• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
مَشهدٌ من قصة
مَشهدٌ من قصة
Google+
عدد الزيارات
445
في يومٍ من أيامِ الخريفِ الحمراء..
التي تتساقطُ أوراقها في مديتنا العذبة..
اتجهتُ نحوَ محلٍ لبيعِ الكتبِ المستعملة..

حينما دخلتُ شعرتُ بالدهشة.. 

 لقد كانت تلكَ المرةَ الأولى التي أزورُ فيها هذا المحل.. على الرغمِ من قربهِ من مسكني.. 

وعلى الرغمِ من اعتيادي على قراءةِ الكتبِ واقتناءها.. لفتَ انتباهي ودونَ أدنى شك..  

كتابٌ جذبني كمغناطيس..

 كتابٌ غلافهُ أزرق.. وعنوانُ الكتاب.. النافذة..


حينما اتجهتُ إليه..  هدأَ كلُّ شيءٍ اختفى الضجيج.. أشعرُ بالكتابِ بين يديّ.. وأرى لونه يشعُ إلى عينيّ..

  فتحتُ الصفحةَ الأولى من الكتاب، وجدتُ كتابةً بخطٍ رديءٍ وغيرِ واضح..

 كتابةٌ باللونِ الأحمر.. 

 اجتهدتُ في قراءتها.. واستطعتُ فهم الكلمات المكتوبة


 "إنه

إنها 

إنكَ

إنكِ"..


ثارَ فضولهُ وحماسهُ.. واضطربَ هو لشدةِ عواطفه.. ابتسمَ ابتسامةً عريضةً لم يسعى إلى اِخفاءها.. 

 والدماءُ تتدفقُ إلى وجنتيه.. 

التي اصطبغتا باللونِ الأحمر.. 

 توجهَ للبائعِ مُتحمساً..


كان البائعُ رجلاً كبيراً لا يُعرَفُ عُمره..

 لوهلةٍ تشعرُ أنه في أواخر الثلاثينات..

 وحينما تدقق في ملامحهِ

 تفترض أنه في أوائل الأربعينات..

 وحينما يرتدي قبعتهُ ويضعُ عصاهُ بجانبهِ يبدو أنه في الخمسينات.. 

وحينما يخلعُ قبعتهُ ويبتسم ويعتدل في جلستهِ تظن أنه قد عادَ مجدداً إلى الثلاثينات..

 

كان الرجلُ جالساً بتراخٍ .. مرتدياً قبعتهُ..  

ناظراً لصحيفةٍ بانتباهٍ ولا مبالاةٍ بأي شيء..

 يبدو أن هذا الرجلَ لم ينتبه لصديقنا..

فقالَ صديقنا متحمساً : هذا من فضلك. 

نظرَ الرجلُ إليه وهو مازالَ متراخياً دونما اكتراث

 وقال: أنهُ بثلاثةِ دولارات.


بعدَ أن اشترى صديقنا ذلك الكتاب.. 

توجهَ إلى المقهى المألوف، 

الذي اعتاد أن يزوره كل يومٍ عند الغروب..

 ليستمتع بمنظرِ الغروبِ الأحمر العابرِ له من الجدران والنوافذ الزجاجية..


جلسَ في ذلكَ الوقتِ المتلونِ بالغياب..

 وفتح الصفحةَ التي تليها من الكتاب.. 

كُتبَ .. ربما تتساءل لماذا قد حصلتَ على هذا الكتاب..

قد تقول لأنكَ اخترته..  

فاشترتيه من أحد محلاتِ بيعِ الكُتب..  

أو المكتبات أو المواقع الإلكترونية..

 ربما استعرتهُ من صديق..

 أو باحتمالٍ ضئيلٍ جداً وجدتَ هذا الكتاب ملقياً في مكانٍ ما وقررتَ قراءته..


ولكنني أسألُك.. هل أنتَ من اخترتَ الكتاب أو الكتاب هو من اختارك..؟ 

هل أنتَ من قرر أن يقرأ هذه الكلمات

أو الكلمات قررت ذلك..؟ 


قد يبدو هذا كسفسطةٍ بعيدةٍ عن المنطق.. 

ولكن ألستَ أنت يا أيها الذي تعتبر هذه الكلمات سفسطة..

هو ذاته الذي يتغنى ويؤمن ويقول بمشيئةِ الخالق..؟ 

ولا يصدق بالصدف ويُدافع عن القدر..؟


ألقى صديقنا الكتابَ وقد انتابهُ بعد قراءةِ تلك الكلمات قليلٌ من الخُوفُ..


