• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
الثّورةُ السّوريّةُ.. رحمة اللهِ عليها!
الثّورةُ السّوريّةُ.. رحمة اللهِ عليها!
Google+
عدد الزيارات
227
اكتب معنا عن أجمل المناطق السياحية في بلدك
أما بعد.. هنا سوريا!

إنّنا نحيا الحاضرَ كحادثةٍ مملَّةٍ، ونشتكي دوماً زوالَ أيّامِ الماضي الجميلِ.


في هذهِ اللَّحظةِ الّتي أكتبُ بها كلاماً فارغاً كهذا، أشعرُ بضيقِ النَّفسِ ومرارةِ العيشِ وسوءِ الطَّالعِ، أكتبُ لأقرأَ غداً في ذاتِ هذا التَّوقيتِ ما كتبْتُ اليوم، مستنكراً ومتأسّفاً بكلِّ ندمٍ على ضياعِ البارحة.

الزّمن.. الزّمن..
إنْ أردتَ أنْ تنتصرَ في أيّة حربٍ، حاولْ أنْ تكسبَ الوقتَ دائماً، فالنَّاسُ تملُّ وحينها تصبحُ حاجاتُها أولى منْ غاياتِها، مهما كانَتْ نبيلةً.
لا يمكنُكَ أبداً أنْ تأملَ قبولَ النَّاسِ عشراتِ السِّنين بالجوعِ مقابلَ الحرّيّة أو الكرامة.
إنّنا لا نتحدَّثُ عنْ ملائكةٍ، نحنُ برمَّتِنا بشر.
لهذا منَ الممكنِ أنْ نكونَ قَدْ أخطأنا حينَ حلمنا بعالمٍ ملائكيٍّ وبغايةٍ خياليّةٍ، ومع ذلكَ يبقى الحلمُ شيئاً مجّانيّاً.
الخوفُ كلّ الخوف ألّا تثمرَ مجّانيّةُ الحلمِ في بلدانِنا سوى الخراب والخنوع، أنْ نصبحَ آلاتٍ بشريّةٍ، أنْ نحلمَ بالزّواجِ والرَّفاهيّة والمال، أنْ نحلمَ بجوازِسفر.

 

حقيقة الحروبِ.. صراعٌ بين الخيرِ والشَّرِّ، والأمثلة كثيرة، منها ما قدِ امتدَّ أعواماً، منها ما قدِ امتدَّ أشهراً، ومنها ما انتهى خلال أيَّام، لكنَّ الحياة بطبيعتِها في حالةِ حربٍ مستمرَّةٍ، الأخيار دائماً ضدّ الأشرار، وهم غالباً أكثر النَّاس حاجةً للتَّعلّمِ منْ أخطائِهم.
إنَّ الصّورةَ النَّمطيّة للخيرِ تُعرِّفُ الطَّيّبين على أنَّهم أكثر النَّاس تعرّضاً للظّلمِ والفقرِ والاضطهادِ، للتَّهجيرِ والقتلِ والتَّشريدِ، بينما تجدُ الشَّرَّ في الجهةِ المقابلةِ صاحبَ السِّيادةِ والقوّةِ، ومَنْ يملكُ المالَ والسّلطةَ والحقَّ في القتلِ وسنِّ القوانين وتنفيذها والتَّحكّمِ في مصيرِ البشر.

لماذا يحكمُ الشَّرُّ إذاً هذا العالم؟
كلّ هذا الخراب والتّدمير، كلّ هذا التّطرّف والحقد، كلّ هذا البؤس والسّقوط، كلّ هذا الخوف الّذي يحتلُّ قلوبَنا وهذه التّفرقة، هذا الجنون.. ليسَ صنيعة استثناءات في تاريخِ البشريّة.
هتلر واستالين وموسوليني وفرانكو ليسوا سوى قامات شامخة وأسماء بارزة في حضارةِ العالم السَّاقطِ بنظَرِ الخير.

إنَّ حضارة الشَّرّ هي أكثر الحضارات استمراراً وإيماناً بأهدافِها، والتَّساؤل حقّ هنا: كيفَ لتاريخٍ طويلٍ كهذا أنْ يكونَ نتاجَ فردٍ أو فئةٍ حكمَتْ العالمَ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ؟

هذا الّذي يدفعُ للتَّشكيكِ في ماهيَّتنا، في طبيعتِنا، في ما نحنُ مفطورون عليه.

