• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
رحم الله إمرئٍ عرف قدر نفسة
رحم الله إمرئٍ عرف قدر نفسة
مدافعا عن نفسه هاجم ذكر الغزال الأسد الذى كان يتقدم نحوه لافتراسه فتراجع الأسد وابتعد عنه.

شاهدت هذا الموقف فى فيديو عن الحياة البرية ولكن ما حدث بعد ذلك كان غريبا لان ذكر الغزال نسى قدر نفسه واعتقد انه الاقوى بدليل انسحاب الاسد من امامه فتجاوز حدوده وتمادى فى مطاردة الاسد الذى نام على الارض وتظاهر بالهزيمة ولكن فى لمح البصر عندما اقترب ذكر الغزال منه نشب انيابه فى رقبته وخنقه وقضى عليه.


قلت ياله من غزال غبى لم يعرف قدر نفسه وحدود امكانياته وتذكرت على الفور تلك المقولة المشهورة : رحم الله إمرئٍ عرف قدر نفسه وبعد بحث تبين انها من أقوال عمر بن عبد العزيز حيث قال القرطبي في تفسيره : بلغ عمر بن عبد العزيز أن إبنه إشترى خاتماً بألف درهم فكتب إليه قائلاً :"إنه بلغني أنك إشتريت خاتماً بألف درهم فبعه وأطعم منه ألف جائع وإشترِ خاتماً من حديد بدرهم وأُكتب عليه ” رحم الله إمرئٍ عرف قدر نفسة “. وممكن فهم هذه المقولة المشهورة على وجوه كثيرة ومنها :


1- الوجه الاول هو من عرف حده فوقف عنده :

ان يعرف الانسان حدود قدراته والا يقحم نفسه فيما هو ليس اهل له مثل الغزال المسكين الذى نسى نفسه وهاجم الأسد او مثل من يحاول اصلاح ساعته بنفسه وهو ليس بخبير فيفسدها ويضاعف الضرر او من يحاول ادارة عملا استثماريا وهو غير مؤهل لإدارة الاعمال فتكون النتيجة خسارة المال وانهيار المؤسسة.


 كان الرسول صلى الله عليه وسلّم يقول عن أبي ذر: ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر. ومع هذا جاء أبو ذر رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلب منه الإمارة فردّه رسول الله صلى الله عليه وسلّم ردّاً جميلاً وشرح له ببلاغة وإيجاز سبب رده إياه وبين له أنه ضعيف. وهذا يعني أن الرد لم يكن بسبب قدح في إيمان أبي ذر ولا في أخلاقه وأن ضعفه لم يكن في إيمان ولا صلاة ولا طاعة وإنما ضعيف فيما يرتبط بالإمارة ومستلزماتها من حسن سياسة وصبر وروية وتفهم لطبائع الناس فلكل طبعه وطريقةٌ للتعامل معه وغير ذلك. عن أبي ذر قال: قلت يا رسول الله، ألا تستعملني؟ فضرب بيده على منكبي ثم قال : يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها. رواه مسلم.


أبي ذر رضي الله عنه هو مَن هو من بين الصحابة الأجلاء الذي يُعدّ في القمة منهم أمانة وإيمانًا وإسلامًا وصدقًا لكن لديه صفة (الضعف في شؤون الإمارة) هذه الصفة جعلت النبي صلى الله عليه وسلم ينهاه عن الخوض فيها وممارستها لأن ضعفه ذاك ربما يؤدي به إلى أمور يعقبها حسرة وندامة يوم القيامة فأراد صلى الله عليه وسلم بِحُبّه له أن ينقذه من هذا.

  

كثير من الناس خصوصا بعد ثورة الاتصالات والانترنت يتدخلون بفرض آرائهم في كل صغيرة وكبيرة فى مجالات هم ليسوا من اهلها ففي مجال الزراعة تجدهم مهندسي الزراعة المهرة وفي مجال الطب تجدهم منظرين لأدواء وعلل وفي مجال الفقه تجدهم يتحدثون فيه وكأنهم أبو حنيفة أو الشافعي وفي مجال العلوم العسكرية والحروب ينبرون وكأنهم صلاح الدين أو رومل وقل الشيء نفسه في اى مجالات اخرى.


