• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
التظاهر - قصة قصيرة
التظاهر - قصة قصيرة
Google+
عدد الزيارات
1,716
في يومٍ خريفيٍّ والسماء تُضفي على القلوب جوًّا كئيبًا بعض الشيء، دُعيَ امرأتان وثلاثة رجال، لا يعرفون بعضهم البعض، إلى عشاء أعدّتهُ سيدة مرموقة من سيدات المُجتمع الأرستقراطي. يعرفونها جميعًا تمام المعرفة، وقد تلقّوا هذه الدّعوة بفرحٍ كبير، حيثُ أنّهم أناسٍ متواضعون، تعرفهم من هُنا وهُناك وكانوا في وقتٍ ما في الماضي، يستجدون ابتسامةً ولو صغيرةً منها. فكلّنا يعرف التمايز الطبقيّ وما يُمكن أن يفعلهُ بعاملٍ في مصنع، أو سيّدةٍ تعمل في مجال الحياكة.

قبل العشاء بساعة، لو أمكن لآلة تصوير أن تلتقط مشاهد في الوقت عينه للضيوف الخمسة، مُنهمكين في غُرفهم الصغيرة والمتواضعة، يعملون على تسوية أوضاعهم. 

"جورج" على سبيل المثال، كانت زوجته "آنا" تعمل على تحسين ربطة عنقه، على طقمٍ استلفه من خزانة أخيه، وهو الطقم الأفخر بالعائلة كلّها، كي يبدو أمام الحاضرين والسيّدة الموقّرة، كرجل ذو مكانة واعتبار، ليُخفي آثار فقره عن الجمهور. 

."نورا" تكثّف من المساحيق التجميلية على خدّها الأيسر وتحت عينها اليُمنى، كي لا يُلاحظ الجمهور المُدقق، كثير النميمة والكلام، الكدمات التي تركها زوج الأخيرة على وجهها.

"غسّان" ارتدى قميصًا واسعًا، أكبر من جسده النحيل، كي يُخفي الحدبة في ظهره، وأخذ بعض المُسكّنات كي لا يشعر بالألم المُعتاد الذي يُفقده الشعور بأطرافه، كأنّهُ سلحفاة.

"إدوارد" أراد لو يستطيع التمنّع عن الذهاب إلى العشاء، فبعض الدائنين كانوا قد طرقوا عليه باب داره، وهم ينطقون ببعض الكلمات النابية التي تحقّر منه وتسحق كرامته تحت الأقدام، كما تسحق صرصورًا. ودّ لو يختفي في لحظتها، لكنّه ارتدى قناع الضحك فوق عينيه المليئتين بالدّموع، ومعطفه المتواضع ومشى في طريقه نحو بيت السيّدة، خرج من البيت قبل الموعد بنصف ساعة مترجلًا على قدميه لأنّهُ لا يملك ثمن سيارة الأجرة. 

الحاضر الخامس "ديانا"، وصلتها مؤخرًا نتيجة فحصها وأتى التشخيص بأنها مُصابة بسرطان العظام، ترشّ العطر على رقبتها وعيناها مسمّرتين بشرود نحو المرآة، حتّى تبلّل قميصها بالكامل، فاستفاقت من شرودها بُرهةً من الزمن وانهمرت عيناها بسيلٍ جارفٍ من الدموع، وراحت تلطمُ خدّها الأيسر بحسرى.


 حضر الجميع عند الساعة الثامنة تمامًا، إلى ذلك المنزل المهيب الطلعة، المُنظم تنظيمًا تعجز الكلمات عن وصفه. سقفًا عاليًا تُزيّنهُ ثُريّات ضخمة مصنوعة من الكريستال الخالص. كلّ ما في البيت من أثاث مصنوع بعنايةٍ واتقان على الطراز القديم، كتلك الموجودة في بيوت الاقطاعيين في انجلترا قديمًا، الطاولات والأرائك، الكُرسي الهزّاز والمدفأة، وفي المنتصف تلفازٌ ضخمٌ كي يُعيد المرء عند دخوله إلى العصر الحديث.