 

وبالعودةِ للصِّراعِ الأزليّ.. غالباً ما نجدُ أنَّ الأخيارَ بحاجةٍ قصوى لبذلِ جهدٍ مضاعَفٍ للانتصارِ أمامَ هذا الكمّ الهائل منَ الأشرار، فهم الحلقة الأضعف، والضّعيف هو مَنْ يتحمَّلُ عبءَ الصِّراعِ، فمهمّة الشّرّ هي الأسهل، حيث إنّها غالباً ما تكونُ مرتبطةً بالسُّلطةِ والتّرهيب، واكتساب موالين له أسهل بكثيرٍ منَ السّيرِ عكس التّيّار، فالنَّاس لا تحبِّذُ الذَّهابَ بأقدامِها لملاقاةِ الموتِ،الموتُ هو مَنْ يجيءُ عادةً.
إنّنا غالباً ما نكونُ في مرحلةِ هروبٍ مستمرٍّ منه!

 

أمّا أتباع الشّرّ فليس منَ الضَّرورةِ أنْ يكونوا مِنَ المغلوبِ على أمرِهم وإنْ كانَ جلّهم كذلك، منَ الممكنِ أيضاً أنْ يكونوا منَ المؤمنينَ بأفكارِهم وأفعالِهم والمقتنعين بها بكاملِ إرادتِهم ووعيِهم، فالنَّازيّون مثلاً لَمْ ينتهوا بانتهاءِ الحربِ ولا بزوالِ هتلر.

الزَّمن.. الزَّمن..
إنَّ إجبارَ النَّاسِ على الخنوعِ تحتَ رايةٍ لا تشبهُ غايتَهم لا يعني بالضَّرورةِ الثَّورةَ على الظّلمِ عند أوّل فرصةٍ متاحةٍ، ربَّما يكسبُ النَّاسُ الشّعورَ بالأمانِ والاستقرارِ مع الوقتِ، والاعتياد على صعابٍ حياتيّةٍ محدّدةٍ كالبطالة والفقر والجهل وما إلى آخره، قد يصبحُ أفضل منَ الاعتقالِ والتّعذيبِ والتّشتّتِ.

إنَّ قدرةَ النَّاسِ على التَّكيّفِ سيفٌ ذو حدّين، فالتّأقلم قدْ يصبحُ مقيتاً لدرجةِ أنْ يقتنعَ النَّاس بما كانوا يعدّونه خطأً أنّه الحلّ المثاليّ في الوقت الرّاهن..
وكذا يكسبُ الشّرّ مناصريه.. بمرورِ الوقت، ثمّ إنَّ اعتيادَ الألم يجعلُ البشرَ أكثر جرأةً وقساوةً في إيجادِ مبرِّراتٍ لأنفسهم في أحقيَّةِ توريثِ الألمِ وتصديرِه للآخرين، حيثُ إنَّ أكثر النَّاسِ حقداً على الفقراءِ هم الفقراء يومَ ينعمون.

 

بالإسقاطِ على النَّموذجِ السّوريّ نجدُ أنَّ فشلَ الثَّورةِ لمْ يكنْ نتيجةَ قوّةِ الدَّولةِ ولا ضعفِ إمكانيَّاتِ المعارضة، وإنّما بضعفِ الإيمانِ بالمبادئ والأهدافِ، وقدرةِ النّظامِ على إطالةِ الصّراعِ قدرَ الإمكانِ، فالنَّاس سريعو التَّغيّر ويوم يكونُ الحلُّ الموعودُ مرتبطاً بخيطٍ رفيعٍ منَ الأملِ، يصبحُ الرّهانُ خاسراً والأجدى أنْ نتراجع.
إنَّ خيطَ الأملِ هذا كانَ يصبحُ أرفع كلّما لاحَ في الأفقِ فيلقٌ جديدٌ أو هيئةٌ شرعيّةٌ أو ائتلافٌ سوريّ أو مجلسٌ عسكريٌّ جديدٌ أو أسماء أخرى.