لم يكن يفعل هذا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بل ان الرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) في قصة تأبير النخل. اخرج مسلم في صحيحه عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: "قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يأبرون النخل (أي وأهلها يأبرون النخل، و[أبر] الزرع يأبره بضم الباء وكسرها أبرا وإبارا لقحه وأصلحه، وأبره بالتشديد مبالغة وتكثير، أي يلقحون أعذاق إناث النخل بطلع ذكورها)، فقال عليه السلام، "ما تصنعون؟" فقالوا شيئا كنا نصنعه في الجاهلية، فقال: "لعلكم لو لم تصنعوه لكان خيرا"، فتركوه، فنفضت النخل (يقال نفضت الشجرة حملها إذا ألقته من آفة بها. – والمعنى نفضت زهرها بدون أن يستحيل بلحا، فلم تثمر) فذكر له ذلك (أي فبلغه هذا الخبر)، فقال: "إنما أنا بشر، إذا أخبرتكم بشيء من أمر دينكم فخذوا به، وإذا أخبرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر". وفي رواية عن عائشة رضي الله عنها: "إذا أخبرتكم بشيء من أمر دينكم فإنما هو بوحي، وإذا أخبرتكم بشيء من أمر دنياكم فإنما أنا بشر، وأنتم أعلم بأمور دنياكم"، ورواه موسى بن طلحة عن أبيه مرفوعا بهذا النص: "إن كان ذلك ينفعهم فليصنعوه، فإنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به، فإني لا أكذب على الله".


ان لكل شخص حدود وإمكانيات وإذا علم الإنسان قدر نفسة فسوف يخرج كل الطاقة الموجودة لدية في المجال الذى يناسبه اما اذا اقحم نفسه فيما ليس له به علم فمن هنا تاتى الكوارث كمن يحاول ان يلحم ثقب بتنك البنزين او الغاز وهو مملوء.


كلنا مطالب بوقفة صريحة مع الذات لمعرفة إيجابياتها وسلبياتها وادراك الإمكانيات الحقيقية حتى لا نقبل بوظائف ومهام هي أكبر من قدراتنا. ومن الامانة ان يعترف الشخص بعدم مقدرته أو عدم كفاءته لأداء وظيفة معينة وهذا لا يشينه فى شىء ولكن العيب هو أن يستمر في عرقلة العمل بسبب كبرياء لا يسمن ولا يغني وعليه الا يصاب بالإحباط بل أن يعمل على تحسين قدراته وتطويرها. فلكل وظيفة خبرائها وليست هناك وظيفة كبرى واخرى صغرى الكل يكمل بعضه لتستقيم الحياة وكلنا خلقنا من طين ولا سبيل لان يتكبر احد على الآخر.


2- الوجه الثانى هو من سعى للحصول على ما يناسب قدراته المتميزة :

ان تكون قدرات الشخص اكبر من الواقع الذى يعيشه وهو يعلم ذلك فيطمح لان يظهر قدراته الحقيقية ولا يستسلم للامر الواقع مثلا طموح العلماء مثل فاروق الباز واحمد زويل وغيرهم فلولا بحثهم الدؤوب عن الاماكن التى توفر لهم امكانية البحث العلمى لما سمع عنهم احد. 

