍ يحملها النهر ، لا نتوقف أبداً ، حتى في جلوسنا مع أنفسنا تحملنا أفكارنا و تحلق بنا عالياً كسرعة الريح ، و لكني اليوم توقفت .. في أول صلاةِ جماعةٍ لي أؤديها ، أول جماعة لي كانت في البيت ، إمامها كان أبي ، و صفوفها كانوا إخوتي مع أمي ، صلاةٌ أوقفت سير الحياة من حولي ، صليت خلف الإمام ( أبي ) ، صلاةٌ .. صلت فيها جوارحي ، و انسابت معها مشاعري ، شعرت بدموعي تملأ محجري ، و لكنني أبقيتها صامتة ، و لم تهبط إلا عندما هطلت دموع أبي التي شاهدتها في نحيبه و نشيجه ، و تكبيراته المرتجفة من أثر البكاء .

دموعه نزلت من مقلتيه على وجوهنا جميعاً ، شعرت بأن أبي يسحبنا بكل كلمة تخرج منه ، فتتردد دواخلنا ، يأخذ بيدنا نحو السفينة متحصنين من طوفان الوباء ، " يا بني اركب معنا " .

لا أعلم ما الذي أبكانا ، أهو عيد الجمعة الضائع منا ، و إقامة الصلاة التي ما إن نسمعها حتى نهرول كي نضع اللمسات الأخيرة على طعام الغداء ، أم هو رؤيتنا لضعفنا ؟! ، بكينا لأجل ديننا ، لمناسكنا و شعائرنا ، الحزن الذي شعرت به و رأيته ذكرني بالمسلمين الأوائل في مكة ، بالمسلمين المستضعفين في الصين و غيرها ، حمدت الله على حريتنا في أداء عبادتنا و أمننا .

لم أشعر بشيءٍ قبل الإقامة ، (الله أكبر) ، و بدأ كل شيء بداخلي يتفتح كزهرةٍ أطل عليها الربيع فأشرقت ، مشاعري انطلقت تجري من داخلي كخيل جامحة ، لا تعرف أرضاً و لا سماءً ، كل البلاد بلادُ الله ، كانت حرةً كحمامةِ نوح ، تحمل الزيتون و تبشر باخضرار الأرض و استوائها ، هطلت كغيمة صيفيةٍ على بقعةٍ واحدة ؛ استجابةً لدعوة سرتْ إلى الله ، فردها الله رحمةً و غوثاً .

و ما بين التكبير و التسبيح ، كان أبي ينثر الحقيقة ، الحقيقة بأن الملك لله وحده ، و أننا عبيدٌ له جل جلاله ، رغم انشغالنا بدنيانا ، رغم الأوزان و المكاييل التي نحملها على عاتقنا و نقيس بها الآخرين ، و نقيس معها حياتنا .

شعرتُ بأننا نزداد طولاً ، بينما العالم يزداد تقزماً ، أرواحنا الصغيرة كانت تكبر ما بين الركوع و السجود .

في كل انحناءةٍ لله كنت ألتقطُ إحساساً لا أراه ، إحساساً يتجمع مع أحاسيس و مشاعر أخرى ، لا أبصرها و لا أعرف كينونتها ، و لكنها تتعانق ؛ لتكون شيئاً ينير داخلي و ينعكس على وجهي .

شعرتُ بكل حرفٍ رتلته في الفاتحة و السور القصار ، كأنني أقرأ القرآن للمرة الأولى ، كأنني أؤدي صلاتي الأولى، أبجديةٌ جديدةٌ أعرفها مسبقاً ، دخلت إلى أعماقي عنوةً و لكن بلطف ؛ لتزيدني ارتفاعاً ، شعرتُ بالنور يتدفق ليغطي المكان .

صلاةُ الجماعة مع أبي ، رفعتني إلى الأعلى ، كما لم أرتفع من قبل، شعرت و كأنني أراقب العالم و هو يغرق في طوفان الوباء هذا ، كانت هناك سفنٌ و قوارب كثيرة ، تناضل من أجل الحياة، بعضها تتصارع مع الموج ، و بعضها يهزها الموج ، كما لو أنها طفلٌ صغيرٌ تهدهده أمه كي ينام ، ثم ليستيقظ على بر الأمان .

" قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ "

الأنعام - الآية(64)


243
0
13

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}