• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
مسلسل Dark ؛ و البطل الأعظم الكتابة عن النظريات الفلسفية و الفيزيائية فى شكل درامي .
مسلسل  Dark  ؛ و البطل الأعظم  الكتابة عن النظريات الفلسفية و الفيزيائية فى شكل درامي .
عادةً ما تتمم المسلسلات القائمة على الخيال العلمي بتميمة واحدة بسيطة ، غالبًا لا تؤثر على سير القصة كقصة درامية غامضة عادية تمامًا ، حتى حينما تعتمد على تميمة السفر عبر الزمن سواء إلى الماضي المستقبل تتجنب اختلاط مقابلة الشخصيات لنفسها أو تواجدها في مكان واحد أو عودتها لَما هو أبعد من زمانها ، حتى حينما تتلاعب على تميمة الجد و الحفيد و محاولات التغير تبقيها في أقل حدود التعقيد و هذا عكس ما فعله " Dark " تمامًا ..

" ما نعرفه عن قطرة .. و ما لا نعرفه المحيط " .                  

 


" Dark  " هو مسلسل خيال علمي و دراما و غموض من إنتاج نتفلكيس ، ثلاثة مواسم 26 حلقة بطلها الأهم و الأعظم هو الحبكة و الكتابة .


 

أربعة عائلات يعيشون في مدينة " فيدان " بلدة ألمانية صغيرة بينهم علاقات متشابكة  .


 تبدأ الأحداث باختفاء الطفل  " ميكيل "  بعد حادثة اختفاء لطفل آخر ، و تبدأ المعضلة حينما يكتشف " يوناس " أن ميكيل حبيس زمن آخر يفصل عنه 33 عام .. وتتوالى اكتشافاته بأن " ميكيل " الأخ الأصغر  لأصدقائه " ماغنوس" و " مارثا " هو أبوه " ميشيل " الذي انتحر قبل عام ليضعنا المسلسل مع أول مفارقة زمنية" مفارقة الجد و الحفيد " .


 

تقوم فكرةالمسلسل على نظرية العود الأبدي لفريدريك نيتشه ،التي يؤمن فيها  بأن الأحداث الكونية تتكرر بنفس النمط والكيفية، فما حدث في الماضي يتكرر حدوثه في الحاضر، وما يحدث في الحاضر سيتكرر حدوثه في المستقبل عبر دورات زمنية متكررة .


و هو ما بنى الهيكل الرئيسي للمسلسل حيث دمج الفكرة بالسفر عبر الزمن من خلال بوابات نجمية أرضية تكونت في كهف في عمق الغابة نتيجة لكارثة انفجار نووي حدث و أنتج كمًا هائلًا من الطاقة مكَّن من فتح بوابات لها مسارات دودية تفتح على أبعاد زمنية مختلف يفصل بين البعد و الآخر 33 عام ..


و بذلك أصبح يملك أربعة دورات زمنية يفرق بين كل دورة 33 عام ، أي كل دورة تمثل حلقة مغلقة تكرر فيها نفس الأحداث في كل مرة لتصل إلى نفس المستقبل .


1921 .. 1954.. 1987 .. 2020 .. 2053


كما تقوم شبكةعلاقات الشخصيات على نظريات المفارقات الزمنية الثابتة ،


ففي الموسم الأول تدور حول رغبة " يوناس " بإعادة ميكيل لزمنه الأصلي ، لذلك نجدأننا أمام مفارقة " الجد و الحفيد " فإذا سافر " يوناس " إلى الماضي ليعيد " ميكيل"  ، فهذا سيؤدي إلى عدم زواجه من " هانا " و بالتالي لن ينجب " يوناس "لإعادته عبر الزمن ..


ثم يقابل" يوناس " شخصيته الأكبر التي تساعده لاكتشاف كل ذلك ثم تخبره ما سيمربه .. فيقع في مفارقة فلسفية حيث لو قابلنا أنفسنا هل سنصدقها ؟ فماذا لو شخصكالأكبر يضللك كي تسير في نفس الخط كي يصل إلى ما هو عليه اليوم .

 

" الماضي لا يؤثر فقط في المستقبل، بل المستقبل أيضًا يؤثر في الماضي، الأمر يشبه مسألة الدجاجة والبيضة، لم يعد بإمكاننا الجزم بشأن من وُجد أولًا، فكل شيء مترابط" .

 

"تانهاوز " صاحب متجر الساعات المهتم بنظريات الزمن و السفر عبره ، تأتي له سيدة مسنة " كلوديا " تطلب منه صناعة آلة للسفر عبر الزمن و تأتي له بمخطوطه لها و كتاب يحمل اسمه لم يكتبهما بعد ..


 و من هنا يخلق التناقض الزمني فمن وجد من أولًا؟ هل " تانهاوز " هو من أوجد الكتاب أم أن الكتاب وجده ؟


و يظهر جليلًا في اكتشاف " يوناس " فيما بعد أنه المحرك الرئيسي للحدث دون أن يدرى ،يريد أن يمنع موت أبيه فيكون هو من أعطاه فكرة الانتحار و الرسالة التي تركها له لتسير الأحداث لما هو مُقدر لها !