 

في الواقعِ لمْ تكنِ الثَّورةُ يوماً غايةَ النَّاسِ، وإنّما نتائجها ومصالحهم المرجوّة منْ ورائِها هي ما يحثّهم على القيامِ بها، ومصالحُ النَّاسِ ليسَتْ متشابهةً، ثمَّ إنَّ قناعةَ البعضِ بالقبولِ بالقليلِ تقطعُ السَّبيلَ بوجهِ السَّاعينَ للأكثرِ، وتجعلُ منهم أعداء متخاصمين يرى كلّ منهما الشّرّ بغيرهِ.

وليسَ للشّرّ والخير منْ تعريفٍ محدّدٍ بمجالِ السُّلطةِ والحكمِ، إنَّها حالة نسبيّة وفرديّة، والأمثلة كثيرةٌ على الأرضِ السّوريّة، فالرّؤى متباينة بشكلٍ كبيرٍ، وذلك الّذي يجدُ في قيامِ الثّورةِ سبباً لنشوبِ الحربِ ليسَ مخطئاً، والاختلافُ ليسَ على سببِ نشوبِ الحربِ، وإنّما على سببِ قيامِ الثَّورةِ.


أكثر ما يقلقُني شكّي وتساؤلاتي حولَ حقيقتِنا، إنّني أعزو فشلَنا إلى عدمِ وضوحِنا وازدواجيّتِنا.. كثيرونَ مَنْ ركبوا موجةَ الثَّورةِ يومَ بدأت –ولا أتحدَّثُ هناعنْ أصحابِ مطامع منها، وإنّما عنْ أناسٍ عاديّين وجدوا في الثّورة خيراً- وكانوامِنْ أوائل النّاس عدلاً عنْ رأيِهم وإبدالاً لأقوالِهم.
كما أجدُ في كثرةِ المسميّات سبباً وجيهاً يقفُ خلفَ السُّقوطِ، فلا يمكنُ أبداً الجمعُ ما بين الرَّصاصةِ والسِّلم، وما بين الطّائفيّة والعدالة الاجتماعيّة.

يوم بدأتِ الثّورةُ في سوريا كنتُ منْ أشدِّ المتأمّلين خيراً بها، كنتُ المقتنع تماماً بإمكانيّة تحقيقِ عهدٍ جديدٍ في البلادِ، كانتِ المظاهراتُ يومها تبعثُ بي أملاً كبيراً وحسّاً لَمْ يسبقْ لي أنْ عشتهُ قبلها، هذا الشّعور الغريب الممتلئ توهّجاً وإيماناً بنفسكَ وبمَنْ حولك، الشّعور بالقوّة الّتي تُولَدُ مِنَالألم، الشّعور بأنّه لا خسارة بعد اليوم، بل نصرٌ تلو آخر.
كانتِ الحناجرُ تبعثُ الحياةَ بالعزيمةِ وتجعلُ منَ الخائفينَ مِنَ استياءِ الوضعِ أناساً يملؤهم الحافزُ والإصرارُ بأنْ لا مجال ولا سير إلّا نحو الأفضل، ولكنْ سرعان ما تبدَّدَ الحلمُ بإطلاقِ أوّلِ رصاصةٍ كانتْ قدْ أعلنَتْ بدءَ مرحلةِ البحثِ عنْ حلولٍ جديدةٍ لمشاكل ومصائب جديدةٍ كانَتْ قدْ بدأتْ لتوِّها.

 

الخلافُ حولَ مُطلِقِ الرَّصاصةِ الأولى عديم المنفعةِ، فالواضح حتماً أنّه أيّاً كانَ شكلُ الثَّورةِ أو نهجُها، فالمسبِّب الأوّل لجميع كوارث هذه البلاد هوالعائلة الحاكمة، حتّى وإنْ سلَّمنا جدلاً أنَّ الثّورة هي مَنْ قادتِ البلاد للحرب.

في هذهِ البلاد لا مجال لتبادلِ التّهم حول سبب وقوع الكارثة، ومقولة "إنَّ البادئ أظلم" لا تصلح أنْ تكونَ شتيمةً ترميها الدّولة السّوريّة على أعدائها، فالمواطن السّوريّ يعرفُ حقّ المعرفةِ أنَّ النّظام كانَ دوماً المسبّب الأوّل لهذا السّقوط.
ومع ذلك.. كانَ لا بدَّ للثّورةِ أنْ تجتهدَ أكثر في أنْ تصدِّرَ نفسَها للعالمِ بشكلٍ أفضلٍ، إنّني أرى أنَّ فسادَ الدَّولةِ الكبير واستبدادَها لا يُعطي الحقَّ لفسادٍ واستبدادٍ أصغر، وأنّ الظّلم المعتِّقَ في ذاكرتِنا لَنْ يكونَ حجَّةً مقنعةً لتبريرِ توريثِ الظّلم للغيرِ.