فكّرَ مُحادثاً نفسه.. 

هذه كلماتٌ لكاتبٍ رديء. 

كيفَ لهذا أن يفسدَ سكينةَ نفسي

ويثيرَ فيّ الرعب..؟ 

يا إلهي..! 

لماذا كنتُ شديدَ الحماسِ والبهجة لشراءِ هذا الكتاب الرديء..؟ 

يبدو أنني أضعتُ ثلاثَ دولاراتٍ سُداً..


جلسَ ناظراً عبر النافذةِ..عبرَ الزجاجِ إلى المنظر البديع..  السماءُ المطليةُ بالغروب..  وأوراق الشجر.. 

 

جاءهُ النادل 

يبدو أنه نادلٌ جديد..  

هو لم يرهُ هنا من قبل.. 

ويبدو هذا النادل نحيفاً وطويلاً

ويافعاً ومُهندماً

وأمرداً.. 

يوحي أنه في الثامنةَ عشرةَ من عمره..


قال النادل: هل تريد اِعطاء الطلب سيدي..؟ 

نظرَ إليه صديقنا نظرةَ ارتيابٍ وحذر

قال لهُ متجهماً 

لا ، أنا لم أناديك لتأتي، اغرب..!


نظرَ إليه النادلُ مُستغرباً، متعاطفاً.. 

قال بصوتٍ عطوف: ما بكَ سيدي..؟ 

هل مررتَ بيومٍ سيء..؟


قال الرجلُ في وقار:  يومي جيد..  

اعتذر عن تجهمي معك.. 

إنني فقط اعتدتُ على كلِّ شيءٍ 

في هذا المقهى.. 

لقد اعتدتُ أن آتي منذُ سنوات.. 

ولا أحبُ أن يطرأَ أيُّ تغيير. 

ما الساعةُ الآن..؟

 هل شارفت السابعة..؟


قالَ النادلُ بعد أن نظرَ إلى هاتفهِ المحمول: نعم سيدي إنها السادسةُ وسبعٌ وخمسونَ دقيقة.


-اليومُ هو الأحد..؟


قال النادل: صحيح. 


-احسب ثلاثةَ دقائق عندك

ستدخل فتاةٌ صهباء بشعرٍ مجعد.


قال النادل: كيف تعرف..؟


-إنها لم تتأخر عن موعدها قط.. 

منذُ شهورٍ تأتي إلى هنا.. 

تُقابل هذهِ الفتاة الصغيرة


أكملَ صديقنا مُشيراً: 

إنها هنا

إنها تشبهها كثيراً

يبدو أنها ابنتها..  

اعذرني 

عن هذه الثرثرة

ولكنكَ بدوتَ مهتماً لسماعي.


قال النادل: لا عليك بالتأكيد. 

دخلت بعدها الفتاة مرتديةً فستاناً قصيراً باللون الأخضر الفاتح وحييت الطفلة وعانقتها مبتسمة.


قال الرجلُ للنادلِ بفضاضة: ماذا تريد الآن..؟ 

هلّا غربتَ عني..؟  

وقال بلباقة

من فضلك..؟؟


نظرَ إليه النادل من جديد.. نظرةَ تعاطف.. 

قال النادل:  والكتاب..؟

قال الرجل مصعوقاً: أيُّ كِتاب..؟ 

قال النادل وقد تغيرت نبرتهُ إلى نبرةٍ خافتةٍ تنمُ عن الشر 

وضاقت عيناهُ ولمعتا 

اِنحَنى قليلاً إلى الأمام قائلاً للرجل: 

هل حسبتَ أن اقتناءكَ لهذا الكتاب سيكون عادياً..؟ 

هل تحسب الأمر بهذه السهولة..؟


ضحكَ الرجلُ بقليلٍ من الخوف وقال: 

 هل تمزحْ معي..؟ هاه..؟ هل هذا حس الفكاهة عندك..؟  

صمتَ النادل ناظراً إليه نظرةً تنم عن جديته.. 

نظرَ الرجلُ إليه متعجباً.. 

ثم وقفَ.. وزئرَ قائلاً: 

اغرب عن وجهي أيها@@@@ 

وألحقَ به أنواعَ الشتائم

ولقد أوشكَ على ضربه..


ابتسمَ النادلُ نصفَ ابتسامةٍ.. 