 

ان من أسوأ ما نرتكبه في حق أنفسنا ألا نعطيها قدرها ونستسلم لمشاعر القلق والإخفاق ونقف مكتوفي الأيدي أمام العقبات التي تعترض طريقنا ان الفارق بين الناجحين والفاشلين هو قدرتهم على النهوض بأنفسهم وهو نظرتهم الإيجابية للأمور وإدراكهم التام أن طريقة تعاملهم مع المصاعب هي ما سيحدد مستقبلهم. الناجحون يدركون أن الفشل هو اختبار لمعدن الشخص وصلابته وهو مجرد جزء من منظومة النجاح الأكبر وهي دروس حياتية تتكرر أننا نستطيع تحقيق كل شىء عندما نؤمن بقدراتنا ونقدر ذواتنا ولا نجعل كلمة مستحيل تعشش في عقولنا. ومع هذا يخطئ من يظن أن النجاح طريقه سهل ان من نجحوا قاموا بوضع أهداف واقعية وطموحة ثم خططوا لتحقيقها وبذلوا كل الطاقات الممكنة واستمروا في الثقة بالنفس والإيمان بقدرتهم على بلوغ اهدافهم.


يذكر التاريخ قصة ذلك الصبي الذي جُلب إلى مصر ليُباع في سوق النخاسة وبصحبته عبد آخر ودار بينهما حوار عن أحلامهما للغد. كان رد الأول أنه يتمنى أن يباع إلى طباخ ليأكل كل ما تشتهي نفسه وأما الثاني فكان رده: أتمنى أن أملك هذه البلاد. حقق ذلك الصبي رؤيته وأصبح رغم صعوبة الظروف حاكماً للدولة الإخشيدية التي حكمت مصر العظيمة. إنه كافور الإخشيدي الملقب بأبي المسك الحاكم العادل الذي استطاع أن يحقق ما ظنه الكثيرون مستحيلاً. كتب التاريخ عن كافور الإخشيدي أنه شمر عن ساعديه وصنع مستقبله الذي طالما حلم به أما صاحبه الذي أراد أن يعيش في كنف الطباخ فلم يذكره التاريخ إلا بذلك الموقف.


3- الوجه الثالث هو النفس الشريفة الصالحة المرتبطة بربها :

مثل الانبياء والصديقين والصالحين ومن على نهجهم الذين يأبون الدنية ويرتقون بأنفسهم الى ما يليق بها ولعل من الامثلة على ذلك سيدنا يوسف عليه السلام وكل شاب على نهجه. فضل يوسف عليه السلام السجن على الانزلاق فى الفواحش وعندما طلب الملك خروجه من السجن لم يسارع بالخروج الا بعد طلبه اعادة التحقيق واثبات برائته مما نسب اليه. نفس عرفت قدرها فأبت الدنية وارتقت الى المنازل التى تليق بها.

 

كان يوسف عليه السلام حسن الخُلُق والخَلْقة  قال عنه النبي ﷺ ليلة عرج به : فَإِذَا أَنَا بِيُوسُفَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا هُوَ قَدِ اُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ. صحيح مسلم عن انس (162). كان عليه السلام وهو فى السجن بفضل من الله مفسرا لرؤية الملك فوضع خطة ل 15 عاما قادمة انقذت مصر وماحولها من المجاعة. وعندما خرج من السجن بعد ان ثبتت برائته طلب من الملك ان يضعة حيث يستحق طلب ارقى الوظائف التى تحتاج لصفة الامانة والعلم وهو اهل لذلك. قال الله تعالى: قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)  سورة يوسف.


سيدنا يوسف عليه السلام ذلك الشاب الملائكى الجميل لم يكن مكانه فى بيت العزيز لتغازله النساء ففضل السجن على هذا وفى السجن رفض الخروج الا بعد ان اعيد التحقيق واثبتت برائته وعندما خرج من السجن لم يقبل بأقل من وظيفة تناسب ما من الله به عليه من قدرات لقد عرف قدر نفسه فارتقى بها ولم ينسى فضل الله عليه. يقول الله تعالى : رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ . (سورة يوسف 101).


ولعل لمقولة ” رحم الله إمرئٍ عرف قدر نفسة “ مدلولات اخرى كثيرة تحتاج لمجلدات ولكن حسبنا ما وفقنا الله اليه. 


1
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}