لذلك يوم بدأتِ الحربُ فقدتُ الأملَ، وصرتُ أشعرُ أنَّ المُبصِرينَ كانوا قَدْ رحلوا عنْ سماءِ هذه البلاد، وصارتِ الأرضُ مساحةً للمتعصِّبين الحالمين بمنصبٍ أوثروةٍ أو مجدٍ شخصيّ.

منذ ذلك اليوم لَمْ يبقَ للمستضعفين في تلك الأرض مَنْ يُمثِّلهم، حتّى المحاربون باسمِهم كانَ جلّهم مِنَ المغلوبِ على أمرِهم، والمُمتلئين بوهمِ أنَّ الوطنَ سينبتُ منْ جديدٍ على أيديهم.

 

إنَّ فكرةَ النِّظام تبدو ذكيَّةً نوعاً ما، أنَّ عصابات مسلّحة كانتْ قدْ ملأتِ البلادَ وتسعى لخرابِها، لأنَّ النَّهجَ المُتَّبَع كانَ غبيّاً، أنَّ تحريرَ الأرضِ يبدأ مِنْ دمارِها، حيثُ لَنْ تصبحَ المدينةُ محرَّرةً إلّا بعد أنْ يدمِّرها النّظام بحجّةِ أنَّ الثّوّاركانوا قدْ دخلوا إليها.

إنّني مِنَ المؤمنينَ أنَّ النّظامَ كانَ سعيداً جدّاً بما قَدْ حدث، لقدْ كانَ يملكُ الحجِّةَ في فعلِما يريد، ولكنْ لا بدَّ منَ التَّنويهِ مرّةً أخرى.. إنَّ فسادَ الثَّورةِ وفشلها في التَّخطيطِ لا يعني صلاحَ الدَّولةِ واختيارها كأفضلِ حلٍّ موجود.

حتّى ومع فشلِ النّهج المسلَّحِ للثّورة لا بدَّ منْ إعطاءِ بعضِ الثّوّار حقَّهم، فمنهم مَنْ ثارَ صادقاً بلا أيّة مطامع، متأمِّلاً بوطنٍ جديدٍ ومقاتلاً منْ أجلِ المستقبل، ولا بدَّ مِنْ ذكرِ أنَّ الأسباب الّتي دفعتِ الأفرادَ للسّلاحِ مختلفة جدّاً وأنّ معظم الغاياتِ عندهم كانتْ نبيلةً، لكنَّ الكتائب والدّول الّتي وقفتْ وراءَ تسليحِ الأفرادِ لمْ تكنْ كذلك.

يجبُ علينا التَّفريقُ بينَ الثَّائر وسلاحه، فالثّائر كانَ صادقاً، لكنَّ السّلاح ومَنْ وراءه قدْ خانه.

 

إنَّ فشلَ النّموذج الثّوريّ وإخفاقهِ لا يعني عدمَ الحقَّ في قيامِ الثَّورةِ، لكنَّ فشلَ الأسلوبِ وغيابَ التَّخطيطِ والتّنظيمِ أضاعَ تعبَ الكثيرين ممَّنْ حاولوا استثمارَ أوّلفرصهم في الحصولِ على حقوقِهم.

يجبُ علينا الاعتراف أنّها قدْ كانتِ الثّورة المثاليّة بالنِّسبةِ للنِّظامِ السّوريّ، في حينِ أنَّ إنتاجَ ثورةٍ تائهةٍ كهذه يقفُ وراءَه حتماً شعبٌ كانَتْ دولتُه قدْ زرعتْ فيهِ كلَّ أشكالِ الفسادِ طوال أكثر مِنْ أربعين عاماً، كما أنّني أعتقدُ أنّ الثّورات ضدّ الدّيكتاتوريّات لا يمكنُها فوراً خلقَ ديموقراطيّاتٍ نزيهةٍ، فبذور الفسادِ سريعة الانتشارِ ولكنَّها بطيئة الزّوال.