والتفتَ الموجودون لمصدر الضجيج.. 

ثم أتى المسؤل..  

قال: ما الذي يحصل..؟ 

أهناك ما أزعجك يا جاك..؟

إنها المرة الأولى التي تُحدث فيها ضجيجاً هنا..! 

هل أزعجكَ هذا النادل؟ 

قال جاك: لا بأس لا عليك..  

لا دخلَ للنادل..  أنا الذي اعتذر.. 

كل شيءٍ على ما يرام. 

 وأخذَ قبعتهُ وخرجَ من المقهى مودعاً.


بعد دقيقةٍ من مشيهِ مبتعداً عن المقهى

لحقهُ النادل منادياً اسمهُ الذي سمعه منذُ قليل: 

جااك جااك 

التفتَ الرجل

قالَ النادل بابتسامةِ شر:

لقد نسيتَ كتابك.

قال الرجل:  لا أُريده 

ولم أنساه.. 

لقد تركتهُ متعمداً. 

قال النادل: ليسَ الأمر بهذه السهولة.. 

إنهُ لكَ الآن.. 

ليسَ لديكَ خيار..


قال الرجل: بل لدي خيار..  

وخياري أني لن آخذهُ منك. 

قال النادل جاداً وقد عادت نبرةُ التعاطف إلى صوته: 

إن لم تأخذهُ سيكون أسوأ من أخذه.. 

قال مؤكداً:  أنا أعلمُ ذلك، إني أُحذرك.. 

أخذ الرجل الكتابَ بصمتٍ 

وقد بدى الخوفُ ظاهراً عليه. 

بعدها في حركةٍ مُفاجأةٍ

ركضَ النادلُ في حيويةٍ

ملتفتاً إليه بابتسامةٍ مُرعبة

ونظرةٍ مجنونة

ملوحاً بيده بحماس

هاتفاً بصوته

إلى اللقااء جاك..! 

ثم أكملَ طريقهُ راكضاً بمرح.


توجهَ جاك إلى بيته

جالساً على أريكته

كما يفعل عادةً

أمسكَ بالكتاب اللعين

وبدأ يُكمل قراءته


قرأَ..إنَّ هذا الكتابَ الذي بينَ يديك ليسَ كتاباً عادياً إنهُ كتابٌ يحمل العجائب. 

ولكن تذكر أنه مهما بدى شريراً ما ستراه، فإنكَ لن تتعرض للأذى. 

هذا الكتاب ليسَ موجوداً لأذيتك، إنه فقط سيؤلمك ليرشدَك. 

وتذكر أن كل ما تراه ليسَ سوى انعكاسك،ولا دخلَ للكتاب به. 

عليكَ أن تحل اللغز.

هذه الكلمات التي قد تدب فيكَ الرعب، ليس هدفها إخافتك، كل الألم الذي قد تعيشه ليس هو المقصود،

 هذا الكتاب سيقودك إلى الكنز.


دمدمَ الرجلُ محدثاً نفسه

ولكني بحال جيدة..!

لا أريد أيَّ كنز.. 

ما هذا الذي حلّ بي يا إلهي..؟


في الصفحةِ التي تليها قرأ

لا تنسى أنهُ انعكاسك.. 

وأن هناكَ لغزاً.. 

عليك حله.


ألقى الكتاب

لاعناً شاتماً

متذمراً

ولكني لا أريد أي كنز..!!


اتجهَ إلى مطبخهِ

بنيةِ عملِ كوبٍ من القهوة

ولكنه عاد سريعاً للكتاب

تاركاً علبةَ القهوة على حالها

وقد امتلأَ على نحوٍ مُفاجئٍ وغير متوقعٍ بفضولٍ لا يُقاوم.

قرأَ في الصفحةِ الثالثة

هل أتى بكَ الفضول..؟ 

 هل ينتابك شعور بالفضول يفوق أي فضولٍ شعرتَ به منذُ ان كنتَ طفلاً..؟ 

 صُعقَ الرجل.. واضطربَ اضطراباً شديداً


بعد عدةِ دقائق

يرن هاتفهُ المحمول كعادته في هذا الوقت

-الو

ترد صديقته: مرحباً جاك

كيف حالك؟ 

-إنني بخير

تقول: ما بك يبدو صوتكَ مضطرباً..؟

 

يقول جاك وهو يحاول استجماع زمام ذاته

ما زال صوته لاهثاً قليلاً: 

مم لا شيء حقاً

لا تقلقي

لا عليكِ

لماذا تتصلين..؟ 

هل تحتاجين شيئاً عزيزتي..؟ 

تعلمين أنني دائماً في خدمك..


