• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
مطرٌ من نار
مطرٌ من نار
هنا غزة ، صوت الراديو ينبعث من كل مكان أسمعه من بيوت الجيران و غرفة جارنا العجوز الذي ألفته الحروب ، كم أكره الراديو و الأخبار كل ذكرياتي معه رافقتني منذ طفولتي في الاجتياحات البرية و اقتحام البيوت ...

دقيقةٌ واحدة ، دقيقةٌ واحدةٌ فاصلة بين الحياة و الموت ، بين الاعتياد و الصدمة المفاجأة ، بين العمر المليء بالذكريات و بين اللاشيء ، الصور القديمة كلها تتلاشى و تمسح ، آثارنا الباقية و خطواتنا تمسح في الثواني الستين ، دقيقة باقية لاغتيال المنزل الحزين ، ينظر من بعيد نظرة وداعٍ إلى أهله و ساكنيه يبادله أهله النظرة ذاتها بعيونٍ جافةٍ كصحراء قُطِع عنها المطر فأصبحت عقيمًا لا تطرح الدموع ، دقيقة واحدة لإبلاغ الجيران الملاصقين بهجر بيوتهم الجريحة و لإشعار الحي بأكمله بأن هناك منزل يحتضر ، بأن صاروخ الموت يحوم و سيسقط في الثواني المتبقية ، نوافذ المنازل كلها جردت من زجاجها خوفًا من أن تتحول لشظايا و سكاكين زجاجية تنغرس في أجسادنا الهشة ، دقيقة و جميعنا متراصين بجانب الحائط ، يأمرنا أبي بالتفرق في عدة غرف و أماكن حتى لا يأخذنا الموت دفعة واحدة !  و لكننا نتجمع معا خوفًا من الموت فرادى ، كي لا نموت مرتين فالموت في جماعات أرحم بكثير ، الثواني هذه مهمة جدًا ، نحاول فيها حفظ وجوه بعضنا و ملابسنا الأخيرة التي نرتديها ، خوفٌ ينتابنا من عدم تذكر هيئتنا الأخيرة !

دقيقة واحدة تسافر فيها إلى حواسك العذارء حيث الديناصورات المنقرضة و الطبيعة الصافية البريئة ، نحو عوالم تألفها و لكنك هجرتها ، هذه الحواس لا يعرفها إلا من عاش الحرب  تخرج فيها عن الحياة  المعروفة و الاعتيادية ، تهرب فيها لنفسك الأولى ، دقيقة واحدة مليئة بالهدوء المخادع ، بانتحاب الصغار و تماسك النساء و حيرة الآباء و عيونهم التي تدور في قلق جنوني ، و أنا الجالسة في اللاشيء ، يكبر اللاشيء ليلفني بداخله ، لا أشعر بشيء سوى الفراغ ، يقطع الصوت انفجار الصاروخ و نحيب البيت الحزين تتلوها صرخة تخرج من جوفي فأتفاجأ من اللاشيء كيف خدعني و أخرج هذه الصرخة ، هل أنا خائفة ؟ لا أعرف و لكنه الموت ! لا يهم هي دقيقة و احدة فاصلة بين أجسادنا المحسوسة و أرواحنا السابحة في الفضاء . لم أكن خائفة و هذه الصرخة لم تعكس داخلي لذا كان علي في كل المناوشات المسبوقة باستقبال الصواريخ  أن أضغط على لساني لكي لا تنفلت منه الصرخة رغمًا عني ، دقيقة واحدة و تهاوت غرف الدار الحزينة و تهاوت معها قلوبنا .

و لتنتهي الحفلة المحضرة مسبقًا و لتبدأ حفلة أخرى لا نعرف موعدها و لكننا ننتظرها ، يكون فيها الصاروخ هو شمعة الوفاة و بداية الآلام التي لا تخمد أبدًا .

الليالي أسوأ ما في الحروب كلها لا أعلم لماذا؟  و لكن لربما بسبب الصواريخ الحاملة للهب الأحمر الذي يضيء ليالي الصيف مثل البرق في الشتاء و لكن البرق أقل سادية فهو ينذرنا بأصواته الرعدية و لكن الصوت و الضوء هنا يتصاحبان معا فتكون الصدمة و الخوف أشد وطأة على قلوبنا الواجفة من رهاب المشهد ، النوافذ كلها خلعت زجاجها خوفًا عليها فتفصلها عنها رغم حبها و حاجتها إليها و لكن الخير في رميها أكثر ، فهي لن تؤذي أحدًا و بهذا لن تستبدلها و تفارقها فراقٌ صغيرٌ أفضل من الوداع الأبدي

