• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
من سيدي بالامام لسيدي بن عيسى
من سيدي بالامام لسيدي بن عيسى
Google+
عدد الزيارات
482
رحلة عابرة للحواجز وأبعاد الزمن بين مسجدين

من سيدي بالامام لسيدي بن عيسى ، ذلك اليوم لا يمكن لعقلي ذو اللون الرخامي الأملس ان ينساه، عندما ازدانت السماء بفستانها الازرق ذات خصلات الغروب الحمراء المتدلية ، و تكحلت الارض بأجمل أزهارها باعثة اطيب الروائح واجملها بين طبقات الهواء العديدة ...


وسط المباني يقع منزلنا ، في مبنى بسيط مطل على الشارع ، منزل بسيط ليس بالشيء الكثير ، صامد رغمتآكل السنوات و تعاقبها ، بالمناسبة لقد انتهينا من اعمال الصيانة منذ مدة بسيطة فلازالت رائحة الطلاء تملئحجرات المنزل لكنه الان أجمل من ذي قبل ..هذه غرفتي .. أول غرفة على اليمين ، بشرفة في خارجها ، انا اعشقها لقد قضيت بها معظم أوقات حياتي ..بجدرانها التي كانت متشققة وحيواناتها الطريفة التي تزحف باستمرار ، كانت واسعة رغم شكلها المستطيل الغريب .. و هذا الحديد ذي الطلاء الأسود الذي يغلف أطرافها و النباتات التي حاصره بمختلف أنواع الورود والأعشاب المفيدة .. لقد تعرفت علي بالرغم من السنوات الذي مضت ، ظننت بأنها قد نسيتني ...

 تبددت هذه الشكوك عندما قالت " اشتقت اليك "في الشرفة وقفت عندما لامستني نسمات الهواء بهدوءها المعهود، تعلمت الكثير عن البشر هنا ، انها دائما ما تحدثني هذه الشرفة عنهم و ما يدور بهم .. فهي تستمع لما يتبادر منهم من احاديث .. تعلم ما يدور في انفسهم جيدا .. وتعلم كيف يفكرون ... لا اعلم لماذا تركتها كل هذه المدة .. و لا أذكر سبب تركي لها .. كل ما يهم الان هو اني الان قد عدت و هذا هو الأهم ..جلست بداخلها حيث ما كنت أجلس دائما لمشاهدة العالم من خلالها .. خلال تفاصيلها .. خلال ثناياها ...لأول مرة يخالج قلبي شعور غريب .. قررت عيني التأكد .. لاشيء ... عاد الشعور مجددا ليداهم علي و لكن أكثر غرابة من قبل ..أراحني طير بني بخطوط سوداء صغير كان يتمرن على الطيران من الشرفة العليا ... عندما اشار الى تراكم الجيران و تزاحمهم داخل الشرفات .. نساء ، أطفال ، عجائز . في العادة لا نرى مثل هذا المشهد سوى فيحالتين ، فرح عرس أو حزن وفاة ...

وجهت وجهي حيث يوجهون ، هناك تجمع غير مألوف في نهاية الشارع بالقرب من المسجد ." ما الذي يحدث هناك ؟ " ، نزل هذا التساؤل على رأسي عندما نظرت الى ملقيه كما تنزل الفأس على لحم الأضحية في يوم العيد .. انها ابنة الجيران .. بوجهها الدائري الذي تغطيه نظارات بيضاوية الشكل ، و ظفيرتي شعرها المنسدلة كل على كتف .. طولها الفارع وابتسامتها .. كم من سنوات مرة و أنا لم الاحظها أو انتبه لوجودها ؟ ..الاجابة لم تتأخر .. فقد تعالت الاصوات القادمة من مسجد بالامام في نهاية الشارع ، منذ مدة لم أستمع لهذاالنوع من الموسيقى ، ان الاصوات تتعالى شيئا فشيئا و تقترب بشكل كبير من أسفل شرفتنا ..يا له من ايقاع اخاذ ، انه يستل الروح ، يحلق بها بين طبقات السماء ، جوار السحب البيضاء القطنية ، رفقت الطيور المحلقة في شموخ .. " أووو .. يالهي انني اسقط ! "لا ، اني في الشارع الآن ، بين الجموع " البندير " له صوت فريد ، أريد المشاركة ، أريد ان اسبح مجددا ، أريد ان اطير ...توقفت المحال اسفل الشرفة عن البيع .. كما ان الناس توافدت أعلى أسوار البيوت المتهالكة المهجورة لمشاهدة ما يحدث ، لم يمنعهم السقف المحطم لالمنزل من المزاحمة ، لكن من ذلك الرجل الغريب الواقف امام على عتبة المنزل المقابل ؟ . ذو الشعر الكثيف والطويل ، اللحية الكثة سرواله و قميصه المرقعين في غاية الغرابةو الطرافة ...


