• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
الطّريق من بُوخَرُّوبَة إلى أولاد سْلَامَة، عندما تلَقَّيتُ إشارة الكَوْن
الطّريق من بُوخَرُّوبَة إلى أولاد سْلَامَة، عندما تلَقَّيتُ إشارة الكَوْن
من بوسالم مُرُورا ببلطة في ولاية جندوبة التّونسيّة، كان الطّريق إلى بْنِي مْحِمِّد مليئا بالحكايات التي تَنقُر على بلّور نافذة السيّارة لتنبّهني إلى أمور الأوّلين وأخبار السّابقين.

كنتُ أتنقّل بين العُروش التّاريخيّة لأولاد بوسالم والشّيحية، أنظر جهة اليسار، ناحية بيلّاريجيا الرّومانية وشمتو ثم يستقرّ بصري ناحية بن بشير رمز مقاومة جهة خْمِيرْ لقوّات الجنرال لوجيرو الفرنسيّة المحتلّة. هناك قدّم العشرات أرواحهم دفاعا عن الأرض وزفّت عُرُوش خْمير والشّيحية وأولاد بوسالم وجندوبة وعمدون أبناءَها شهداء للوطن سنة 1881. وأنظُر جهة اليَمين، فأرى بلطة، المدينة الرّومانية القديمة ومقصد الأولياء المُبارَكِين.  مدينة زاهية بزيتونها وتاريخها، تتراءى لي كأحجية شيّقة أُوغِل في فكّ رموزها وتأسرني بروعتها. أراها عامرة بالرّومان والوندال والبربر والعرب، عامرة بِثِمارها وعيون مائها الدّفّاقة. تُشعّ مُرسلة نُورَها من مكانها الاستراتيجي الذي لم يختره الرّومان عبثا.                             

يُخاطبني التّاريخ ويَحُثّني على النّبش فيه، إشاراتٌ تتهافتُ أمامي تِباعا. شيء ما ينادي، فكرة ما، لم أتبيّن الأمر بعد. لكنّ قانونا كونيّا يسحبني نحو مكان ما على هذه البسيطة. نحو بُوخَرُّوبة. أين سأنزل من السيّارة بعد لحظات. تجاوزتُ الفَجَّة البيضاء مرورا بالعواوضة، بسط التّاريخ ذراعيه وفتح كَفَّيْه بطلاقة.               

أشرْتُ للسّائق بالتّوقف حالما وصلنا إلى بوخرّوبة، قال: 

- ألن تنزل في أولاد سْلامة؟

- لا، سأقوم بجولة قبل الذّهاب هناك. أجبتُه.

خفَتَ زفير محرّك السيّارة رويدا وهي تبتعدُ، سحبتُ شهيقا هائلا. أشجار الزّان والفرنان حولي تتهدهد في خُيَلاء. لوهلة شعرت بلحظة بداية الكون، عندما تتشكّل الأشياء وتترابط في تناسق. شيّعتُ بَصَري نحو جبال عين دراهم وأنا أسبّح بحمد الرّب تباركَ شأنه. لفحني هواء بارد مليء برائحة الزّعتر والاكليل. ثملتُ قليلا لصفاء الإشارة، آنذاك كان ذهني صافيا وساجِيا وبدأ الكون ينقُر على ناصيتي.     

تراصّت الغابات بشموخ في أرجاء الجبال المحيطة بمنطقة بْنِي مْحِمِّد. نباتات الدِّيس والقندول زادت الاخضرار رونقا. أردت التبخّر والانتشار في الأرجاء لكي أصيب المعنى وأفْقَهَ ماهيته، معنى الكون والوجود والأشياء. لفتَ انتباهي وميضٌ جهة المنحدر، ربّما كان انعكاس الشّمس على أوراق الزّان. توجّهت صَوبَهُ دون تردّد. طُيُور الطِّيطَوَى تعزف بصوتها ألحان الطّبيعة. كنتُ أحاذر أثناء نزولي المنحدر، أناور الصّخور المغطّاة بأوراق الزّان وثمار البلّوط البُنّية، ومازلت في المَسِير حتى أدركتُ عين القصب. 