في إحدى الليالي الكبيسة ، كانت الكهرباء مقطوعة و أنا كالعادة أهرب من النوم أخاف أن يهبط فوق رأسي صاروخ فلا أستطيع الهرب لموت قدماي و ارتخاء عضلاتي و لكن كان لا بد من النوم بعد ثلاث ليالي ، تسلل فيها النعاس إلى جفوني وجدتني نائمة و لكني أدركت ذلك بعد أن استيقظت على صوت انفجار صاروخ في بيت جيراننا المقابل لنا ، هربت و إخوتي من الغرفة كان هناك صاروخ آخر يسقط و ضوء أحمر قبالة عيني ، سنموت كلنا بعد أقل من ثلاثين ثانية من ركضنا تجاه صالة البيت و لكن مضت ستون ثانية و أكثر و نحن متسمرون مكاننا ، أوه لم نمت كنا نحملق بعيون بعضنا فرحين بحياتنا مذهولين من فشلنا الفيزيائي و في حساب وقت سقوط الموت و زمن ركضنا ! و لكن المفاجأة المضحكة المبكية هي أن الضوء الأحمر كان ضوء غرفة جارنا العجوز المشابه لضوء الصاروخ متزامنًا مع صوته في آن واحد ، تبًا للموت هل كان يسخر منا طوال الوقت ، ما هذه البروفات السخيفة التي لا طائل ورائها ؟! ، هو يعلم أنه حين سينقض علينا لن يبعث بصاروخ تحذيري يمنحنا ستين ثانية من حياتنا لنكفل فيها فقط أرواحنا دون مقتنياتنا تبا لهم كيف يضعوننا تحت الامر الواقع ، و هكذا عدنا للغرفة منتظرين الموت حتى إشعار آخر !

هنا غزة ، صوت الراديو ينبعث من كل مكان أسمعه من بيوت الجيران و غرفة جارنا العجوز الذي ألفته الحروب ، كم أكره الراديو و الأخبار كل ذكرياتي معه رافقتني منذ طفولتي في الاجتياحات البرية و اقتحام البيوت و الممارسات البشعة التي يمارسها الاحتلال ، كانت أمي تدير المذياع و نسمع جوليا بطرس تصدح بصوتها  الثوري" وين الملايين الشعب العربي وين " ، ليعلق أبي بأن لا ملايين موجودة فقط الكثير من القلوب الجبانة و الخائفة ، التطبيع فقط موجود الفارق الوحيد أنهم استبدلوا الفوانيس الحارقة بصواريخ مزللة و مجللة لا تبقي و لا تذر إلا من شاء الله ، كنت و لازلت أسمع الراديو يصدح من أراضينا المحتلة يصف أجواء العيد في اليوم الأخير من شهر رمضان ، الكثير من العروض و الخصومات المميزة غير الموجودة في غزة ، كنت أود أن تكون ذكرياتي بالراديو مرتبطة بالسعادة و لكنها تنداح ألمًا خاصة يوم سمعت نبأ قصف بيتنا العتيق و غرفة نومنا .. صندوق طفولتنا و ذكرياتنا ، نعم بكينا حزنًا و شاركنا بيتنا مصابه ما كان لنا أن نخون ، أدرت المذياع مجددًا المذيع يتحدث عن ثلاث ساعات من التهدئة ! الناس الذين هربوا من بيوتهم قفلوا راجعين ليأخذوا القليل من المتاع و ليتأكدوا من سلامة مساكنهم ، في تلك االيلة كنت خارجة من المشفى مشهد لم أره في حياني كلها راعني ما شاهدت ، الناس يخرجون أفواجًا من كل حدب و صوب على أقدامهم و في العربات الضخمة ، أهي نكبة ثانية ! تلفت حولي أبحث عن جدتي لتصادق على أفكاري و لكنها لم تكن ، فقط ريح التشرد و البؤس منتشر لم تمض ساعة و اخترق العدو الهدنة ليعلق العائدون و ليموت من يموت و يهرب من يهرب ، هنا شعرت بأني محظوظة مع و لوجي للبيت و  بدء الأمطار الساخنة بالتساقط ، ثم لأبدأ بتقريع ذاتي بأن هناك العديد من ماتوا و أصيبوا حين سلمتِ أنتِ فأنهر نفسي و أنهي حديثًا أعرفه لأنبه على أني أيضا ورقة في يد جوكر الموت ربما يصيبني و يزورني بعدها ليدلل على نزاهته ، ثم أبدأ بالتساؤل عن ذنبنا نحن الفلسطينيون  من يخرجون من بيوتهم يحملون السلاح صادين عن غارات العدو يودعون عوائلهم ، يجلس الموت فوق رؤسهم يزحفون و يركضون و لكنه متشبث بنواصيهم يجذبها رافضًا تركها  يترقب فرصة ليعانق حناجرهم  ويسلبهم أرواحهم ، و نحن المدنيون العزل في حين يتكالب المحاربون على بعضهم ، كلٌ منهم حاملاً بندقيته ، على رأسه خوذته و أمام قلبه بزةٌ تحمي قلبه المتواري خلف ضلوع صدره ، هناك آلاف المدنين العُزّل أمثالنا ممن يواجهون الموت غير مسلحين سوى بآياتٍ و أدعية بأصواتٍ واجفة خائفة ، مشهدٌ كهذا يُكرر يومياً في بلادنا المغصوبة و المحروقة بألسنة نيرانهم و مدافعهم ، هم يركضون نحو الجحيم و نحن نركض نحو ظلٍ باردٍ دافئ يحمينا و يحتضننا ، آملين أن نعيش مستقبلاً أفضل يزهر فيه الأمل ، و لكن تهمتنا أننا فلسطينيون و أننا عرب نرفض التسليم و التطبيع و نسيان بلادنا و أرضاينا . حروبٌ كثيرة عشناها و ما زلنا مهددين بها ننظر كل يوم للسماء خوفًا من مطرٍ حارقٍ يلهب قوبنا و بيوتنا ، منتظرين فيه صباحًا آخر مدهوشين من بقائنا على قيد الحياة بعد انحسار عاصفة  الليلة الساخنة ، ناظرين للسحب الفولاذية التي تُهطِل على رؤسنا مطرًا من نار .


60
0
1

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}