• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
من أين ينبعثُ هذا الموت؟
من أين ينبعثُ هذا الموت؟
قصة قصيرة جدًّا / دنيا البوزيدي



"سيقولون عنه قريبًا: كان يُعاني من داء الاختلاف، ولن يقولوا أبدًا: هكذا خُلِق."

                       - دنيا البوزيدي -


"كيف يكتسح الموت الذباب تدريجيًّا.. من أين ينبعثُ هذا الموت، من الخارج، من كثافة الجدار، أم من الأرض. من أي ليلٍ يأتي..."

من السهل عليك أنْ تُكمل ما بدأته حين تكون وحيدًا. الرفقة تعني المقاطعة المنتظمة، النهايات المستحيلة، والبدايات الأزلية. لنْ تلحظ هذا في البدء؛ لأنك لا تعرف معنى الوحدة، أو أهدافها، أنت ببساطة لم تجد ما يدفعك إليها بعد.

ما أنْ تعثر عليه حتى تَعي فداحة كونك عالقٌ بين ما يُنجِز الإنعزال وما تَقْطَعُ التطفلات. هذا بالضبط ما يُخامرني بِكل مرة أبدأ بقراءة تلك الفقرة المُحببة لوضعي الراهن، فتجيء الزيارات الشيطانية لتحُول بيننا، مرةً تكون الابنة، ومرةً تكون الأخت، والآن ها هو الابن، ابنٌ لمن، لي ربما.. محظوظٌ لأنّ الزوجة سبقتك بكثير في رحلتك حيث الشرفة اللامتناهية.

حتى بأقصى حالاتك الروحية هشاشةً لا يُخيل لك أنه ثمة من يرحمك أو يَقبل التنازل عنك لصالح عزلتك التي ترغبها بشدّة، قد يكون تواجد الأطباء في هذه اللحظة له ما يُبرره قليلًا، لنقل أنّهم يقومون بواجبهم فحسب، ما لا أستطيع فهمه، هو الحضور المرهق للبقية، ماذا يُريدون منك تحديدًا، الخطأ كان خطئي.. ما كان يجب أنْ أُنجب لغزًا إضافيًّا يساهم بخلق مهازل بشرية أخرى، عندها كنت لأحظى ببعض الراحة بمفردي، في وقتٍ كهذا حيث يُشارف فيه الجسد عن نسيان حساب الزمن، وكل هذا لا يبدو سوى أعراضًا جانبية للاقتراب من اللازمان.

إنّهم لا يريدون شيئًا، يجيئون على دفعات تفصلها بضعة مساحات عددية. بيْد أنّهم لا يريدون شيء، ولكن، لا تُمنّي النفس أنّهم يفعلون ذلك شفقةً أو محبةً بك، هم فقط فضوليون، يعتريهم فضولٌ عارم عن الطريقة التي يُمكن فيها لحياة نبضت سبعين عامًا أنْ تختفي فجأة، يودّون رؤية ذلك، معاصرته ونحته بمخيلتهم قصيرة الأمد؛ لذلك سوف يسهون عنه سريعًا. لا تبكِ، لا شيء يستدعي بُكائي منذ اليوم عَدا عزلتي التي أرغبها بشدّة وتَواصل الفِرار منّي. ها هو ذا يرحل، الابن، لم يتحدث كثيرًا، أو أنّك لم تكن تُصغي إليه، وبماذا يَنفع الإصغاء إنْ كنتَ تُخفق في سماع أحد غير عواء الإنسان الجريح فيك.

لا أحفل بمغادرته، بل إنّي مغتبط لهذا الخواء، وكونه لي بأكمله يزيدني سرورًا، سأتابع قراءتي من حيث توقفت، وأضع حدًّا لهذه النهاية العاجزة عن بلوغ خاتمتها.

ليست عشتار وحدها من لا تعرف الرحمة، يمكن لأشكال قاسية أخرى أنْ تنبثق عن العينين الرُخاميتين، أحرفٌ من زُجاج، تلوح من تلك الأعين التّعسة، حيواتٌ رتيبة بمقدوري أنْ أرصدها مِمّا قرأت وما أوشك أنْ أقرأ، إلَّا أنّها لا تساوي عددًا ذا قيمة مُقارنةً بما عشته وما سأُخلّفه ليَحيا بعدي.. لا انطباعات محسوسة كما أظن، ليس أكثر من روح مشوّهة، ونفس مُحطّمة.. لا شيء أُخلّفه غير لوحة تعبيرية عتيقة تتمثّل فيها مأساتك.

