• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
التّعصُّبُ المذهبي داءٌ، فما الدواء؟ (الجزء الثاني)
التّعصُّبُ المذهبي داءٌ، فما الدواء؟ (الجزء الثاني)
الحمدُ لِلّهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على خاتَمِ الأنبياءِ والمرسلين.
وبعد؛ فهذا الجزء الثاني من موضوع (التّعصُّبُ المذهبي داء، فما الدواء؟).

2- أسباب التعصُّب ودوافعُه:

التعصُّب له أسبابٌ ودوافعُ كثيرةٌ، منها:

• اعتقادُ المُتعصِّبِ أنّ المذهبَ الذي يقلّده هو الحقّ، وأنّ ما سواه باطلٌ؛ أو اعتقادُه أنّ شيخَه كاملٌ ويتوجّبُ على جميع النّاسِ الأخذَ بجميع اجتهاداته!

قال أحدُهم:" أنا حنبليٌّ ما حَيِيتُ وإنْ أمُتْ ** فوصيَّتي للنّاس أنْ يَتَحَنْبَلُوا ". [الذهبي: سِيَرُ أعلام النبلاء (506/18)].

وقال آخر:" نحن ندّعي أنّه يجب على كافَّةِ المسلمين وعامّة المؤمنين شرقاً وغرباً، بُعْداً وقُرْباً، انْتِحالُ مذهب الشافعي..."! [الإبهاج في شرح المنهاج، للسبكي (206/3)].

وانظر هذين القولين في كتاب (كيف نختلف؟)، الدكتور سلمان العودة، دار السلام، ط1 سنة 2014، ص 32.

ولقد قال الإمامُ مالك -رحمه اللّهُ- مُحذِّراً مِن إِعطاءِ مرتبةِ النُّبوَّةِ للأئِمّة المجتهدين:" كلُّ أحدٍ يُؤْخَذُ من قوله ويُترَك، إلاّ صاحب هذا القبر -صلى الله عليه وسلم-"؛ [الذهبي: سير أعلام النبلاء، جـ 8 صـ 93].

ويَتَرَتّبُ على هذا القول أمْران:

الأمر الأوّل: خطأُ بعْضِ كبار العلماء الموثوقين، أو الطعنُ فيهم من قبل بعض المُتعصِّبين، لا يَحطُّ مِن قدرهم، ولا ينبغي أنْ يكون سبباً في الإعراض عنهم!

الأمر الثاني: إصابةُ بعضِ العلماء في كثير من المسائل الفقهية، أو تزكيتُهم مِن طرف كبار العلماء، لا ينبغي أنْ يكونَ سبباً في التّعصُّبِ لهم؛ إذْ هناك فرقٌ بين أنْ تطمئنّ إلى أحدِ العلماء وتأخذ منه العلم، وبين أنْ تَتَعَصَّبَ له!

وقال شيخُ الإسلام، الشيخُ ابن تيمية -رحمه اللّهُ-:"فَمن ظن أَنه يَأْخُذ من الْكتاب وَالسّنة بِدُونِ أَنْ يَقْتَديَ بالصحابة وَيتبع غيرَ سبيلِهم، فَهُوَ من أهل الْبدع والضلال، وَمن خَالف مَا أجمع عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ فَهُوَ ضال، وَفِي تكفيره نزاع وتفصيل، وَمن ادّعى الْعِصْمَة لأحدٍ فِي كل مَا يَقُوله بعد الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَهُوَ ضال، وَفِي تكفيره نزاع وتفصيل، وَمن قلّد من يسوغ لَهُ تَقْلِيده، فَلَيْسَ لَهُ أَن يَجْعَل قَولَ مَتْبوعِه أصَحَّ من غَيره بالهوى بِغَيْر هدًى من الله، وَلَا يَجْعَل متبوعَه مِحْنَةً للنَّاس، فَمن وَافقه وَالَاهُ، وَمن خَالفه عَادَاهُ؛ فَإِن هَذَا حرّمَه اللهُ وَرَسُولُه بِاتِّفَاق الْمُؤمنِينَ؛ بل يجب على الْمُؤمنِينَ أَن يَكُونُوا كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله حق تُقَاته وَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا وَلَا تفَرقُوا) ...". [مختصر الفتاوى المصرية: (655 - 656)].