كثرةُ المسميّات في بدايةِ الثّورة مثلاً ساهمتْ في تشتيتِ قدرتِها على خلقِ التَّغيير، والسّرعة في التّحوّلِ وتغيير الأهداف المرجوَّةِ منها ساهمتْ في إخفاقِها الكاملِ في تحقيقِ أيّ هدفٍ كان، فبدايتها كثورةٍ سلميَّةٍ وطنيّةٍ وانتقالها للتّسليح والحربِ الأهليّة وتنوّع شعاراتها ما بين الإسلاميّةِ والدّينيّة والوطنيّة والقوميّة والعلمانيّة جعلَ منها لقمةً سائغةً لدى النِّظام.

كانَ يتوجَّبُ علينا أنْ نكونَ أكثر حذراً ووعياً وإدراكاً لطبيعةِ الشّرّ الّذي نحاربُه، لأنَّ قلّة الوعي جعلتْ منّا تدريجيّاً شرّاً جديداً، وصارتِ الحربُ مجهولة الهويّة يوم أصبحتِ البلادُ في حالةِ استبدالٍ لأشخاصِ وأسماءِ الحركاتِ الدّيكتاتوريّة الّتي تبتغي الباطل.

 

إنَّ غياب الوِجهةِ الواضحة وتعدّد الهيئاتِ جعلَنا بحاجةٍ لأكثرِ أشكالِ الدّولة تعقيداً، لدولةٍ علمانيّةٍ يساريّةٍ متحرّرةٍ متحفّظةٍ إسلاميّةٍ ترعى حقوقَ الأقليّاتِ وتُساندُ الأغلبيّة، وتتقبّل الشّيوعيّين، وتحكم برضى اليمين وتقفُ بجانب الدّين، وتفصلُ السّياسة عنه، وتطلقُ الأحكام تبعاً له، وتصونُ الملحدين، وتبني المساجد والكنائس وتهدمُها لمحاباةِ الشّيوعيّة، وتلعقُ حذاءَ الخليفة، وتثورُ في وجهِهِ، وتقتلُ الكفّار وتحفظُ حقوقَهم، وتمنعُ الكفرَ وتحدّ منَ التّعصّبِ.

تيهٌ يجبُ أنْ يحثَّنا كي نثورَ على أنفسِنا أوّلاً، على تناقضاتِنا وفراغِنا، حيث إنَّنا المفرغونَ منْكلِّ شيءٍ، نُرهِقُ الدّنيا ثرثرةً عنه!

 

لو كانَ بإمكانِنا النّجاحُ بصناعةِ وتعزيزِ الحسِّ الوطنيّ، كنّا استطعنا الحدّ منْ خطورةِ العبثيّةِ والفوضويّة الّتي رسمتْ شكلَ الصِّراعِ في سوريا.

لقدْ كانَ جليّاً وواضحاً مدى صعوبة إدراكنا لطبيعةِ الموقف، هذا الّذي أطالَ عمرَ المعركةِ، فالتَّبرير لكلِّ خطأ على أنّه خطأ فرديّ، والقتل بحجّة التّحرير، ومبدأ الغايةِ الّتي تبرِّرُالوسيلةَ، منحَ الكثيرَ منَ الهمجيّين وسامَ الوطنيّة والثّورة، والمساهمُ في هذا الإخفاقِ لَمْ يكنْ أعلامُ الثَّورةِ فحسب وإنّما مناصريها الّذين كلّما صُنِعَ باسمِ الثَّورةِ والوطنِ باطلٌ سارعوا لإيجادِ مُبرِّرٍ له.

هذا التّساهل في معاداةِ الخطأ والقدرة على التّعايشِ مع الظّلمِ -إنْ لَمْ يمْسَسْنا- جعلَ منَ الثَّورةِ بمرورِ الوقتِ خطأً جديداً يحاولُ إسقاطَ خطأ عمره أكثر منْ أربعينعاماً.

 

وبالنّسبةِ للمؤسّساتِ الثّوريّة نجدُ أنّها لَمْ تختلفْ بشيءٍ عنْ مثيلاتِها الحكوميّة سوى أنّها تحاربُها، حتّى إعلامُ الثّورة لَمْ يستطعْ ابتكارَ مثالٍ جيّدٍ، حيث كانتْ أبرز مبادئهِ العنصريّة والطّائفيّة والمناطقيّة وعدم الموضوعيّة وإيجاد مبرّرات للأسماءِ والحركاتِ الّتي تقفُ وراءَهُ وتموِّلُه ليدافعَ عنها.

