• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
التراب التراب، الأرض الأرض، والبشرية
التراب التراب، الأرض الأرض، والبشرية
تحكي لنا ثيتوس الحورية عن جزء من تاريخ ليبيا المفقود

عندما كنت أتجول على شواطئ مدينة طرابلس الغرب في ليلة حالكة الظلمة، باردة المفاصل،بأمواج متقلبة ورياح لا يعرف لها مرسى؛ كانت أضواء منارة الميناء البعيدة هي ماتخفف وحشة هذه الأجواء الكئيبة، في لحظة معينة انتبهت إلى أن ضوء المنارة قداختفى، سادت العتمة في المكان ولم يمضِ من الوقت سوى لحظات حتى تجسدت أمامي(ثيتوس)، ابنة (نيريوس) و(دوريس)، وإحدى النيردات الخمسين الأسطورية كما كانتتتجسد أمام ابنها (أخيل) في كل ليلة من ليالي الزمن الذي مضى؛ تملّك الرعب روحيبينما تيبّس جسدي كقطعة حطب جافة، كان لها جسد جميل يستره الظلام بشعر طويل منسدلعلى الأطراف، وقدمين فضيتين غارقتين في رمال الشاطئ؛ لأكون صادقا شعرت بخيبة الأملمثلكم، كنت قد تمنيت رؤية ذيل الحوريات الأسطوري بدل قدميها لكن لم يكن لي نصيب فيهذا.

 

 رمقتنيبعينيها بنظرات تشبه تلك التي رمت بها (باتروكلس)، لكنها قالت بهمس

  • "هل تعرف من أنا؟" 

قلت بينما أتراجع للخلف وببطء بقدمين متخبطتين:

  • "أنت ثيتوس الحورية والدة البطل أخيل"

قالت وهيتنتقل ببصرها بين ثنايا الشاطئ: 

  • "لا تقلق، لست هنا لأقتلك أو لأخيفك"
  • "إذا لماذا أتيتِ إلى هنا؟"

 

 

 

ارتفع أصوات تكسّر الأمواج فجأة، نظرت هي نحو الأفق المظلم، ثم قالت:

  • "في يوم من الأيام، وقبل ظهور الأرقام وبدء حساب الزمن، كان لبلدكم هذا حاكمة بسيطة وجميلة تدعى (لاميا)، هل سمعت بها؟
  • لا (قلتها وأنا أومئ بذلك)

 

أسردتوهي تجلس على رمال الشاطئ:

  • "كانت لاميا من أبناء حكام (الأوليمبس)، وقد قدر لها حكم دولة ليبيا في ذلك الوقت، وكان لها أطفال في غاية الجمال من زوجها البشري، يلعبون ويمرحون في سلام، كانت حاضنة لهم جميعا، حنونة عليهم، هي نعم الأم المربية والحاكمة المهتمة بأرض وطنها وأبنائه، إذ عاش شعبها في سلام ورخاء طوال فترة حكمها المقدر".

ثم ذبلتملامح وجهها وهي تقول:

  • "وفي يوم من الأيام تغيرت سطور ألواح القدر المكتوبة، وأعيد صياغتها من جديد؛ إذ أحبها (زيوس) كبير حكام الأوليمبس؛ ولأن الغيرة تملكت (هيرا) زوجته، لذا أقدمت الأخيرة على قتل جميع أطفال لاميا وقلبت حياتها رأسا على عقب بعدها حولت هيرا جسد حاكمة ليبيا السفلي إلى ذيل ثعبان، ثمّ شوهت لها وجهها وشعرها الحريري؛ وما أن أصبح لها شكل متوحش حتى تحولت لتقتات على دماء البشر، دب الرعب في نفس كل من عرفها في ذلك الوقت؛ تملكت الحرقة قلبها فقررت الثأر والانتقام من هيرا، لذا قتلت أبنائها لتصبح بذلك آثمة إلى الأبد، ثم أضحت تقتل كل من تقابله أمامها وبكل برود بحثا عن الثأر ودماء تروي ظمأها وتشفي غليلها.

قلت وكليأسى على تلك الحاكمة البائسة:

  • "هل هي حية الآن؟"

قالت ثيتوس بعد أن لمحت شهابًا ساقطًا من السماء:

  • "يقال بأنها تاهت في صحراء بلدها حتى عثر عليها الموت، فذبل جسدها، ثم تحول إلى هباء متناثر حملته الرياح إلى معظم المناطق، فامتزج بتراب الأرض، فأصبح بلدا متعطش دائما للدماء".

قلت والخوف يتملكني من المصير المجهول: 

  • "هل تعتقدين بأن لاميا قد ارتوت بعد كل هذه الدماء التي سكبت على الأرض الذي حكمتها وامتزج هبائها بترابه؟"

 

ضحكت ثيتوس ضحكة ارتفع معها علو موج البحر، ثم قالت:

  • "إن هذه الأرض التي ولدت فيها يسفك فيها الدماء منذ تلك الحادثة وحتى يومنا هذا، فهل في رأيك ارتوت أو سترتوي في يوم ما؟"

اندمج عقلي في البحث عن إجابة لسؤالها الغريب، للحظات شعرت بدوار أفقدني الوعي؛ كانت كافية لتختفي ثيتوس من أمام عيني، بينما لا تزال قهقهاتها تسمع حتى يومنا هذا أمامش واطئ طرابلس الغرب في الليالي المظلمة التي بلا قمر ولا مصابيح.

 

قصة 


5
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}