وقال محمد سلطان الخجندي - من علماء السلف، ورحّالة من بلاد ما وراء النهر، ولد سنة 1297هـ/ 1880م-:" فَمَنْ يتعصَّبُ لواحدٍ معيَّن غير رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ويرى أن قوله هو الصواب الذي يجب اتِّباعُه دون الأئمة الآخرين، فهو ضالٌّ جاهل، بل قد يكون كافرًا يُستَتاب، فإن تاب فَبِها، وإلاَّ قُتل؛ فإنَّه متى اعتقد أنه يجب على الناس اتِّباعُ أحدٍ بعينه من هؤلاء الأئمة، فقد جعله بمنزلة النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وذلك كُفْرٌ!" [ رسالة (هل المسلم مُلْزَم باتباع مذهب معيَّن من المذاهب الأربعة؟)، محمد سلطان المعصومي الخجندي، ص 54].

وفي هذا العصر، قال بعضُهم على صفحات الإنترنت:" ابنُ باز هو الجماعةُ، وإن شِئتَ فالألباني"! [انظر هذين القولين في كتاب (كيف نختلف؟) د. سلمان العودة، دار السلام، ط1 سنة 2014، ص 104].

بل إنّ بعضَ أتباعِ الشيخ الألباني -رحمه اللّهُ- وَصَلَ بهم تعصُّبُهم إلى الاعتقاد أنّ كلّ حديث صحَّحه الألباني فهو نصٌّ يرفعُ الخلافَ في المسائل الفقهية، التي وقع فيها الخلافُ بين علماء الأمّة، ويرون أنّه يجبُ على الأمّة الإسلاميّةِ العمل بهذا النّص، ومَنْ خالفه فهو على ضلال مبين! ولقد قال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء -عن الشيخ الألباني- :"الرجل معروفٌ لدينا بالعلم والفضل، وتعظيم السنَّة وخدمتها، وتأييد مذهب أهل السنة والجماعة في التحذير من التعصب والتقليد الأعمى، وكُتبُه مفيدة، ولكنه كغيره من العلماء ليس بمعصوم، يُخطِئ ويُصيب، ونرجو له في إصابته أجْرَيْن، وفي خَطئِه أجرَ الاجتهادِ، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم واجتهد فأخطأ فله أجر واحد) – متفق عليه –".[الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود/" فتاوى اللجنة الدائمة " ( 12 / 324 ، 325 )]

وقال الشيخ المفتي محمد بن إبراهيم آل الشيخ -رحمه الله- في ردِّه على ما ذهب إليه الألباني من تحريم الذهب المُحَلّق:" بعضُ الناس ذهب إلى المنع من تحلي النساء بالذهب، وكَتبَ في ذلك، وهذا خلافُ ما في الأحاديث المُصَرِّحة بذلك. والذي كتب في ذلك ناصر الدين الألباني - وهو صاحِبُ سُنَّة ونُصْرَةٍ للحق ومصادمة لأهل الباطل، ولكن له بعض المسائل الشاذة، من ذلك هذه المسألة وهو عدم إباحته - ذَكَرَ وجَمَع آثاراً ولكنها لاتصلح أن تعارض الأحاديث. " [فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (4/92)].