أشكرك 

حقاً إنني أقدّر ذلك

لا شيء فقط اتصلت للاطمئنان عليك 

ولأذكرك بموعد الحفل الخيري 

الخميس جاك 

لا تنسى تعلم أنني بانتظارك


-نعم بالتأكيد.. أراكِ


إلى اللقاء


أكملَ قراءةَ الصفحة.. قرأَ.. 

لا أعلم ما رَأيتَهُ أنت.. 

ولكني أعلم أنكَ رأيت 

ودعني أخبرك

أن ما رَأيتَهُ غامضٌ بالنسبةِ لك

كنتَ لا تتحمل ألم وضوحه 

وإذا أردتَ أن تعرفهُ

عليكَ أن تسعى لذلك.. 

ماذا رأيت..؟ 

اكتب حلّ اللغز في الصفحة التالية..!


استجابَ الرجلُ بارتيابٍ محدثاً نفسه

هل جُننت..؟ 

 كيفَ أُجاري هذا الهراء..؟ 

لمجردِ أن نادلاً مجنوناً قد تحدثَ معي عن كتابٍ رديءٍ كهذا.. 

أحضرَ قلمَ رصاص.. 

بدأ في الكتابة.. 

لقد ظهر َ لي نادلٌ يافع

ولا أعلم ما يعنيه ذلك..!


بعدها

انمحت إجابتهُ أمامهُ من الصفحة

ذُعرَ الرجل.. 

وكُتبَ بذاتِ الخط الأحمر الرديء

"إجابةٌ خاطئة..!

إنكَ في العُمق تعرف ما يعنيه ذلك 

وإلا لما كان ذلك ليظهرَ لك! 

حاول مرةً أخرى.. "


اختفت الكلمات وعادت الصفحة خالية كما كانت.


كتبَ الرجلُ

 لقد ظهرَ لي نادلٌ في المقهى.. 

بنفسِ عمرِ إبني جايكوب.. الذي توفي قبل ثلاث سنين..

كتبَ الخط الأحمر الرديء من تلقاء ذاته

"إجابةٌ صحيحة.. 

أكمل.."


كتبَ جاك 

ماذا تريدُ مني أيها اللعين..؟ 

لا أريد كنزك..!!


مُحيت كلماته

وظهرت الكلمات باللون الأحمر

"إجابة خاطئة.."


زمجرَ الرجلُ غاضباً

لاعناً.. 

شاتماً .. 

للمتجرِ

والدولارات 

وللكتابِ

والحياة..


أغلقَ الكتابَ واتجهَ ليستحم 

بعد يومٍ طويل 

ولديهِ عملٌ في الغد..، يريدُ النومَ مبكراً

أشعلَ الماءَ الدافئ

مناسبٌ لهُ جداً

ومُبهجٌ 

في فصلِ الخريف.


بعد ذلك ارتدى ثيابهُ

جلسَ على كرسيهِ

شرعَ في تناول حساءِ العدس

كان قد أعدهُ مُسبقاً

يُطرقُ الباب

لا يُرن الجرس

يرى من العين السحرية للباب

إنه النادل..!


يحدثُ نفسه

ماذا يريدُ مني هذا المجنون..؟


يقولُ النادل: جاك أعلمُ أنكَ هنا.. افتح لي..! 

حقاً لم يكن قصدي إخافتك.. 

انا آسف.. حسناً..؟ 

لكن أموراً سيئةً تحدثُ إن  ألقيتَ الكتابَ دونَ أن تحل اللغز.. كل ما هُنالك أني أردتُ تحذيرك..

هل تسمعني..؟ 

ثم أكملَ مُتمتماً مُحدثاً نفسهُ آملُ أني لا أتحدثُ مع الباب.. حينها ستثبت عليّ تُهمةُ الجنون.. 

فتح جاك الباب وقال:

وكيفَ عرفتَ أيها اللعين أني وصفتك بالجنون..؟ 

قال النادل ساخراً: لقد قلتَ عني مجنون في المقهى 

ألا تتذكر..؟ لقد كانت كلمةً ضمن سيل شتاءمك..


ثم قالَ مُتعاطفاً ..إعذرني..

أنا حقاً لم أكن أقصد إغضابك.. 

