• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
الجهلُ بالدِين، بضاعةُ المُتشدِّدين.
الجهلُ بالدِين، بضاعةُ المُتشدِّدين.
Google+
عدد الزيارات
251
الحمد لله، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء، وبعد:

فإنّ الفهم الخاطئ للدين يخلق فئتين من الناس:

- فئة تعتدي على الناس باسم الدين!

- وفئة ترى أن الدين هو سبب الاعتداء على الناس!

قال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ)؛ رواه البخاري ومسلم.

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: "ومفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين، أي يتعلم قواعد الإسلام وما يتصل بها من الفروع، فقد حرم الخير. وقد أخرج أبو يعلى من حديث معاوية من وجه آخر ضعيف، وزاد في آخره: «ومن لم يتفقه في الدين لم يبال الله به»، والمعنى صحيح؛ لأن من لم يعرف أمور دينه لا يكون فقيهاً ولا طالب فقه، فيصحّ أن يوصف بأنه ما أريد به الخير".

ولا شك في أنّ عدم التفقه في الدين الفقه الصحيح؛ قد يجرّ صاحبَه إلى التشدد في الدين أو التطرف والإرهاب.

وأسباب البعد عن التفقه في الدين كثيرة، نذكر منها الأمور الآتية:

 أوّلاً- من المفاهيم الخاطئة عن الدين، أن يعتقد المرءُ أن المؤمن الحقيقي هو الذي لا تقع منه الأخطاء؛ فينظر إلى الناس نظرة احتقارٍ وازدراء!

وهذا جهل بخلق الله، وبطبيعة البشر؛ فلقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده، لو لم تُذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله؛ فيغفر لهم"، رواه مسلم.

قال الشيخ علي بن سلطان محمد القاري: (ليس الحديثُ تسليةً للمنهمكين في الذنوب،... بل بيانٌ لعفو الله تعالى وتجاوزه عن المذنبين ليرغبوا في التوبة... فأراد النبي صلى الله عليه وسلم به: أنكم لو كنتم مجبولين على ما جبلت عليه الملائكة لجاء الله بقوم يتأتى منهم الذنب...)، مرقاة المفاتيح.

 والمسلم الذي ينتظر الكمال من الناس، يصطدم بالواقع الذي يعيشه؛ وهذا يجعله يتشدّد في الحكم عليهم، وقد يلجأ إلى العنف لتغيير هذا الواقع!

ثانيا- إنّ من صفات المؤمن، الغيرة على دين الإسلام، وهذا شيء جميل ومطلوب؛ ولكن على الغيور على دين الله أن ينتبه إلى الأمور الآتية:

1- عدم الإفراط في الغضب حتى يخرجَ المرءُ عن سياسة العقل والدين، ولا تبقى معه بصيرة ونظر ولا فكرة ولا اختيار.

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( السَّمْتُ الْحَسَنُ وَالتُّؤَدَةُ وَالِاقْتِصَادُ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ )، أخرجه الترمذي.

والتؤدة: التأني والتثبت وترك العجلة.

قال ابن القيم: "ولهذا كانت العجلة من الشيطان؛ فإنها خفة وطيش وحدة في العبد، تمنعه من التثبت والوقار والحلم، وتوجب وضع الشيء في غير محله، وتجلب الشرور، وتمنع الخيور، وهي متولدة بين خلقين مذمومين: التفريط، والاستعجال قبل الوقت".

2- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( إنما الأعمال بالنيّات، وإنما لكل امريء مانوى ) متفق عليه .

وقال صلى الله عليه وسلم:( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ ) رواه مسلم. 

الحديث الأول ميزانٌ للأعمال الباطنة، والحديث الثاني ميزانٌ للأعمال الظاهرة.

قال الفضيل بن عياض:« إنّ العمل إذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يُقْبل، وإذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنّة».

فمَن كانت نيته حسنة ويريدُ الإصلاح، ولكنه يتصرّف بدون حكمة، فإن عمله مردود عليه!