وقال الشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي:"إنّ الشيخَ الألباني رحمةُ اللهِ عليه هو مِنَ الذين أحيَوْا علم التخريج في هذا الزمان، فقد أحيا لدى الناس علمَ تخريجِ السُّنَّة والحكم عليها والبحث في الرجال، وكان من أشهر أهل هذا الزمان في ذلك، وقد اجتهد فيه، واجتهادُه مثلُ غيره من الاجتهادات فيه صواب وفيه خطأ، فبعضُ ما صحّحه من الأحاديث لم يوافقه غيره على التصحيح، وقد تبين خطؤه في بعض تلك الأمور، ولذلك رجع هو عن بعض تصحيحاته، وبعضُ ما ضعّفه من الأحاديث أيضاً تبين خطؤه فيه ولذلك رجع هو عن بعض ذلك، وكلُّ طبعةٍ من كتابٍ له فالطّبعةُ التي بعدها فيها ردٌّ على نفسه ورجوعٌ عن بعض ما كان أنتج."، انظر: http://iswy.co/e3omu

وجاء في موقع (الإسلام سؤال وجواب) -عند الجواب عن السؤال 113687- التَّنْبِيهُ إلى بعض المسائل والفوائد، نذكر منها فائدتين لهما علاقةٌ بهذا البحث:

( - الشيخ الألباني رحمه الله بشر ، يصيب ويخطئ، فلا ينبغي لأحدٍ اعتقادُ العصمة في كلامه، وقد لا نجد من يزعم ذلك بلسانِ مقاله، لكننا نجد كثيرين يعتقدونه بلسان حالهم!

- لا ينبغي للعامي الذي يقبل لنفسه تقليد الشيخ الألباني رحمه الله – أو غيره من أهل العلم قديماً وحديثاً – أن يفتي، أو يجادل غيره. ولو التزم المُقلِّدون بهذا؛ لارتاحت الأُمّة من كثير من السوء الذي يُسمع هنا وهناك.

- مَنْ حَبَاه اللّهُ شيئاً من العلم، والقدرة على الترجيح بين الأدلة، ومعرفة الأقرب منها للصواب: لا يحل له أن يكون مقلِّداً لا للشيخ الألباني، ولا لغيره).[ انظر: https://www.google.com/amp/s/islamqa.info/amp/ar/answers/113687]

ونُنَبِّه إلى أنّه جاء في الفائدة رقم (3): " فلْيَتّق الله من يطلق لسانه في الشيخ بأنه جاء بشذوذات"! وهذا مخالفٌ لما نبَّه إليه الشيخ المفتي محمد بن إبراهيم آل الشيخ بقوله في الفتوى السابقة (4/92):" ولكنْ له بعضُ المسائل الشاذة "!

فهل العلاّمةُ المفتي محمّد بن إبراهيم آل الشيخ -رحمه اللّهُ- افترى على الشيخ الألباني الكذب؟

ومن الغريب أنّه جاء في نفس الموقع، وفي نهاية الجواب عن سؤال آخر، رقْمُه (110667): " وننبه في نهاية هذا الجواب إلى أمرين اثنين :

الأول : أن الشيخ رحمه الله [أي: الشيخ الألباني] ليس بمعصوم عن الخطأ ، وأنه قد ردَّ عليه كثيرون، فأصابوا في أشياء وأخطئوا في أخرى، وقد قبَل الشيخ تصويبهم فيما أخطأ به، ولم يمنعه ذلك من قبول الحق، فالشيخ رحمه الله بشر، يصيب ويخطئ، وصوابه أكثر من خطئه.)؛ انظر:

https://www.google.com/amp/s/islamqa.info/amp/ar/answers/110667.

• ومِن أسباب التّعصّب عدمُ اطّلاع المُقلِّد على باقي المذاهب، واكتفاؤُه بما أخذه عن شيخه؛ قال الشاطبي:" إنّ تعْويدَ الطّالبِ أن لا يطَّلِعَ إلاّ على مذهبٍ واحدٍ، رُبّما يُكْسِبُه ذلك نُفوراً وإِنْكاراً لِكلِّ مذهبٍ غيرِ مذْهبِه، ما دام لمْ يطّلِعْ على أدِلّتِه؛ فيُوَرِّثُه ذلك حزازةً في الاعتقاد في فضْل أئِمَّةً أجْمعَ النّاسُ على فضلهم، وتقدُّمِهم في الدِّين، وخبرتِهم بِمقاصدِ الشّارِعِ، وفَهْمِ أغراضه." ، [ (المُوافقات، الشاطبي، ج2 ص273 ط. منير)، نقلاً عن كتاب «أسباب اختلاف الفقهاء» د. التركي، ص64].