و أنه هو نفسه" آدم " شخصيته في شكلها الثالث الأكبر عمرًا و التي تحرك كافة الأحداث من أحدي النواحي .

 

و المفارقة الزمنية دعمها المؤلف بالتفسير على لسان " تانهاوز "  حين شرح مفارقة التمهيد أو الحلقة السببية .

و هي أحدى المفارقات للسفر عبر الزمن و التى تحدث عندما يكون حَدث في المستقبل هو السبب لحَدث في الماضي، وبالتالي يكون هو السبب للحَدث الذي في المستقبل ، يتواجد حينها كلا الحَدثين في الزمكان, لكن منشأهما لا يمكن تحديده .


كمعضلة البيضة و الدجاجة ، من الأصل ؟ لا يمكن أن تعرف ، فلاكهما حدث وجودي حتمي لحدوث الآخر .

ظهرت بوضوح  تلك المفارقة في إشكالية الابنة إليزابيث التي تلد أمها شارلوت، وفي نفس الوقت شارلوت هي أم إليزابيث .

 

يُلخص ألبرت آينشتاين الفكرة الأساسية في الموسم الأول و الثاني في مقولته  بأن " هناك علاقة غير مفهومة بين الماضي والحاضر و المستقبل " .


و قد بنى الكاتب " Baran bo Odar " الموسمين الأول و الثاني فوق تلك النظريات عن الزمن تظللهم فلسفة نيتشه عن حتمية تكرار الدورة الحياتية ، التي ستعاقبها دورات مشابهة لها تكرر فيها الأحداث نفسها  و إلى الأبد .

 

فتتكرر الإشارة من الشخصيات إلى تلك الفكرة ، فتصرح بين الحين و الآخر بشعورهم أنهم قد مروا بالأحداث نفسها من قبل لكنهم لا يدركون على و جه الدقة متي و أين ؟ .. و كذلك الجملة المتكررة على لسان " هيغل العجوز " سيتكرر الأمر " ، و وجود جماعة " هكذا خُلق العالم " فالأصل يعيد تكرار نفسه في دوائر مغلقة ، لنفهم أخيرًا أن البداية هي النهاية والنهاية هي البداية .


أما الموسم الثالث و الأخير و الذى ظهر كمنظور مختلف تمامًا للأحداث بفرضية جديدة ، هي التي وضعها الفيزيائي " إرفين شرودنغر " الذي حصل على نوبل بفضل أشهر معادلاته" معادلة شرودنجر " ..


" نظرية قط شرودنجر " توضع قطة في صندوق معدني إلى جانب عداد جايجر وقارورة من السم ، بالإضافة إلى مطرقة و كمية ضئيلة لمادة مشعة ،  عندما تحلل المادة المشعة ، يكتشف عداد جايجرذلك ويدق المطرقة لإطلاق السُم في القارورة، الذي يقتل القطة بعد ذلك.


إلى أن يفتح الصندوق لا يعرف المشاهد هل القطة حية أم ميتة ، و بالتالي فالقطة حية و ميتة في نفس الوقت ، أي أن كلا الاحتمالين قائمين و كلاهما صحيح .


بشكل أكثر بساطة تلك مفارقة زمنية جديدة حيث هناك العديد من الاحتمالات في الكون ، يحدث كل منها في عالم منفصل عن الآخر ، فيقدم المسلسل في الموسم الثالث عالم آخر مشابه لعالم " آدم أو يوناس  " و هو عالم " إيفا " التي هي نفسها " مارثا " في عالم  يوناس ، و كلا العالمين متشابكين بعقدة أبدية .

 

فتقوم حبكة الوصول للنهاية على صراع فلسفي بين جهتين ، الأولى تؤمن بوجوب تكرار حدوث كل شيء في كل دورة زمنية بذات الأحداث للحفاظ على العقدة بين العالمين ، و الثانية تؤمن بإمكانية تغير الماضي لتفادي كل الأخطاء المترتبة عليه .

 

أكثر ما يجعل البعض لا يفهم المسلسل هو المغالطات الحتمية للدائرة المغلقة ، كمن يأتي أولًا لكن المسلسل ألح و كرر أن كل شيء مرتبط و متصل ، أن الأحداث تتكرر دون توقف وتبدأ من حيث تنتهى بنفس الكيفية في دائرة مغلقة لا سبيل لكسرها .

 

يأتي هنا دور كلوديا، التي تريد كسر هذه الدائرة والحلقة والدوامة لمنع الأحداث من التكرار ، وإعادة التوازن الطبيعي إلى حياة العائلات والأشخاص، وتفادي الأخطاء التي حدثت ، وذلك ظهر في الحلقة الأخيرة حيث شرحت بداية حدوث كل شيء ، و أنه لا بداية و لانهاية في الدوائر المغلقة و أنما نقطة أصل خارجهما بدأ عندها كل شيء .