الانسجام هو ما يميز ايقاع هذه الموسيقى ، و غناء هؤلاء الرجال ..على الرغم من كل هذا الوقت الذي استهلكوه للوصول الىمنتصف هذا الطريق المعبد الصلب الممتد و الرابط بين المسجدين ..روح الحماسة تتقد في قلوبهم و قلوب الناس المحيطة بهم كما تتقد النار في ليلة شديدة الظلم وقودها حطب الأثام و الخطايا ..ماذا يحدث ؟ أين أنا الآن ؟ .. اه ، هذا صحيح انا الآن في وسط هذه الحشود كيف وصلت الى هنا ، الناس تحيط بي كما يحيط النمل بطعامه في ذروة نوبة عمل شديدة القسوة .. كسر تماسك هذه الصورة صوت البندير " يا ليتني من يضرب به ! " .. يا الهي ..حامله ينظر الي .. انه ذلك الرجل المخيف .. عن قرب انه أكثر اخافة و رعب ، بوجهه الكبير بعظامه البارزة و التي زادته قبحا !!يبدو بأنه سمع الحديث الدائر بيني و بين نفسي ..ماذا ؟ لقد التفت الى الجهة المقابلة .. يبدو بأنه لم ينتبه الى ما قلت نحن على أعتاب الوصول الى مسجد بن عيسى .. سينتهي هذا الطقس الجميل هذه العفوية ، البساطة ، السعادة المرتسمة على وجوه الجميه بأسنانهم المتلألئة الكاسر بريقها جموح المسافات ، الواصلة بلمعانها الى أعتاب السماء الحمراء البرتقالية ...


(ماء الزهر) ينهمر من الشرف المتراكم على أطرافها النساء و الأطفال من مختلف الأعمار كما تنهمر الأمطار الغزيرة في فصلالشتاء .. كنت لا أزالا الاحظ بنت الجيران على الرغم من هذا البعد ..كم أتمنى أن لا تنتهي هذه الطقوس .. و تطووووول ...


السماء بلا شمس الآن ، نحن نودع يوما أخر .. يوم مضى و انتهى من ايام هذه الدنيا .. ولكن سياتي غدا يوم جديد وتظهر الشمس مجددا ..فكما للشمس وقت تظهر فيه و تختفي فلهذه الطقوس ايضا اوقات تظهر فيها و تختفي ..لقد وصلنا للمسجد المنشود " سيدي بن عيسى " ، اذان المغرب على وشك ان يرفع من شيخ المسجد المحترق رأسه شيبا لامعا ،وانتهت كذلك هذه الطقوس التي أسرت قلبي فعلا .. لقد ايقظت روحي .. حررتها نحو اللامحدود ..استيقظت من الآحلام التي تملكتني بعد انتهاء هذه الطقوس من يد نزلت على كتفي كما ينزل القدر المكتوب على الأرض الخاضعة.. وجهت رأسي مميلا اياه نحو جانبي الأيسر .. انه حامل البندير .. بشعره الطويل ولحيته الكثة وبملابسه المرقعة والمخيفة.. ولكنه .. قدم البندير الي وهو يقول مبتسما " الآن .. حان دورك "


3
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}