والجماعاتُ الإسلاميةُ المنغلقةُ على نفسها، تمنع -عادةً- أتْباعها من الاستماع للعلماء والشيوخ الذين لا ينتمون إليها مهما كانت مرتبتُهم، بل إنّها تمنعهم من قراءة بعض كتب كبار العلماء الأقدمين، وتُشكِّكُهُم في علمهم؛ ولذلك نجدهم يعتقدون أنّ الجماعة التي ينتمون إليها لا تخطئ في آرائها واجتهاداتها، ولا تُخطئ في ما تقوم به من أعمال، ويكون عندهم استعدادٌ لتنفيذِ أيِّ عملٍ يُطْلَبُ منهم!

قال الدكتور سلمان العودة:" وقد وَرَد عن بعضِ التابعين أنّ المرءَ كلّما كان أوسعَ عِلْماً كان أعذرَ للنّاس.

وهذا مُشاهدٌ بالتجربة، ونقيضُه مُشاهدٌ أيضاً، فضيِّقُ العلم والعقل، ضيِّقُ العَطَنِ[أي: ضَيِّقُ الصَّبر والحيلة عند الشدائد] سريعُ المُؤاخذةِ، حاضِرُ الاتّهامِ.

وقد أشار الإمام أبو إسحاق الشِّيرازي الشافعي إلى أنّ العالِمَ أقلُّ حماساً لمذهبه من العامِّي؛ لأنّه يعرف من الأقوال وأدلَّتِها ما لا يعرفه العامّي فيَعْذِرهم، ويُرجِّحُ الأمر بترجيح نسبي، لكن العامّي لا يفهم ولا يعلم إلاّ ما سمعه من ذلك العالم الذي وثق به، ولا يقبل الأقوال الأخرى ولا يعرف حُجَجَها؛ ولذلك يكون شديداً على أهلها، فكلما اتسع علمه وعقله كلما كان أعذر للنّاس.

ولذلك قيل: (العالِمُ مُتردِّد، والجاهلُ متأكّد) "، [كيف نختلف؟ د. سلمان العودة، دار السلام، ط1 سنة 2014، ص 128].

وفي هذا العصر، نجد بعضَ المتعصِّبين مَن يقضي وقته في الاستماع إلى بعض الشيوخ، الذين يُفتون بما يترجّح لهم من الأقوال -ومِن هؤلاء الشيوخ مَن فيه شيءٌ مِن التّعصُّبِ- فيعتقِدُ المُتَعَصِّب الذي يستمع إليهم، أنّ ذلك هو الحقُّ والصّواب، ولا يُكلّف نفسَه بالبحث أو السؤال؛ ويظن أنّه من واجبه أنْ يقوم بالدعوة إلى الأخذ بهذه الترجيحات، ويرى أنّ كلّ مَن يرفض العمل بها، فهو في ضلالٍ مبين، وعلى خطر عظيم!

• الجهل بأسباب اختلافِ العلماء المجتهدين في المسائل الفقهية الفرعية؛ ولقد ألّف الشيخ ابن تيمية كتاباً في موضوع اختلافات الفقهاء، سمّاه (رفعُ المَلام عن الأئِمّة الأعلام)؛ وألّف الدكتور عبد اللّه التركي كتاباً بعنوان (أسباب اختلاف الفقهاء)، طبع مؤسسة الرسالة.

ولقد ذكرنا بعض أسباب اختلاف الفقهاء سابقا.