3- قال تعالى: (وزيّن لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون)

قال بعض السلف: ما أمر الله سبحانه بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان، إما إلى تفريط وتقصير وإما إلى مجاوزة وغلو، ولا يبالي بأيهما ظفر؛ لأنه سيحقق هدفه في الحالتين؛ فهلك الناس بين التفريط وبين الغلو إلا من عصم الله من المؤمنين الذين اعتصموا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هلك الناس في وادي التقصير وفي وادي المجاوزة والغلو، وثبت القليلون على الأمر الوسط، سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

وتزيين الشيطان قد يكون عن طريق اتباع النصوص المتشابهة أوالضعيفة أو التي فيها شبهة؛ فيحمل بعض الشباب على التشدّد والعنف، وقد يلجؤون إلى اقتراف المذابح باسم الجهاد في سبيل الله!

ثالثا- والغيرة على الدين، قد تدفع بعض الشباب إلى القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بدون علم؛ ويجهل أنّ من شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

1- العلم: لأن الجاهل ربما نهى عن معروف وأمر بمنكر!

2- التزام الحكمة والموعظة الحسنة: لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان رفيقا فيما يأمر به، رفيقا فيما ينهى عنه؛ قال صلى الله عليه وسلم : (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه) .

3- ألاّ ينكر إلا على ما نص على تحريمه أو أجمع عليه: يقول الإمام النووي في روضة الطالبين: " ثم إن العلماء إنما ينكرون ما أجمع على إنكاره، أما المختلف فيه فلا إنكار فيه؛ لأنه ليس كل مجتهد مصيبا، أو المصيب واحد لا نعلمه، ولم يزل الخلاف بين الصحابة والتابعين في الفروع، ولا ينكر أحد على غيره، وإنما ينكرون على من خالف نصا أو إجماعا أو قياسا جليا" .

4- ألاّ تؤدّيَ إزالةُ المنكرِ إلى منكرٍ أكبرَ منه: قال القاضي عياض:" فإن غلب على ظنه أن تغييره بيده يسبب منكرا أشد منه، من قتله أو قتل غيره كف يده، واقتصر على القول باللسان والوعظ والتخويف، فإن خاف أن يسبب قوله مثل ذلك غَيَّر بقلبه وكان في سَعَة".

فمن لم تتوفر فيه هذه الشروط، فليجلس في بيته، وليصلح نفسه قبل إصلاح غيره!

رابعا- ولا شك أن سوء الظن بالعلماء، يُعد من أهم أسباب الإعراض عنهم، والوقوع في التشدد أو التطرّف؛وهذا قد يكون راجعاً إلى ما يأتي:

1- الظّنّ والاعتقاد أنّ العلم قُبِض بقبض العلماء، ولم يبق إلا الرؤوس الجهال وعلماء السوء.

2- اختلافُ العلماء في بعض المسائل الفقهية، والجهْلُ بأسباب هذه الاختلافات؛ فيظن بعض الشباب أن العلماء يتّبعون أهواءهم، فيفقدون الثقة بفتاويهم!

3- صدورُ بعض الفتاوى الشاذة عن بعض كبار العلماء، مما يدفع بعض الشباب إلى طرح الثقة بهؤلاء العلماء. 

وهذا جهل بمسألة هامّة قد تغِيبُ عن كثير من الشباب: إنّ علماء الإسلام الذين لهم أهلية الاجتهاد غير معصومين من الوقوع في الخطأ؛ ولكنّ الناسَ - كما قال بعض أهل العلم-  تجاههم ثلاثة أصناف: 

(أ) صنف يتصيّدون زلاتهم، ويستثمرونها في التشهير بهم؛ لإسقاط منزلتهم، بدَاعٍ من التعصب الأعمى، أو التآمر لتحطيم رموز نهضة الإسلام والنيل منه!

(ب) وصنف يغالون فيهم غلواً يقطعهم عن رؤية زلاتهم، وكأنهم أنبياء!

(ج) وصنف اتبع الحق؛ فيتبع الصحيح من أقوالهم، ويجتنب زلاتهم.

قال الإمام الشاطبي:" زلة العالم لا يصحّ اعتمادها من جهة ، و لا الأخذ بها تقليدا له،..، كما أنه لا ينبغي أن يُنسب صاحبها إلى التقصير، ولا أن يُشنَّعَ عليه بها ،ولا يُنتَقَصَ من أجلها، أو يعتقد فيه الإقدام على المخالفة بحتاً، فإن هذا كله خلاف ما تقضي رتبته في الدين."[ الموافقات ، للشاطبي : 4/170 و ما بعدها ] .

