• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
و كان فضلُ الله عليكَ عظيما
و كان فضلُ الله عليكَ عظيما
اكتب معنا عن أجمل المناطق السياحية في بلدك
هذه كانت هديةً مدفوعةً مني إليه لأنه كان بريق أملٍ و تفاحة حظٍ أعادت إليّ الإيمان بالحياة أو العالم .. لأنه أراني ما كنتُ رافضاً رؤيته .. أن هناك من هم أسوأ حظاً مني .. من لم يمتلكوا عائلة.. من نضجوا بشكلٍ أسرع و أبكر.. من هم مضطرون لإعالة أشخاص أكبر عمراً و أضخم حجماً .....

مرحبا .. فلنتفق أنا عماد السيءُ الحظ .. العامل في إحدى الصيدليات المداومة طيلة النهار .. و لأني رجل سيء الحظ كنت أنا العامل المسائي الذي يحظى برعب حقيقي كل ليلة .. الولد أو الذكر الوحيد كما يطلقون عليَّ داخل العائلة .. و هذا كان أسوأ شيءٍ حصل لي بعد زواجي بابنة عمي الوحيدة بين خمس ذكور .. زوجني والدي مدرس التاريخ المتقاعد في السابعة عشر من عمري لإنجاب ذكور آخرين بعدما انقطع رجاؤه من أمي .. زواجي بابنة عمي كان كارثة حقيقة لدي لأن هذا الزواج تطلب مني الخروج من الجامعة بعد أن رزقت بتوأمٍ مختلف ، كان علي أن اصبح رجلاً ، أخرج للعمل صباحاً لبيع الملابس في إحدى المحال و لبيع الأدوية مساءً ، لم تكن هذه مشكلة كبيرة لي ، لأن جميع أصدقائي يعملون و لكن ليس للصرف على عائلة كبيرة مثلي ، فأصدقائي شباب مدللون منعمون كما يصفهم والدي ، سيعانون بعد سنوات و سيتعلمون الحياة و لكن بجهدٍ أكبر و سيقطعون اللقمة بشقِ الأنفس ، دائما ما يدور هذا الحديث بيني و والدي عندما أعود من إحدى الجلسات أو السهرات مع أصدقائي في أوقاتي شبه الفارغة ، أصمت و أشرد في حزن كبيرٍ يكاد يبتلعني ، فتيقظني كالعادة ربتة والدي على كتفي ،  آه .. كم حلمت أن أدخل الجامعة و أن أتسكع مثل أصحابي و أعمل بمحظ إرادتي لأني أريد أن أعمل ، و أنام مثل أي شاب وقتما أريد مرتاحاً هانئ البال ، و لكني من شدة سوء حظي لا أستطيع حتى أن أحلم،  أعلم أني ضعيف لأني لم أعارض أبي بفكرة الزواج هذه و لكن لدي الآن أبناء ، حتى سوء حظي جلب لي ولدين في آن واحد - هذا ليس اعتراضا على مشيئة الله - و لكني بالكاد أعتاد على فكرة وجود امرأة تشاطرني حياتي و طعامي ، أما الآن فلدي ثلاثة يشاطرونني كل شيء ، و لكنهم أبنائي .. نعم هم جزء من لحمي و دمي ، ضحكتهم بالعالم كله ، حتى أني أخاف عليهم من أي شيء .

نضجت مشاعري مبكرا و تعلمت كيف أكون أباً في وقت سريع ، لكن لا بأس بذلك .. يوقظني من هذا كله صوت أبي : ما بك تصلبت في مكانك ؟ ، هيا اذهب لعائلتك فهم بانتظارك منذ الصباح ، و لا تطل السهر مرة أخرى،  لم تعد أعزبا و صغيرا كالسابق .

ترتسم على وجهي ابتسامة ساخرة : متى كنت صغيراً في الأساس ؟ ، حسناً .. لا بأس بهذا أيضا ، يجب أن أرى عائلتي الآن و أنام الآن فغداً لدي عمل شاق .. بداية الأسبوع دائما شاقة و كأن الناس خرجوا من الملاجئ الأرضية .