خمسةُ أشخاصٍ، بارتياح وثقة عالية بالنفس جلسوا حول المائدة تترأسهم السيّدة الموقّرة، جميعهُم بدون استثناء الابتسامة اللطيفة ظاهرة على محياهم، اليدان على الطاولة وبكلّ احترامٍ جلسوا يتجاذبون أطراف الحديث ويأكلون الطعام بكلّ لباقة. 

تحدّث "جورج" عن عمله والأرباح التي يجنيها سنويًا، ناهيك عن سفرياته الشهرية للقيام ببعض الأعمال في شمال أوروبا والصين.

"غسّان" استقام في جلسته قدر الإمكان، مع قميصه الفضفاض ظهر وكأنّهُ سليمٌ معافى والمُسكّنات كانت قد أخذت مفعولها فاستطاع تحمّل ذلك الألم الفظيع الذي تمادى في إذلاله على مرّ عقود.

أمّا اليافعة "ديانا" فقد تحدّثت عن مواضيع شتّى وألقت النكات كأنهُ آخر يومٍ في حياتها، من يراها يشعرُ بأنّها تستنزفُ مخزونها الثقافيّ الجاد والتافه كلّه، كي لا تُبقي شيئًا لم تقله لأيّامها القليلة المُتبقية.

"نورا" جلست صامتة، لم تتفوّه بكلمة طوال المجلس الذي دام لساعتين ونصف، اللهمّ إلّا بعض العبارات ردًّا على حديثٍ يوجّهُ لها بين الحين والآخر من السيّدة المضيفة، مُحافظة بذلك على اتزانها ورصانتها، على مشاعرها وصورتها الجميلة أمام الحاضرين.

وأخيرًا "إدوارد"، رجلنا المسحوق ذاك، بعد شعوره بالدونية والسُّحق، ذهب إلى صهره زاحفًا واستلف سيجارًا فاخرًا، كان يلعقه وهو جالسٌ أمام الحاضرين، واضعًا رجلًا فوق رجل، يُضفي عليك شعورًا بأنهُ شخص متماسك، ذو قيمة رفيعة ومكانة موقّرة، ذكر في معرض حديثه بعض أسماء الكتب، ليوهم الجميع أنّهُ رجلٌ مُتعلّم، أمّا في الحقيقة فكانت أنهُ حفظ هذه الأسماء من حديثه مع صهره النائب العام.


سيّدتنا الموقّرة "إيميلي" كانت تستمعُ بتحفّظٍ للجميع بشكلٍ متساوٍ، والجميع كان يُتمتم او يفكّر في دخيلته، كم تعيش هذه السيّدة عيشة رفاه وراحة، كلّ طلباتها مُلبّاة وكلّ الحضور في المنزل وخارجه يرفع لها التحيّة احترامًا. جميع الحاضرين يتأسّفون على حالهم في سرّهم، يقولون أن هذه السيّدة تعيشُ عيشةً طيبةً، لم تعرف الألم يومًا. كذلك كلّ شخصٍ من الحضور، يتطلّع في ما حوله، في عيون الآخرين ويقول: "ها هي الناس تعيش على أحسن ما يُرام، إلّا انا كنت ذا حظٍ عاثرٍ طوال حياتي، يبدو أن من وزّع الأحزان في البداية أعطاني الحصّة الأكبر، يا لها من لعنة ان لا تكون سُبل العيش والراحة متوافرة للجميع، أن تولد بلعنة تخصّك وحدك، يا لهذا الجحيم، الذي يُدعى حياتي"


عند السّاعة العاشرة والنصف، ذهب الجميع وبقيت "إيميلي" في مقعدها، تحدّق في الكراسي الفارغة، وتردّد في نفسها: "لا بُدّ أن جميع من كان هُنا يملكُ أصدقاءً كُثُر، لا بُدّ أن الجمع من حولهم صاخبًا ويعيشون بذلك عيشةً طيبةً". وراحت تلوك وحدتها على مهلها، وهي تتجرّع كأس نبيذ تلو الآخر، حتّى غابت عن الوعي.


10
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}