عاجزٌ بهنيهاتك الأخيرة عن أداء ما يتوجب عليك أداءه، واعيًا بزَيف معتقداتك الماضية. الحياة ليست جميلة، بل لا تقترب حتى من ثنايا هذه الكلمة. كما أنَّها غير ضرورية، أدركتَ ذلك متأخرًا؛ لأنّك لم تعرف سوى البهجة طوال حياتك. خلافًا لهذا، أنت تعلم تمامًا معنى الضرورة وأهميتها، ولا يسعك تصديق منحك صفة بهذه الأهمية إلى ميتافيزيقا تافهة لهذا الحد.. عابسًا، حزينًا، تائهًا، مرهقًا، موجوعًا، ومكلومًا تصبح - ما أنْ تَقبَل الحقيقة التي رفضتَ.. لم تكن يومًا سعيدًا، كان ذلك سراب سعادة آخر غارقٌ في غياهب كآبةٍ أحلكُ منك، وإنّك لَتُبصر فيها الأبدية.

عقلانيتك تقودك إلى الأوهام، حقيقةٌ أخرى رجوتَ لو أدركتها قبل فوات الأوان، لم تعد من كُنتَه، عند الرابعة صباحًا تحطّم البللور المحمّل بصورتك الهشّة، وتكشّفَتْ لعنة تلك الأنا المادية، من خادعت الأحباب والأصحاب بهيئتها المزيفة، ووضَعتْ القيود بمعصمي طبيعتك، لم تكن حرًّا قط، كنتَ عبدًا مغلولًا في صورته المحتالة. لكنّك لم تعد من كُنتَه بعد الآن.. وشرعت تصير نفسك، بعد فوات الأوان.

هذا ليس كافيًا، لن أسترد بهذه الاعترافات الكاذبة والمنعدمة كبريائي، كبرياء أناي المعنوية، إنما أرجح أنّها ستبقى كما هي، بائسة ومرضوضة، أعرف أوضاعها كلها، لستُ أعوز الاستفسار عن حالها بين الفينة والفينة، كغيري كثيرون، فضوليّة في شبابها، متوحّشة صيّرتها كهولتي، وبالموت ومعه بَدَتْ أكثر هدوءًا.

البعض يواصل الادّعاء أنّه شيئًا حتى وإنْ كان لا شيء، والبعض الآخر لا يكون شيئًا في كل الأحوال، ومن هذا اللاشيء تتفتح معاناة الأنوات المادية-المعنوية الأخيرة كما تتفتح زهرة، وتنبثق عنه الخاتمات الجهنمية مثلما ينبعث الأريج من الزهر.. بوسعك القول أنّه بين الموت والأزهار علاقةٌ قديمة كتلك التي تجمع العاشق الفاسق بفحشاءه المرصّعة بسوء السمعة والابتذال.

التّوحد جلوسًا رُفقة الغائبين القدامى نوعًا من الجلجلة إذا ما أبصرتُه ببصيرتهم، فلستُ غير منتظرًا يوشك أنْ يصير غائبًا جديدًا، فيما هم الراحلون الأوّلون يعيشون موتهم بحريةٍ مطلقة وما عاد لديهم وقتٌ للانتظار ولا الجلوس.. فكل هذا بالنسبة لهم مضيعةٌ ثمينةٌ لحياةٍ لا يملكونها، هذا ما سمعتُ أحدهم يفوه به، لم أُجبه حينها فتابع حديثه لا مبالٍ بلا مبالاتي:

- كلُّ ما تُلهمه حياتنا هو ليلٌ سرمديٌّ وفراغٌ لانهائيٌّ من كل شيء، الزمن فراغ، المكان فراغ، والوجود فراغ، الأصدقاء والأقرباء والأحباء فراغ.

أفهمه جيدًّا الآن، وصرتُ أرى هذا الفراغ ببعضٍ من الضبابية، أراه على السرير، على الحائط، في أوجه الزائرين، وعند النافذة الغائمة، في انعكاس صورة الزوجة أراه، في طعاميَّ اليومي، في الأجهزة الطبية حولي، في الليالي والنهارات المتخثرة، ولفحات النسمات على وجهي، أراه في صدى طفولتي، متدليًّا كطيف مشنوقٍ أمامي، كضباب منظرٍ طبيعي، كغمرة متعة هائلة، كوجه صغيرٍ متوحش، كمتسوّل أشعث الشعر بثيابِ حدادٍ يَمتثلُ قبالتي - بحياءٍ وخيلاء مترقبًا عطفي وسخائي.

لا أُضيع شيئًا ببقائي منتظرًا هاهنا، وبمقدرتي التكهن أنّ الشوارع ما زالت مقفرة كما تركتها نتيجةً للأنات المتردية، لا يوجد ما أفعله الآن غير متابعة القراءة لتفهم حقًّا من أين ينبعث هذا الموت، وهذا سيكون أيسر مما تظن لو اكتشفت فقط أين كنت بدقّة، أين وصلت يا ترى؟، كثافة ال.. لا، الأر.. لا.. آه أجل، هنا "..من أي ليلٍ يأتي، من البسيطة أم من السماء، من الغابات القريبة، أم من عدمٍ لا اسم له، قريبٌ جدًّا ربما.. لعلّه آتٍ منّي أنا".


18
0
4

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}