قال جاك: ومن أنت..؟

لماذا ظهرتَ فجأة؟

 وما علاقتك بي..؟

وبالكتاب..؟ 

قال النادل بصوتٍ خافت مُخيف مجيباً.. مم من أنا..؟!


قال الرجلُ غاضباً: 

يا لكَ من معتوهٍ مُتقلب

اخرج من هنا..! 

قال النادل: ألا تريدُ أن تعرفَ لماذا أتيتُ إلى هنا..؟

قال الرجل حانقاً: 

حسناً أيها الوغد.. لماذا أتيت..؟ 

قال النادل: لأخبركَ بالخطوةِ التالية.. 

عليكَ أن تتجهِ غداً للبحر.. 

نظرَ إليهِ النادل نظرةً جادة

وبصوتٍ حازمٍ:  لا أسئلة.  

لقد أخبرتُك.. 

لا خلاص لكَ من هذا الكتاب إلا بالعبور فيه.

عند الغروب اتجه للبحر، 

للشاطئ الذي اعتدتَ أنت الذهاب إليه.. 

في لحظةِ الغروب..، كُن هناك..


ورحلَ النادل 

بعد أن امتلأ بحيوية غريبة

و ضحكَ ضحكةً غيرَ مريحة 

لا تتناسب مع الموقف

وذلك قد أرعبَ الرجل.


في اليومِ التالي عند الغروب.. 

اتجهَ  إلى الشاطئِ الذي اعتادَ أن يذهب

 له منذُ زمنٍ مضى.. 

ولقد انقطعَ عن الذهاب للشاطئ منذُ سنين 

وباتَ يمقتهُ.. نظرَ إلى البحرِ متجهماً

كم يبعث البحر في نفسه الكآبة

كان الناس كما هي عادتهم يسبحون 

على الرغم من رحيلِ الصيف

لقد كان الجو معتدلاً

وبعد أن وصل 

بدقيقةٍ واحدة امرأةٌ تستنجد

يبدو أنها أوشكت على الغرق

لا يبدو أن أحداً يتصرف أزاء ذلك.. 

من لاحظوا ذلك بدوا قلقين..  

اتجه هو بثيابه وبكل قوته

ذهبَ سابحاً باتجاهها

نعم إنه خبر سار جداً

لقد استطاع إنقاذها..


في الواقع لقد إستطاعَ إنقاذ نفسه..


كانت المرأةُ في حالٍ جيدة

شكرته 

ناظرةً بامتنان

.. مُبتهلةً..

قالت: فلتلقى الخير والبركة

لقد أنقذتَ حياتي..


ابتسمَ الرجلُ في هدوء

وقد ارتسمت على عينيه لمحةُ حزنٍ

وترقرقت عيناهُ بالدموع


ثم أتى النادلُ من حيثُ لا نعلم

متجهاً للرجل


قائلاً بمرحٍ لا يتناسب مع الموقف: 

انظر إلى نفسك.. إنكَ مُبلل..! 

واكمل مُبتسماً 

لم أكن أعلم أنك بهذا القدرِ من المهارة..!

وبهذا القدرِ من الجسارة..! 

وضحك.. 

نظرَ إليه الرجلُ نظرةً تنم عن الحزن


قال النادلُ بصوتٍ مُشفق:اِبكي.. 

قال ضاغطاً على الحروف: 

ا ب ك ي.. 

قال النادل: 

هاكَ الكتاب.. أُكتب إجابتك..


كتبَ الرجلُ لقد ماتَ إبني غرقاً

لم أقدِر أن أُنقذه

ولم أبكي قط على ذلك.. 

لم أستطع أن أبكي.. 

لقد حدثَ ذلك

وأنا لم أبكي..؟


ثم أغلقَ الكتاب 

ركبَ سيارته

اتجهَ لبيتهِ

وجهشَ أخيراً بالبكاء

كطفلٍ صار يبكي

واستمرَ بالبكاء لساعات 

قال مُتمتماً لنفسه

 شكراً لكِ أنتِ من أنقذتني

 وليسَ أنا من أنقذتك..


أكملَ البكاء الذي استمر واستمر

وإن انقطعَ قليلاً

يعود من جديد

لقد بكى هذا الرجل

ابنه بعد ثلاث سنوات

لقد بكى أخيراً

لأيام

حتى نضبت دموعه

وارتاح جزءٌ من قلبه


لقد نامَ الرجل على فراشهِ في غرفتهِ في بيتهِ

نامَ نوماً طويلاً


النهاية


8
0
2

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}