 وانظر (موقف العُقَلاء من زلّات الدعاة و العُلَماء) للدكتور أحمد بن عبد الكريم نجيب الشريف.

خامسا- بعض العلماء حرَّموا التقليد، وأوجبوا على عامة الناس الاجتهاد في فروع الفقه؛ عملاً بمقولةِ (هم رجال ونحن رجال)!

(إنَّ هذه الكلمة أصبحتْ مَطِيّةً يركبُها مَنْ يريدُ أنْ يردَّ أقوالَ الأئمة المتقدمين، والسلفِ الصادقين بلا حُجةٍ ولا بُرهان، ومَنْ يريدُ أن يُمَرِّر آراءه الشاذة، وأقوالَه الضعيفة، واختياراتِه الغريبة، ومَنْ يريدُ أنْ يُظهِر نفسهُ على حساب أئمة العلم والدين).

فخرج علينا شبابٌ هجروا أقوال العلماء، وألحقوهم بالجهلاء؛ ولم يفهموا من القرآن وكلام الرحمن إلا جزّ الرؤوس، وإزهاق النفوس!

وهذا شيء خطير، فلقد جاء في "الموسوعة الفقهية " (32/24) :

" الإفتاء بغير علم حرام، لأنه يتضمن الكذب على الله تعالى، ويتضمن إضلال الناس وهو من الكبائر , لقوله تعالى: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) فقرنه بالفواحش والبغي والشرك، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم : (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور العلماء، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم , فضلوا وأضلوا)، رواه البخاري. 

 وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنعقد بعمان (24 – 28 يونيو 2000م) ما يأتي:

شروط الإفتاء:

( ‌أ ) العلم بالكتاب والسُنة وما يتعلق بهما من علوم.

(ب) العلم بمواطن الإجماع والخلاف والمذاهب والآراء الفقهية.

(ج) المعرفة التامة بأصول الفقه ومبادئه وقواعده ومقاصد الشريعة، والنحو والصرف والبلاغة واللغة والمنطق وغيرها.

( ‌د) المعرفة بأحوال الناس وأعرافهم، وأوضاع العصر ومستجداته، ومراعاة تغيرها فيما بني على العرف المعتبر الذي لا يصادم النص.

( ‌ه ) القدرة على استنباط الأحكام الشرعية من النصوص.

( ‌و) الرجوع إلى أهل الخبرة في التخصصات المختلفة لتصور المسألة المسؤول عنها، كالمسائل الطبية والاقتصادية ونحوها.

لا تؤخذ الفتوى من غير المتخصصين المستوفين للشروط المذكورة آنفاً.

لا عبرة بالفتاوى الشاذة المخالفة للنصوص القطعية، وما وقع الإجماع عليه من الفتاوى). اھ.

سادسا- ومن أسباب التطرف، سوء الفهم لفتاوى بعض العلماء؛ فيفهم منها أنه يجوز الإقدام على بعض الأفعال؛ وكمثال على ذلك: فهم كثير من الشباب من حديث القرضاوي، في حلقة برنامجه «الشريعة والحياة» عن البوعزيزي التونسي، الذي حرق نفسه؛ أنه جائز الانتحار حرقا احتجاجا على سوء الأوضاع الاجتماعية!

سابعا- ومن أسباب التشدد والتطرف، أخذُ الفتاوى من أدعياء العلم، الذين يدّعون لأنفسهم الفقه والوصول إلى درجة الاجتهاد في الدين! قال عبد الله بن مسعود: " لا يزال الناسُ بخير ما أخذوا العلم عن أكابرِهم وعن علمائهم وأمنائهم، فإذا أخذوه من أصاغرهم وشرارهم هلكوا".

قال ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله(1/617) : "وقال بعض أهل العلم: إن الصغير المذكور في حديث عمر وما كان مثله من الأحاديث إنما يراد به الذي يُسْتَفْتى ولا علم عنده، وإن الكبير هو العالم في أي سِنٍّ كان. وقالوا: الجاهل صغير وإن كان شيخاً، والعالم كبير وإن كان حَدَثاً".

وقال ابن سيرين: "إنّ هذا العلم دينٌ، فانظروا عمّن تأخذون دينكم"؛ أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه.


2
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}