• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
وفاة الصديق ولوم الأقدار !
وفاة الصديق ولوم الأقدار !
Google+
عدد الزيارات
31
إن وقع الصدمة و بأس المصيبة بفقد أعزّ الناس يُفقد الصديقَ عقله ! ُيخرج الإنسان عن شعوره يشتت جماع النفس ، يهدّ أركان الجسد ، يزلزل جدران القلب ،

 تفور الدماء في قلب المسكين كالبركان الكامن يرجو له نقطة ضعف حتى ينفجر و تنبجس حممه ولظاه ! عن هذا المشهد العسير أتحدث و أمثّلله بحال ناصيف اليازجي الذي فقد صديقه العزيز ابن فيّاض فأفقده  معه شعوره و لبّه فأنشد يقول :

نُعاتِبُ حيثُ لا نرجو الجـــــــــــــــَوابا   *    زَماناً ليسَ يَسْتمِعُ العِتـــــــــــــــــابا

ونشكو ظُلمَهُ شكوى غَريــــــــــــــــــــقٍ    *  إلى مَوجٍ يزيـدُ بها اضطِـــــــــــــرَابا

زَمانٌ ليسَ نبرحُ كلَّ يـــــــــــــــــــــــــــومٍ   *   نَرَى فيهِ اعوجاجاً وانِــــــقــــــــــلابا

يُقادُ بهِ العزيزُ إلى ذَليـــــــــــــــــــــــــــلٍ    *   ويقتنِـصُ الغُرَابُ بهِ العُـــــــــــــــقابا

يموتُ اللَّيْثُ في الفَلواتِ جـــوعاً   *    وتُبشِمُ كَثْرَةُ الشَّبَعِ الكِــــــــــــــــلابا                     البَشَم: التخمة

ويذْهبُ من نُريدُ لهُ بَقـــــــــــــــــــــــــاءً   *    ويَبقَى مَن نُريدُ لهُ ذَهـــــــــــــــــــابا

 

لقد أخذت منه المصيبة كل مأخذ حتى ما وجد متهما يتهمه ولا لائما يلومه سوى الأقدار ، الأقدار التي حمّلها ذنب مصيبته في لحظة يأس وعجز وهي لحظة تأتي كثيرا منا أحيانا ، يفقد فيها الحكيم حكمته و يفقد فيها المتديّن المتعبد عقله وتقواه فيقول بلسانه حالا ومقالا :

((إلى من أَنسِب مصابي و فاجعتي ؟ ليست مصيبتي من صنع البشر و ليس ثأري من إنسان ظالم معتدٍ ، وإنما ثأري مع الزمن ! مع الأقدار التي تأتينا بما لا نشتهي ! ذلك القدر الذي لا يستمع الشكوى ولا يقبل التماسا و لا يرحم باكيا كسيرا ! ، إنه قهر الزمان الذي تنقلب فيه الأوضاع و تختل معه الموازين إنه القدر الذي سلب مني حبيبي في حين أنه أبقى الأوغاد  و الهمج من الناس ، إنها الأحوال الأليمة والأوضاع الفظيعة التي لا يحتملها الإنسان وكذا قلبي يتساءل لماذا تفعل الأقدار بنا ذلك ؟ لماذا تحزننا ولماذا تشقينا ؟؟ لا جواب !!))

وفي نفس تلك اللحظات الداكنة عانى ابن المعتز واشتكى إلى الأقدار مرارة خطفه صديقه منه  واحدا بعد الآخر قائلا :

يا دَهرُ ما أَبقَيتَ لي مِن صَديق   *   عاشَرتُهُ دَهراً وَلا مِن شَفـــيق

تَأكُلُ أَصحابي وَتَفـــــــــــــــــــــــــنيهِمُ    *  ثُمَّ تَلقاني بِوَجهٍ صَفيـــــــــــــــــقِ

والطغرائي كان له نصيبه من هذا الموقف المزلزل فأنشد في صديقه المتوفّى منتحبا قائلا :

ولو أنَّ الهمومَ كلمْنَ جســــماً      *  لبانَ عليَّ آثارُ الكُـــــــــــــــــــــــــــلوم

ِلفقدِ أخٍ كفـــــــــقدِ البـــــــــدرِ لمَّا    *   تكاملَ واستوى بين النُّــجومِ

تصاحَبْنَا على حُبٍّ عفــــــيفٍ    *  فصار بنا إِلى وُدٍّ كـــــــــــــــــــــــــــريمِ

ولم يكُ شكلُه شكـــلي ولكنْ    *   جناياتُ القلوبِ على الجُسـومِ

رَضِيتُ به من الدنيا نصـــِيباً    *   فصار الدهرُ فيهِ من خصــومي

الطغرائي و ناصيف و ابن المعتزّ في تلك اللحظات السوداء التي يضعف فيها القلب والعقل معا  كان عندهم الدهر من خصومهم على اختلاف أزمنتهم وعلى اختلاف أديانهم ، كلهم وقعوا في بئر الضعف الإنساني حين يعجز القلب والجسد عن الاحتمال والتجلّد!