• الجهلُ بِكَيْفِيَّة التّعامُلِ مع اختلاف الفقهاء، ولقد ألّف الشيخ الدكتور سلمان العودة كتاباً بعنوان (كيف نختلف)، طبع دار السلام.

• الجهل بوجود الاختلاف بين المحدِّثين في الحكم على بعض الأحاديث، وأسباب هذه الاختلافات؛ (فالأحاديث ليست على منوال واحد، فمنها المتفق على صحته كما في أحاديث البخاري ومسلم، وكثير من أحاديث ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وهناك نوع من الحديث مختلف في صحته وتضعيفه، وهذا الاختلاف راجع إلى ما وقف عليه كل عالم من أحوال الرواة، وطرق الحديث، وشواهده ومتابعاته، فقد يقف العالم المعاصر على ما غاب عن غيره من المتقدمين لتيسر سبل البحث والتحقيق، وسهولة الاطلاع على معظم مصادر السنة، وقد يقف على ما يراه قد غاب عن المتقدم، والواقع أن العالم المتقدم قد اطلع عليه، ولم يره صالحاً.

وقد يرجع ذلك إلى الاختلاف في بعض قواعد الجرح والتعديل، والتصحيح والتضعيف. كأن يرى أحدهم تحسين الحديث بتعدد الطرق، ولا يرى ذلك الآخر، وكاختلافهم في ضابط الحكم على الحديث بالشذوذ وغير ذلك.

وإذا كان حذاق هذا الفن، كالبخاري وابن المديني وأبي زرعة، وأبي حاتم قد اتفقوا على ضعف حديث، أو اتفق اثنان منهم على ذلك، أو على وجود الشذوذ أو العلة فيه، فإن تصحيح المتأخرين للحديث حينئذ يغلب عليه الخطأ.

وأمام هذا الاختلاف، فمن كان متقنا لهذا العلم، عارفا بدقائقه، فيمكنه أن يرجح بين الأقوال، سواء في أصول هذه المسائل، أو في تطبيقاتها العملية.

ومن لم يكن كذلك، فإنه يسعه أن يقلد عالماً موثوقاً عنده في هذا الفن، ولا شك أن المتقدمين أولى بالتقليد لقرب المنبع، وسعة الإطلاع، وقوة الإدراك، فما رجحوا صحته أو حسنه فيوثق بثبوته ومشروعية العمل به، وما لم يوجد ترجيح لحسنه أو صحته فهو يعتبر من أنواع الضعيف ولكنه من أعلى الضعيف.) [ انظر: https://www.islamweb.net/ar/fatwa/220774/ ]

والذي يطّلعُ على أسباب اختلاف الفقهاء والمُحَدِّثين، لا يملكُ إلاّ أنْ يعترفَ بفضلِهم وعلوِّ مقامِهم، ويرفعَ عنهم الملام -كما قال شيخ الإسلام-، دون أنْ يَتَعصّبَ لبعضهم، ويُنْكِرَ على مَن يُقَلِّدُ غيرَهم.

• الخَلْطُ بين النّهْيِ عن المُنْكر والإنْكارِ في المسائل الخلافية؛ قال الإمامُ النووي في روضة الطالبين: " ثم إن العلماء إنما ينكرون ما أُجْمِعَ على إنْكارِه، أما المُخْتَلَفُ فيه فلا إنكار فيه؛ لأنّه ليس كلُّ مجتهدٍ مُصيباً، أو المصيبُ واحدٌ لا نعلمه، ولم يزل الخلاف بين الصحابة والتابعين في الفروع، ولا ينكر أحد على غيره، وإنما ينكرون على من خالف نصا أو إجماعا أو قياسا جليا".

