• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
محاولة استيقاظ من الحقيقة | أماني عبدالرحمن.
محاولة استيقاظ من الحقيقة | أماني عبدالرحمن.
قصة قصيرة.

(1)

كانت تأخذ قيلولتها القصيرة في عصر أحد الأيام, فوق أريكتها الحمراء و التي قد اختارتها بعناية فائقة فيما مضى, في الوقت الذي كانت تهمها تفاصيل حياتها أكثر من أي شيء, وكانت تسعى لتعكس سعادتها على كل شيء, اختارت دائمًا ألوانًا بهيجة, في غرفة المعيشة والمطبخ والممرات وغرفة النوم, رغم ذلك, لم تستطع كل تلك المباهج التي زرعتها في زوايا منزلها من أن تنقذها في الوقت الراهن. وفيما كانت تحاول إكمال قيلولتها بسلام رغم الكوابيس التي داهمتها مرارًا وتكرارًا, سقط كأسٌ زجاجيٌ من المطبخ, فأيقظها بفزعٍ صوت ارتطامه على سطح سيراميك الأرضية, ومن مكانها راحت توبخ طفلها الوحيد البالغ من عمره ستة أعوام, ثم تجاهلت الأمر بعد أن أمرته ألا يقرب قطع الزجاج كي لا يؤذي نفسه.

(2)

عاودت اكمال نومها لشدة إرهاق جسدها الذي لم يهنى بنومٍ عميقٍ ومريح منذ مدة, أراحت رأسها على الوسادة مرةً أخرى, علّها تحظى هذه المرة بنومٍ هانئ, وحين كاد النوم أن يقطع احساسها بالواقع, فتحت عيناها بسرعة وكأنها قد استذكرت أمرًا هامًا للحظة, كان الإدراك قد برق في ذهنها بشكلٍ مفاجئ, فهمَّت بالنهوض على أقل من مهلٍ, وقد كان جسدها ثقيلاً بشكلٍ لا يُعقل رغم أنها فقدت الكثير من وزنها و أصبحت لا تزيد عن أربعون كيلو جرامًا, أخذت تجر قدميها ببطءٍ نحو المطبخ, وبذعرٍ يغشاها تشبثت في الجدار الذي يحاذيها بذراعيها الممزقتان واللتان لا روح أو طاقة فيهما, و في ثوانٍ قليلة راحت تتفقد مطبخها ممررةً نظرها على كافة أرجائه. بعد دقيقةٍ من الصمت المطبق والهدوء التام, تقدمت ببطءٍ شديد نحو أحد الأرفف العلوية, والذي يحوي كؤوسًا زجاجية, مدت يدها للكأس الأول, تأملته جيدًا وهي تُمسك به بحرصٍ شديد, ثم أفلتته من يدها, ولم تبدِ عليها أي ردة فعل.

(3)

راحت تكرر الكرَّة, وعلى وجهها يسكن الجمود واللامبالاة, كانت تبدو منهارةً في قالبٍ من التماسك, تتناول الكأس من الرف تتأمله طويلاً ثم تُلقي به أرضًا بسلاسةٍ مفرطة, تشاهدها بملء تركيزها وهي ترتطم بسطح الأرضية, وكأنها تشاهدها بالتصوير البطيء, حيث كانت تتأمل إفلاتها لها, كيف ترتطم وتتصدع فتتناثر أجزائها وكسورها الصغيرة والكبيرة في كافة أرجاء المطبخ, وكأنها كانت ترى انعكاسها في ذلك المشهد, كمرآةٍ ترى نفسها فيها, مرآة صادقة وحقيقيّة لا تشبه المرايا التي اعتادت النظر لها..                                                         حين فرغت كانت عيناها قد تفجرت بالدموع, وجسدها قد استصعب حمل الثقل الذي تحمله فوق أكتاف روحها المُرهقة, غطت وجهها بكفيها وأفرغت بكاء وقتٍ طويل لم تبكيه جيدًا, سقطت على ركبتيها أرضًا, لم تُبالي بقطع الزجاج التي تفرش المكان من تحتها, وهناك, في تلك الأثناء أدركت حقيقةً أخرى, حقيقة وجودها على قيد الحياة, وجودها الذي كرهته, فتلك الدماء التي راحت تتصبب من جسدها البالونيّ أثبتت أنها هناك, تعيش الحقيقة كاملة, ولم يكن كل الذي كان كابوسًا تستيقظ منه أو كونًا موازيًا تغادره.

(4)

- ما حدث قبل ذلك:

عاودت اكمال نومها, أراحت رأسها على الوسادة مرةً أخرى, علّها تحظى هذه المرة بنومٍ هانئ, وحين كاد النوم أن يقطع احساسها بالواقع, فتحت عيناها بسرعة وكأنها قد استذكرت أمرًا هامًا للحظة, كان الإدراك قد برق في ذهنها بشكلٍ مفاجئ, إدراك فجعيتها وكأنها أول لحظاتِ الإدراك, كانت تنسى في بعض الأوقات فيأتي تذكرها قويَا وعاصفًا كما لو أن الحصن الذي كانت تتكبد عناء بناءه بدموعها مرارًا وتكرارًا قد انقض عليها مرةً أخرى, فتعود للبداية من جديد, هكذا يعيد التاريخ تكرار نفسه أمام عدسة ذاكرتها. همَّت بالنهوض على أقل من مهل, وقد كان جسدها ثقيلاً بشكلٍ لا يُعقل رغم أنها فقدت الكثير من وزنها وأصبحت لا تزيد عن أربعون كيلو جرامًا, أخذت تجر قدميها ببطءٍ نحو المطبخ, وبذعرٍ يغشاها تشبثت في الجدار الذي يحاذيها بذراعيها الممزقتان واللتان لا روح أو طاقة فيهما, و في ثوانٍ قصيرة راحت تتفقد مطبخها ممررةً نظرها على كافة أرجائه. كان الكأس الذي قد سمعت صوت ارتطامه من الصالون أثناء نومها لم يصبه شيء, ثابتًا في مكانه فوق المنضدة الرخامية, لا آثار لأي شيءٍ مكسور, ولا حتى طفلها هناك, أدركت بأن ذلك اليوم هو اليوم الذي يتم فيه شهره الأول منذ وفاته, لم تعرف أبدًا كيف تعتاد على عكس ما اعتادت عليه.. ظنت بأن تكسيرها لكل تلك الكؤوس سيوقظها من ذلك الكابوس, وتصحو من تلك الحقيقة.

ودت كثيرًا لو أن طفلها يعود لتقول له: (يفداك كل شيء تكسره ) فمنذ أن رحل وكل الأشياء ساكنةً في محلها, تٌحدق بأعينٍ مفزوعة في هذه الأم التي قد تحولت لعكس ما كانت عليه من قبل, ويشهدون على انشطار قلبها وعلى موسم الحزن الذي احتل عالمها. لم تعد من بعده تشعر بأي حركةٍ من حولها, بات بيتها هادئًا حد الجنون, روحها هي الوحيدة في ذلك البيت من كانت تصدر ضجيجًا, فقد كانت روحها وكأنما تُقذف من الأعلى وتُكسر في اليوم مئة مرة.. وكل الجمادات تشهد.

 


8
0
1

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}