إنها لحظات قنوط من رحمة الله تغشى الكافر كثيرا والمؤمن أحيانا حين يضعف وينهار ويفقد إيمانه في تلك اللحظة فقط ! ، إنه سرد  مني لواقعٍ حادث ومتكرر وليس رضاء بهذا الحال حاشا لله ! ...

ولكن مع ذلك  يبدأ المؤمن يتذكر الله و حكمته في كل شيء وأنه هو الخالق وهو المالك لكل النفوس هو الذي برأها وهو الذي يتوفاها وقتما شاء ، نفوسنا كلها ملكه يفعل بها ما يشاء ، هو الملك لا ملك سواه ولا رادّ لحكمه و لا معترض لقضائه ، حين يعود العقل و يؤوب الرشد تتطلع العقول والقلوب سواء على تلك الحقيقة التي غابت في لحظات سيطر فيها الشيطان على عقل الإنسان وقلبه معا !!

لذا قال بعد ذلك ناصيف اليازجي في لحظة فواق و تعقل :

بَكَيتُ عليهِ واستْدعيتُ صبري      فصارَ الصَّبرُ حزناً وانتِــحابا

ومَن لم يَصطبِرْ طَــــوْعاً تَوَلَّى       عليهِ العَجْزُ فاصطَبرَ اغتـصابا

ثم مضى في مرثاته منتحبا باكيا يفرغ أنينه في البكاء وهو ليس بحرام ولا معيب مادام بلا قنوط ولا لعن للأقدار  !

مضَى عنَّا ابنُ فيَّاضٍ ففاضَـــــــتْ   *   عليهِ مَدامعٌ تحكي السَّـــــــــحابا                            تحكي : تحاكي وتشابه

مَدامعُ في الخُدودِ جَرَتْ مِيــاهاً    *   ولكن في الحَشا صارَت حِرَابا

تقولُ قُلوبُنا إذْ أوْدَعــــــــــــــــــــــــــوهُ    *   تُرَاباً لَيتنا كُنَّاتُرَابـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا

 كريمٌ ما عَرفْنا فـــــــيهِ عَــــــــــــيباً       * ولا خُلُقاً يَسوء ُ بهِ الصِّـــــــــــــحابا

ولم يكُ قَطُّ يُغصِبُ نفسَ رَاضٍ  *  ولكن كانَ يسْترَضي الغِضــــــــــــابا


إن مما يعزّي الصديق ويكون له سلوى و معينا له في فقد صديقه القريب أن الدنيا كلها دار بلاء و شدائد ، ولعل ترك هذه الدنيا يكون مستراحا من عنائها وظلمها ، مستراح من جور البشر  مرتحل إلى عدل الحكم العدل الذي لا يظلم مثقال ذرة ! ، انتقال من دار المحنة و القسوة إلى دار رحمة الرحمن ، ثم يستعرض الصديق الجريح محامد صديقه و فضائله التي تبشّر بنوله الجنة بإذن الله ، خير مستقر و أهنأ مآل ، فلماذا نحزن عليه و لماذا نبكيه وهو المستريح من عناء الدنيا ابتداءً المتنعم بنعيم جنة الفردوس – إن شاء الله –انتهاءً ؟! ...

هذه الأفكار العابرة تروح وتجيء ببال الصديق المنكوب فتلطف ألمه و تهون خطبه وتسرح به في عالم الآخرة بعيدا عن الدنيا المريرة !

ولكنّه الفراق الطويل الذي هو شاق على الأنفس المحبّة ، كيف لنفسي أن تحتمل فراقه الطويل الأبدي ؟! إنني حين كان حيا كنت أنظر لقاءه بلهفة وشوق ، كنت أطير فرحا و نشوى بموعد لقائه ، ذلك اللقاء الذي يجدد الحب و الود و يطفئ نار الشوق ، فمن لي بمطفأة للهيب قلبي ؟! فليتني إذن كنت الثرى الذي سيواري أخي حتى أحتضنه وألتصق به ولا أتركه أبدا إلى أن تقوم الساعة ! .. إنها أماني عسيرة وأحلام طفولية و رجاء عبثي ، إنه رجاء المحبين المخلصين .. وإنه كذلك فراق لا أمل فيه في دنيانا ولا رجاء اللهم إلا انتظار وعد الله للمحبين الصادقين حين يجعلهم على منابر من نور يوم يظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله  !....................


0
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}