• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
نغم و أخواتها
نغم و أخواتها
مقال يروي ماتعانيه نغم و صديقاتها ذات التسع سنوات في خضم الحرب الدائرة في بلدها .

استيقظتْ على عجل ، بعد نداء الأم المتكرر ، فطرتْ فطوراً متواضعاً ، لبستْ هندامها ، أعدّت نفسها جيّداً ، أمسكتْ براحة كفِ أختها ، ترجّلتْ إلى مدرستها بصحبة الأخت الصديقة  . تعود منهكة ، مُرهقة ، أضناها كثرة الوظائف وحرُّ الطريق ، لكنها لن تجدَ ملاذاً للراحة والسكينة ، تهبط حقيبة الدراسة ، لُتقلع حقيبة العمل على مطار أكتافها . مضى عشرة أعوامٍ على تسجيل اسمها كعدّاءةٍ في مضمار الحياة ، عباءتها تلوّنتْ بالأسود نقُشت ببعض البياض نتيجة احتكاك الجدران وأرصفة الحدائق ، تملك تاجاً أسودً على رأسها حاظراً انكشاف شعرها ، لديها غمازةٌ في خدها الأيمن زادتْ من جمال رونقها ،عيناها من النوع اللوزيّ تتوسطهما حدقةٌ بنيّة ، كانت سمراء من النمط الموحي للشعراء والملهم للكتّاب . أما شخصيّتها ، فكانت لروحها المرِحة سمةٌ بارزة في كشف نواياها ، جريئةٌ عند الحق لا تخشَ أحد ، ليّنةٌ كطفلة وصلبةٌ كأمرأةٍ عاقر طلبتْ لزوجها عروساً ، امتلكت جسد طفلة بعقل رجل تحمّل مسؤولية أمه وأخوته . تبدأ المسير للعمل .. تحملُ كرتونة البسكويت وتتجول في أزقة المدينة ، حالمةً ببيعٍ سريع ، للعودة باكراً قبل انحسار البشر وغياب الشمس والقمر ، تتجول في الأسواق ، بين ماركات الملابس ، بين روائح المطاعم ، بين ألوان الآيس كريم، عند المساجد والكنائس ، عند التجمّعات وعلى مفترقات الطرق ، علّها تظفر بزبونٍ دسم يأخذ البضاعة بأكملها . الملتقى بين الأختين عند نقطةٍ معينة كلّ ساعة ، لإحصاء ما تمّ جمعه ، لمناقشة بعض الأمور اللوجستيّة ، مع أعضاء الفريق والذي شكّل طقساً من طقوس الحياة اليوميّة في تلك البقعة ، يضم الفريق عدّة أشخاصٍ في مقتبل العمر ، منهم الصبية ومنهم البنات ومن أماكن متفرقة ، تجمعوا في مهنةٍ تكاد  لا تُعرف في بلادنا من ذي قبل ، أما في حالاتِ الحرب فترى العجب العجاب والمآسي الموجعات . وأيُّ عملٍ ذلك .. التسوّل . أن ترى أطفالاً مكانهم المنزل والمدرسة بين أحضان أهلهم ، مترفين من الدلال ، مُشبعين من الحنان  ، أجُبروا على النزول في فندق التسّول حيث السماء والأرض فقط لا غير ،أن تتشبث بكَ طفلةٌ راجيةً بعض المال ، أو بشكلٍ  أدق ، تطلب شراء البسكويت مقابل مبلغ المال نفسه ، وبسبب من جعلوا هذا الأمر أداةً للإحتيال والنصب ، فتشكك بنوايا الجميع  بدايةً  حتّى تتبين الخيط الأبيض المسالم الصادق مِن الخيط الأسود المظلم الحالك . كانت نغم وأختها ، وآية ، وصفا ومروة التوأم ، مريم ، وردة، والكثير من الأطفال اللذين قضت الحياة لهم أن يتركوا مقاعد الدراسة ، والجلوس في مقاعد التسّول ، نتيجة الحرب المضنية والفقر الموحش . أذكر مرةً ، طلبتُ من نغم أن ألتقط " سيلفي " معها لحفظ الصورة في سجليّ ، خشية أن لأراها ثانية ، فهي من الشخصيّات التي تلج القلب بسرعةٍ فائقة ، لا أنسَ حينها كيف توسعت عيناها ، وفُتح ثغرها ، وارتسمت على ملامح وجهها الدهشة المشبعة حياءً ، قالت ويديها على خصرها " عيب " ، أخجلتني بعفتها رغم براءة طلبي ، أي تربيةٍ حازت عليها نغم ، وأي عفةٍ اكتست بها تلك الطفلة . طفلةٌ لم تتجاوز عشرة أعوام دِثارها العفة والحشمة ، تعمل في الطرقات ، ونساء العالم يلبسنَ ما يفضحُ أجسادهنَّ ، في زمنٍ تضاءلت الرجولة في أجساد الذكور . ذاتَ مساء، بينما كنت جالساً على مصطبة أحد الحدائق ، جاءت مهرولة وهي تنادي بإسمي قبل هروبي منها ، قالت أين " المعلوم " ؟ تقصمتُ دور الحزين ، وأعلمتها بأنني عاطلٌ عن العمل ، وطلبتُ نصيحتها في عملٍ يسد رمق جيبي ، رمقتني بنظرة استياء واقترحت علي ، أن استورد كراتين البسكويت و افرشها في الطريق ، أو أن أعمل بنفس مجالها ، لم أندهش من عفوية تلك الطفلة ، و من فطرة قلبها الهش ، ومكانها الحقيقيّ هو المنزل ، حيث عبقُ الكتب و ألوان البرامج التلفزيونيّة المخصصة للأطفال ، ليس هنا الموقع الصحيح ، لعلّها تتساءل دوماً هل هنا مكاني ؟ بين هؤلاء ، لستُ مُجبرة على تحمّل الإهانات ،وغير مضطرة على جمع الفتات ، كنْ على يقين أنها تتساءل الآن . يُعَدُّ التسّول من الأمراض المتفشيّة في الواقع العربيّ ،لكنّه أضحى وباءً في سوريا وخصوصاً في الشمال السوري  ، نظراً لسوء الأوضاع المعيشيّة ، وتدهور أحوال النّاس ، وانحسار المستوى المطلوب للظفر بعيشٍ رغيد ، والتهجير والنزوح من مناطق  إلى آخرى ، وقلة فرص العمل ، الكثافة السكانيّة العالية ، والكثير من الأسباب التي تجعل الفرد منّا متسولاً في زمن الحروب .   أفشتْ لي " آية " صديقة نغم سراً يوماً ما ، أطلعتني على خطتها اليوميّة ، لا بد لها من جمع ثلاثة آلاف ليرة كلَّ يوم ، هذا مطلب والدتها ، و ما يزيد عن هذا المبلغ فهو حقٌ مشروعٌ لها ، لا أعلم إن كان مطلب الوالدة طمعاً وشجعاً في حب المال ، ولا أدري إن كان حال العائلة مزريٌ لهذا الحد ، الذي يجعل أم تضحي بطفلتها وهي أغلى ما تملك ، لتقذف بها في غياهب التسّول .   لا أنكر وجود أعدادٍ غير قليلة من مُمتهني التسّول ، يجمعون الأموال ، وينوحون نواحاً ليس كمثله شيء ، ينفطر قلبك على شدة عاطفية كلام المتقدم ، وصعوبة انتقاء الكلمات ، هؤلاء قد أحبوا المال حباً جما ،  وقتل الشجع والطمع أجسادهم ، و أذبل أرواحهم .   بالمقابل خُلط الحابل بالنابل ، الصالح بالطالح ، لم يُعرف من هو صاحب الحاجة ، من أذل نفسه وعلّم أطفاله على السؤال ، علينا التحقق أو عليك اقتلاع المشكلة من جذورها . أخبرتني " نغم " عن عائلتها ، لديها اختٌ تزوجت وغادرت البلاد مع زوجها ، وهي الآن تُعَدُّ الكبيرة ، والدها متوفي، والدتها تكون بمحاذتها تقريباً، كي لا تغيب عن نواظرها ، لديها أخت صغيرة كما أسلفنا سابقاً . نغم تنظف المنزل وتساعد في الطبخ وتجلب الحوائج ، نغم .. رجل المنزل . في أحد المرات طلبتْ مني مبلغاً ينقصها لشراء سندويشة " شاورما " ، طلبت مني كعنصر جباية وأنا مرغمٌ على الدفع ، دفعتُ وأنا صاغرٌ لتلك الطفلة ، التي وفي يومٍ ما وضعتُ أختي بدلاً منها ، كم وجدته شنيعاً ذلك التخيّل ، أختي التي لا يُرد لها طلبٌ عند أهلي ، تخيلتها تطلب من هذا ، وتتملق هذا ، ويجول نظرها في الأجواء معلنةً الخنوع والخضوع لما يجري معها ،ربما بكتْ بكاءً لا يعلم به إلا الله وحده ، ربما تعبتْ من هذه الحياة وتمنت الموت.      جميعنا نتخيّل ، لكن بدون إرادةٍ حقيقية على التخيّل ، سننفث هواءً  كثيفاً الآن ، مليئاً بالكآبة ، لكننا سنعود لحياتنا متأسفين لحال " نغم " وأخواتها ، مستمسكين بعذر الحرب وبراثنها . ما يحتاجه هؤلاء الأطفال منْ يحتوي عالمهم ، ويستوعب هَمهم ،ويربّت على أكتافهم ، من يعيدهم إلى مدرستهم ، لأن المستقبل انُتهك ، وعاث الفساد في حياتهم ، ودُمّرت أحلامهم ، وفرضتْ الحياة واقعها على رؤوسهم ، ولم يبدوا أي اعتراض ، كونهم اطفال ، والطفل لا يدرك شيئاً بعد ، فاللهو هو أقوى مراحل النسيان ، ونهارهم لهوٍ وليلهم سبات .   مريم صديقة نغم ، من النوع المرِح أيضاً ، بقيت ورائي لأكثر من واحد كيلو متر ، وهي تنادي " أنت زنغيل ، الله يزوجك " ، وهي تضحك ، وتضحك الناس علينا .   لا تخلو الحياة من  المنغصّات والمشكلات ، لكن عندما ترى مصُاب غيرك ، تهون عليك مصائبك ، وتحمد الله على ما أتاك ، خاصةً اذا أكرمك الله بطفلة زيّنت  وجمّلت معنى الحياة بالنسبة إليك ، ف " نغم " وأخواتها ، حُرموا ذاك الشيء ، لا أعلم لماذا أكتب عنهم ، لكن عند رؤيتهم في طرقات المدينة أراهم من أهم المشكلات التي تعج بها بلادنا الآن ، فالثورة والمستقبل المنشود هو عند الأطفال ، وليس عندنا نحن .


12
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}