ركز الكاتب على إعطاء دوافع عاطفية للشخصيات لتتقبل كل ذلك التخبط المفهوم في الأحداث ، حيث تتحرك الشخصيات بدافع مشاعرها تجاه الأحداث ، فيقول آدم  :


" الناس كائنات غريبة، جميع تصرفاتهم مدفوعة بالرغبة وشخصياتهم يصوغها الألم، بقدر مايحاولون كبح هذا الألم وكبت الرغبة، لا يستطيعون تحرير أنفسهم من العبودية الأبدية للمشاعر "

 

تتجلى عبقرية الكاتب في استطاعته إرساء تلك القصة بكل تفاصيلها المعقدة و المتشابكة و رسم الشخصيات و خطوط أحداثها بشكل فائق الذكاء فاق كتابة الخيال العلمي المتلبدة أوالدرامية بشكل مبالغة جامعًا إياهما في حبكة متماسكة للغاية .

 

يسير المسلسل  على وتيرة واحدة هادئة ثابتة بطيئة ، لن يتسارع أو يفجر أحداثه في وجهك بشكل متلاحق ، سيضع المفارقات واحدة تلو الأخرى ليزيد العقدة عن قصد مبرر فهي ما يشكل عبقرية و قوة المسلسل ، كما يسيطر انفعالات باردة أقرب لهادئة على الشخصيات حتى في لحظات الصراخ و البكاء ، لا شيء يصرخ في وجهك كل فترة و هذا كان جيد في سياق مسلسل يعتمد على التركيز لفهم و متابعة أحداثه .

 


ظل المسلسل يحافظ على جودة كل حلقاته في الموسم الأول و الثاني ، ثم فجأة تخبت درجة إثارة الاهتمام في الموسم الثالث منذ نهاية الحلقة الثانية و حتى بعد منتصف السادسة بقليل لأشعر أنني في حلقة معادة من تكرار الحوارات و الأحداث المشابهة التي لا تضيف إلا قليلًا، ليعود من منتصف السادسة و حتى الدقيقة الأخيرة من الحلقة الأخيرة بشكل قوى متلاحق بالأحداث و التفسيرات عن التفسير و وضوح نقطة الأصل .


الأداءالتمثيلي كان واقعي للغاية ، ليس هناك أداء قوى رنان و ليس هناك أي خطأ أو انفصال من أي ممثل عما يؤديه ، و هو ما دعم المسلسل بالواقعية التامة حيث لا أداء تمثيلي مبالغ يفصلك عن التصديق رغم صعوبة و تعقيد الأمر و لا أي خطأ ، أكثرهم تميزًا كانت" جوليكا جنكينز " في أداء شخصية كلوديا في الثمانينات حيث أظهر تتعبيرات انفعالية حقيقية للغاية لَما تمر به الشخصية .


كما أن اختيارالممثلين لكل شخصية في مراحل عمرية مختلفة كان شديد الدقة ، مما أظهر جودة اختيار طاقم العمل و التحضيرات المتقنة التي لم تترك أي تفصيلة تمر دون التأكد من ملائمتها و إتقانها .

 

ربما ما يسبب عدم الفهم لدى البعض هو الإصرار على الأسئلة التي ليس لها إجابة سوى وجود النظرية، فالعمل قائم تمامًا على النظريات الفيزيائية و الفلسفية التي لا تقوم على تجربةعلمية ، فلا سبيل لإجابة كيف هذا و لماذا ذلك ، أو أن هذا ليس منطقي فالشخصيات نفسها تكرر ذلك بأن ما يحدث غير منطقي لكنه - في عالم المسلسل – حدث فلا سبيل من الكيفية المجردة عنه و أنما تتبع مسار حدوثه و تداخل الشخصيات لمعرفة تشابكها .

 

مسلسل " Dark  " واحد من أفضل أعمال الخيال العلمي التي شاهدتها إن لم يكن الأفضل من حيث الكتابة و التشابك و التعقيد و الاهتمام بالجانب الدرامي ، و سأختلف في تصنيفه حيث أنه يصعب إطلاق عليه مسلسل ممتع ، فهو أقرب لعمل مثير للاهتمام للغاية ، تجربة فريدة مختلفة دمجت الخيال العلمي بالنظريات الفلسفية  ، حيث يجعلك ترغب في معرفة تلاحق الأحداث و يجعل عقلك يعمل بكامل كفاءته لمحاولة تفكيك الأحداث و الوصول للفهم .


 

بالتأكيديستحق المشاهدة و في نهايته ستشعر بمتعة انتهاء الرحلة و لحظة إدراك تركيبته العبقرية .


حصل المسلسل على تقييمات عالية في مواقع الأفلام و المسلسلات ، فمن الصعب أن لا يثني أحد عليه لعبقرية القصة و الحبكة لكن ليس بالضرورة أن يتفق الجميع على تفضيله و الإعجاب به.

 

التقييم

9.3/10

 

 


8
0
2

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}