لذلك.. إنَّ ثورةً تتبنّى أفكارَ النِّظامِ الّذي تحاربُه لَنْ يُكتَبَ لها النّجاحُ أبداً، فلا يمكنُ قطعاً محاربة شرٍّ بإنتاجِ شرٍّ جديدٍ مع أيدلوجيا مخالفة، لأنّ استئصال الشَّرِّ يحتاجُ خيراً مضاعفاً.

 

حين ترى بعض مَنْ يسكنُ في الوطنِ قدْ بدأ يميلُ تدريجيّاً للاقتناعِ بأنَّ ما قدْ حدثَ كانَ عبارةً عنْ عصاباتٍ مسلَّحةٍ، وأنَّ الّذين وصلوا للقارّةِ الأوروبيّة مثلاً كانوا أكبر المستفيدينَ مِنْ ضررِهم شخصيّاً، تدركُ حجمَ الكارثة.

إنّنا لا نكفُّ عنِ المقارناتِ وأخذِ كلّ الأمورِ بمنحى شخصيّ.

وبالجهةِ المقابلةِ تجدُ أنَّ بعض مَنْ وصلوا أوروبّا يتمنّون فعلاً استمرار الحربِ لضمانِ استمرارِ لجوئِهم، الشّيء الّذي يجعلُ منَ البلادِ نبعَ أسبابٍ ينهلُ منه الباحثونَ عنْ سببٍ يرضيهم.

إنَّ وطناً كانَتْ تستخدمُه النّفوس للمزايدةِ على الآخرين في الوطنيّةِ وحجم العذاب، إنَّ وطناً كانَتْ نكبتُهُ حجّةً لشتمِ الهاربينَ عنه واتّهامهم بالخيانةِ والخوفِ ولو ضمنيّاً، إنَّ وطناً علَّقهُ النَّاسُ صكَّ عبورٍ على ظهورِهم ورحلوا، يمنحُ المشهدَ غرابتَهُ.

 

العالقونَ فيه..الباقونَ عن قناعةٍ.. المنتفعون المستفيدون قد يشتركون يوماً ما جميعاً في تخوينِ الخارجينَ عنه قصراً.. والخارجين عنْ قناعةٍ.. والمنتفعين المستفيدين.

 

هذا الّذي يجعلُ الخياراتِ ضئيلةً ويعيقُ الرّؤيةَ ويصنعُ منْ أبناءِ الأرضِ الواحدة -المقسّمينَ أطرافاً بحكمِ ظروفِهم- أعداءً ستلعنُهم وتلعنُنا الإنسانيّة معهم لازدواجيّتهم وتناقضهم، هذا الّذي يجعلُ الثأرَ حاكمَ الموقفِ، فلن يفيدَني إلّا ما يُضرُّ ويُزعِجُ غيري.

منْ جهةٍ أخرى أرى أنّ الجغرافيا تلعبُ دوراً مهمّاً بطبيعةِ رأي الفرد!

 

ختاماً.. إنّني أؤمنُ أنَّ المشكلةَ ليستْ فيمَنْ يرى الثَّورةَ مخطئةً بل فيمَنْ يرى النِّظامَ محقّاً، كما أوقنُ أنَّ المواطنَ العربيّ بحاجةٍ ماسّةٍ لثورةٍ على الصَّعيدِ الشّخصيّ، أكثر مِنْ حاجتهِ لثورةٍ على صعيدِ الدَّولةِ، وأنَّ صلاحَ النّفسِ وصلاح الدّولةِ شيئانِ متلازمانِ دوماً.

ربَّما يجبُ علينا القضاء على التَّطرّفِ بشتّى أشكالِهِ، فالتّطرّف حالة مَرَضيّة تصيبُ الفردَ وتصنَعُ منه محارباً في سبيلِ أفكارِهِ ورؤاه وتمنعهُ عنِ الرّؤية.

إنَّ إنقاذَ ونهضةَ هذا البلد يوجِبُ علينا إيجاد حلٍّ جذريٍّ حسن السُّمعةِ، فالأقلّ تطرّفاً وإجراماً وانتهاكاً لا يعني تواجدَهُ خارجَ لائحةِ القَتَلة، ولَنْ يكونَ بتاتاً حلّاً مثاليّاً لهذهِ الملحمةِ.


5
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}