في صبيحة اليوم التالي و كالعادة استيقظت على صراخ أطفالي .. كان هذا منبهي اليومي تناولت فطوري بسرعة و خرجت لمحال الحاج محمد لبيع الملابس ، سرت الطريق كله أسُفُ الحجارة هنا و هناك متبرماً و لكني سعدت للحظة متذكراً كأس الشاي الساخن و الكعك اللذيذ الذي يحضره ابنه معه ، ما إن وصلت حتى سمعت الحاج يصرخ بأعلى صوته على العمال ، لدينا اليوم طلبية مستعجلة .. أيمن و عماد ستذهبان اليوم إلى المصنع لتشرفا على الطلبية و توزعاها على المحال ، و بعد أن تنتهيا عودا إلى هنا مسرعين لدينا عمل هام ، هيا انطلقا .. ، في الطريق كان أيمن يتحدث و كنت صامتا لم أتحدث أبدا ، عند وصولنا المصنع نظرت لأيمن بحزن و أسف واضعا يدي على كتفه : أيمن ، إني آسف يا صديقي ؛ لأن قدرك أوقعك بصديق سيء الحظ مثلي .

انتهى عملنا في المصنع بعد ظهر اليوم ، ثم توجهنا للمحال تناولنا غداءنا سريعاً و بدأنا بتعليق الملابس الجديدة الواصلة من المصنع ، أخيراً حل الليل ودعت الحاج و خرجت و أيمن إلى الطريق كل منا إلى وجهته ، أيمن ذهب إلى سريره و عماد  السيء الحظ إلى الصيدلية ، استلمت المناوبة الليلة .. فتحت التلفاز أقلب المحطات باحثاً عن شيء مسلٍ ، أرتشف الشاي الساخن بلذة الراحة الخدرة بجسمي ، آه كم أنا سيء الحظ تبقى نصف ساعة حتى أغلق المكان و أغادر لسريري .. مرت النصف ساعة بطيئة جدا .. 

 تحت ضوء الشارع لمحت طفلاً صغيراً متكوراً بجانب الصيدلية ضاماً قدميه إلى صدره يفترش علباً كرتونيةً فارغة متوسداً على إحدى ذراعيه الصغيرتين ، يبدو أنه كان مستأنساً بي و بالضوء  المنبعث من الصيدلية.. اقتربت منه فنظر إليه بوجلٍ و بعينين ناعستين .. انحنيت متلطفاً  مستفهماً عن حاله و بقائه حتى هذه الساعة المتأخرة ، بعد صمت طويلٍ و مطبق أخبرني أنه يتيم توفي والده و هو السابعة من عمره .. اضطر للخروج من المدرسة لإعالة أسرته بعمله في بيع علب البسكويت .. و لأنه يقطن في مدينة أخرى بعيدة يضطر للبقاء في بيت أقاربٍ له في هذه المدينة .. سألته : إذن ، لم لا تذهب إليهم .. بعد صمت قلقٍ آخر ، أخبرني أنه يخاف العودة بعلب البسكويت معه خشية أن يأخذها أقاربه منه و يتناولوها و بهذا لا يستطيع تحصيل النقود و لربما يطرده ربُ عمله .. علت الدهشة وجهي و استوطنت ، شعرت باختلاجٍ في صدري لم أدري أهو انقباض أم أسارير فرح صغير .. ربما لأنها المرة الأولى التي أشعر و أرى فيها أحداً أسوأ و أتعس حظاً مني .. مع هذا ابتسمت و مسحت على رأس الصغير.. و اشتريت منه العلب المتبقية و رافقته على طول الشارع .. حتى أنني تفقت معه على شراء بعض العلب كل يوم أصطحبها معي للعمل أو للأولاد في البيت .. هذه كانت هديةً مدفوعةً مني إليه لأنه كان بريق أملٍ و تفاحة حظٍ أعادت إليّ الإيمان بالحياة أو العالم .. لأنه أراني ما كنتُ رافضاً رؤيته .. أن هناك من هم أسوأ حظاً مني .. من لم يمتلكوا عائلة.. من نضجوا بشكلٍ أسرع و أبكر.. من هم مضطرون لإعالة أشخاص أكبر عمراً و أضخم حجماً .. و لأني تخليتُ عن سَخطي .. و لأني تخليت عن دور المضطهد في الحياة .. و لأني لأول مرة أراني محظوظاً لست سيء الحظ بذاك الشكل و القدر .. بائع البسكويت  كان معي في طرقاتي الليلية مذكراً إياي بنعم ربي التي تناسيتُ حجمها و قدرها ..

" و أما بنعمة ربك فحدث "

#الحمد لله دائماً و أبداً.


35
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}