• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
شارع ميجل وسيرة من لا سيرة لهم.
شارع ميجل وسيرة من لا سيرة لهم.
اكتب معنا عن أجمل المناطق السياحية في بلدك
إن لم ينصفُ الأدبُ المقهورين، فلا خير فيه.

سِير المهمشين!

لقراءة الرواية مباشرة اضغط هنا

أن تحتلَ المأساةُ حياةَ أبطال الروايات أمر طبيعي، أما أن يكون جميع شخوص العمل الرّوائي أبطال وجميعهم يعيشون مأساتهم الخاصة واليوميّة، جميعهم في رحلة للبحث عن الذات ومحاولة إيجاد معنى للحياة حتى في أكثر الأشياء اعتيادية، وأبسطها حدوثًا، أمر نادر وجوده في الأعمال الرّوائية عامةً.

         شارع ميجل هو أحد شوارع بورت أوف سبين الواقعة في ترينداد، يقطنه مجموعة من الشخصيات العادية جدًا في الظاهر، تجمعهم روابط الجيرة، رغم اختلاف أعمالهم ومدة سكنهم في الشارع، الشارع لا يقطنه أغنياء المدينة ولا معدميها أيضًا.. لا شىء مثير.. كل شىء عادي، عادي حتى الملل، أما الذي جعل مِن هذا الشارع وشخصياته حكايةً تُقرأ هو شخصٌ استطاعَ أن يراقب الناس، بعضهم عن قرب وبعضهم عن بُعد.. وهو طفل راقبهم بدافع الفضول، ومراهق ربما بالتعود! حتى غادر الشارع وهو في الثامنة عشرة من عمره تاركًا خلفه حكايات أخرى، وأناس ربما عانوا أكثر، وسلبتهم الحياة من أنفسهم، حتى سقطوا في هوة من ثلاث: اليأس، اللامبالاة، الحقد.

        مَنْ نتحدثُ عنه هو الرّاوي، الذي بدوره تحدث عن خمسة عشر إنسان، خمس عشرة حكاية، خمس عشرة رحلة  متمايزة تمايزًا تامًا، ولكنهم جميعًا -وربما كل إنسان آخر- حاولوا أن يجدوا أنفسهم، وأن يبحثوا عن ذواتهم المُضيعة في غِمار الحياة، منهم مَنْ فشل في بدايةِ الطريقِ، ومنهم مَنْ سقط في المُنتصفِ، ومنهم مَنْ أدرك النهايةَ، فوجد ذاته مشوهةً فندم على بدء الطريق.

• شخصيات من الرّواية:

إن  (إلياس) الفتى الوحيد الذي خالف فتية الشّارع في أحلامهم، وأراد أن يُصبح طبيبًا، فبذل جُهدًا مضنيًا من أجل أن يستطيع دراسة الطب، ذهبت كل جهوده هباءً.. وجد (إلياس) ذاته في العلمِ، ولكن العلمَ رفضَ أن يُعطيه قبسًا منه، لا أصبح طبيبًا، ولا مفتشًا لصحة.. شعر هو بالظلم، وانعدام العدالة، وأصابتْ الحيرة باقي سكان الشارع، كيف لا تجد العبقرية مكانها في هذا العالم؟ هل أصبح العالم مكانًا موحشًا إلى هذه الدرجة؟.. تحول الفتى من مضرب مثل الصّغار والكبار فى الأخلاق الحسنة وحدة الذّكاء إلى كائن ممتلئ بالحقد والغضب، يصبُ اللعناتَ على كلِ الناجحين، ويؤمن أن العالم لا يسير سوى بالرشوة.. فالمال سيحكم العالم، والفقراء يتعفنون بفعلِ التجاهل.

   

        لم يتخيل أحدٌ يومًا أن (مان. مان) -الذي يعتقد الجميع أن جهازه العصبي لا يخلو من خللٍ- سوف يُصبح قديسًا يُلقي المواعظَ ويبكي خلفه النّساء والرّجال.. (مان. مان) عديم القيمة إلا في حياة كلبه والذي قرر تركه هو أيضًا فمات في حادث سيارة، وجد نفسه في الدعوة إلى الرّب والتبشير والتنذير، حتى ظن حقًا أنه مسيح، ولابد أن يُصلب.. لا عجب في سلوك (مان. مان) فالجميع يعرف بجنونه وشذوذ سلوكه الدائم -وإن كان من قبل بعيدًا عن الدين- ولكن العجب يكمن في سلوك مَنْ نعتوه بالجنون أولًا، ثم آمنوا بكونه مسيحًا ثانيًا، الذين قاموا برچمه بالحجارة بأمرٍ منه وهو معلقٌ على صليب، في حادثة كادت أن تميته إلا أن قرر التخلي عن الدور إيثارًا لحياته على الموت، حتى ولو كان المسيح ذاته! 

 

     إن رواية شارع ميجل لم تذكرْ أبطال بالمعنى المُستخدَم في الحياة العامة، لم تذكرْ صراعات نفسية داخلية للشخوص؛ فالرّاوي يحكي ما يرى فقط، والقارئ يحكم على الشخصية كما يرى، لم تذكرْ الرّواية أُناس تُجبرك حياتهم على تأملها، سكان شارع ميجل بطريقة أو بأخرى هم سكان شارعك، ولكنهم كانوا محظوظين فوجدوا من يكتب عنهم، وجدوا من يجعل منهم أبطال، حتى وإن كانوا أبطالًا على ورق لن يهتمَ بهم الكثير.

     إن كل الشخصيات التى نُقابلها في حياتنا، سنجد -إن تأملنهم بعين المُشاهد لا عين الناقد الواعظ- شيئًا يستحق أن يُروى، لقد شاهد جميع سكان الشارع جميع الشّخصيات التى ذكرها الكاتب، ربما لم يُفكِر أحدهم أنها حيوات تستحق أن يُكتب عنها؛ فالجميع يُشاهد ويذهب، لا أحد يتأمل، لا أحد يهتم بصراعات الآخر إن لم يكن الآخر شخص وُصِفَ في كُتب التاريخ بلفظ (عظيم).. فلا عجب في قراءة سير العظماء وأصحاب الإنجازات التي كانت من قبلهم شىء إذا جاء ذكره تندهش الأنفس، وتنطقُ الأفواه «مستحيل!!»، الذين نشعر تجاههم بالضآلة، ونُطلق عليهم "صُناع التاريخ"، ولكن العجب أن تقرأ سير المُهمشين، الذين يعشيون على حافة الحياة، مجهولين أحياء كانوا أو أموات.. أؤمن أن كُلَ إنسانٍ -مهما بلغ من الضآلة أو انعدام القيمة- يستحقُ أن يجد مَنْ يقرأ سطور حياته حتى ولو لمرة واحدة فقط قبل أن يغادرها.


8
0
2

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}