عينُ ماء منبثقة من قلب الصّخور، روحُ الجبال تنهمرُ مِياها. كان تدفّقها بطيئا وسَلِسا. إلّا أنّ المكان الذي يحتويها يشدو بصوت الحبّ. حبٌّ كونيٌّ ينفجر مِدرارًا فيحتوي الأشياء والأرواح. الأمر بالنّسبة لي جليٌّ وواضحٌ، الحبّ هو لغة الكون. ملأتُ راحتَيْ يدي بماء العين ثم لفحت وجهي فأصابني عبثٌ طفيف. توقّف الزّمن فجأة وألفيتُني أُمَحِّصُ أمر الوجود. استنشقت الهواء ملء صدري، كان الهواء باردا وحادّا. ورفعت رأسي نحو السّماء فلاحَت لي متماوجة مزدانة بخيال الأشجار الباسقة، تتجلّى في حُلّة سَماويّة بهيجة وتَتَمَنَّعُ في بهاء. جلستُ إلى صخرة ملساء أستمع إلى صوت الكون، سيمفونيّة هادئة تعزفها أرواح الطّبيعة التي لا تُرَى مباشرة، بل نراها بحدسنا. نَسْتَنْطِقُهَا بكَيانِنا كي تبوح لنا بالأسرار والعجائب. ولمّا لا نتحصّل على الإجابة الشّافية، فذلك يعني أنّنا لم نُحْسِنْ اقتناص التّجلّي المُناسب. رأيتُني أرتفع في الفضاء، منتشرا في الأمكنة بِرُوحٍ مُستفيضة واندمجت مع ذبذبات الكون. مكثتُ كذلك سابحا بعقلي حتى لاحت لي طريقٌ بلا نهاية، طريقٌ بألوان مختلفة. فيها من الحكايا والأحداث الشّيء الكثير، بها مطبّات كثيرة يليها انبساطٌ وتنتهي ببريق لازورديّ باهر ينبثق من بوّابة موارَبة تكسوها الأغصان المُزهرة. ثم ما تنفكّ تقترب حتّى إذا ما حاولت السّير نحوها تبتعدُ. كانت تلك رسالة الكون لي. رسالة تُرى بالقلب دون مُقدّمات، دُون تشفير. تُرى فقط. أفقتُ من تأمّلي ذاك محاولا لملمة شتات الرّحلة الذّهنيّة التي لم أشأ مغادرتها، بل بلوغ تلك الطّريق والسّير فيها نحو البوّابة. لكنّها كانت إشارة، إشارة لبداية رحلة عجيبة في الحياة. 

كان الوقت قد تأخّر قليلا. توجّهتُ صوب دوّار أولاد سْلامة أنشُد خُطى الأجداد. بعد وقت لاحت لي مقبرة دار بن موسى وعين الفضّة، وهناك في الأعالي رأيتُ كاف حْمَامْ في شُموخ وثبات. ثُم عرّجتُ صوب صخرة الرّهبانْ وبِرْكَة طوّار اللّيل وسِرتُ حَذو الوادي حتى أدركتُ منزلنا.

ها أنا أكتبُ هذه الأسطر في فرنسا بعيدا عن موطني وعن جُذُوري، تفصلني عن الوطن مسافات طويلة لكنّ ذهني يُسافر كلّ لحظة هناك، إلى مسقط رأسي بوسالم وأرض الأجداد بلطة وبْنِي مْحِمِّد. حيثُ تُسبّحُ الأرضُ بحَمْدِ الخَالِقِ شاكِرَة إيّاه على ما جاد به عليها من طبيعة سَاجِيَة قلَّ نَظِيرُها على سطح البَسِيطَة.   


بقلم : جابر السلّامي - بوسالم


4
0
2

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}