وقال الشيخُ العودة:" لا إِنْكارَ في مسائل الاجتهاد التي يختلف فيها العلماء: فهذه المسائلُ لا يُنكِرُ فيها أحدٌ على أحدٍٍ، فالكلُّ مُجتهِدٌ، ولكلّ مجتهدٍ منهم نصيبٌ، وإنْ كان المُصيبُ واحداً، وفرَّق بعضُهم بين مسائل الاجتهاد ومسائل الخلاف بما لا طائِلَ تحتَه فيما يبدو".[كيف نختلف؟ د. سلمان العودة، دار السلام، ط1 سنة 2014، ص 110].

وقال أيضاً:" لا يُنْكِرُ مُقَلِّدٌ على مُقَلِّدٍ: فإذا كان الإنسان مُقَلِّداً لِغيرِه مِنَ العلماءِ أو المذاهب؛ فإنّه لا يَحِقُّ له أنْ يُنْكِرَ على مُقَلِّدٍ آخر." [المرجع السابق: ص111].

وقال في نفس الصفحة:"عدمُ الإنْكارِ لا يعني عدمُ النّصيحةِ: والنّصيحةُ لا تكون في المسائلِ العِلْميّة المَحْضَةِ" [السابق: ص111].

• حُبُّ الظهور: فيتظاهر المتعصِّبُ بأنّه باحثٌ ومُدقِّق، وعنده قوّة على الترجيح أكثر من غيره؛ ولهذا السّبَبِ فيجبُ أنْ يُرجعَ إليه عند الاختلاف!

قال الإمامُ ابن حزم -رحمه اللّهُ-:"لا آفةَ أضَرُّ على العلوم وأهلِها من الدُّخَلاءِ فيها، وهُمْ مِن غير أهْلِها؛ فإنّهم يجهلون ويظنون أنّهم يعلمون، ويُفْسِدون ويُقَدِّرون أنّهم يُصْلِحون." [ كتاب الأخلاق والسير، الإمامُ ابن حزم الأندلسي، تحقيق إيفار رياض، دار ابن حزم، ط1 سنة 2000، ص91 ].

• الشعورُ بالنّقص: هناك مَن يدفعُه شعوره بالنّقص إلى مُحاولة تعويضه بالتّعصب لمذهبٍ ما أو لشيخٍ من الشيوخ المشهورين، وغرضُه هو الشعور بالقوة والكمال والعزة؛ لأنّه يتّبِع أفضلَ الشّيُوخ وأكملَهم، أو أفضل المذاهب وأعظمها.

• وهناك مَن يتعصَّبُ اتِّباعاً لِلهوى وطَلباً لِلسِّيادَةِ والتَّحكُّمِ في الآخرين، ومِن علاَمةِ ذلك أنّه إذا أخذ برأيٍ في مسألةٍ خلافية، فإنّه يريدُ أنْ يفرضه على مَن حوله، فإن خالفه أحدُهم فإنّه غالباً ما ينفعل ويثور، ويرفض الاستماع إلى أدلّته ومناقشته، واتهمه بمخالفة الحقّ؛ والحقيقة التي يخفيها في صدره هي أنّ غضبَه سببُه هو رَفْضُ هذا المخالف الأخذ برأيه! إنّه يُحِبّ أنْ تكونَ كلمتُه هي العُليا!

قال أبو حامد الغزالي:"وأما المجادلة: فعبارة عن قصْدِ إفحام الغير وتعجيزه، وتنقيصه بالقدح في كلامه، ونسبته إلى القصور والجهل فيه.

والباعثُ على هذا، هو التّرفُّعُ بإظهار العلم والفضل، والتّهجُّمُ على الغير بإظهار نقصه.

وهما [أي: المراء الذي ذكره من قبل، والمجادلة] شهوتان باطنتان لِلنّفس قويّتان لها. وهما من باب تزكية النفس، وهي من مقتضى العلوّ والكبرياء " [ صالح أحمد الشامي، المهذب من إحياء علوم الدين، ج2 ص70-71، دار القلم-الدار الشامية، ط1 سنة1993].

وقال أديب إسحاق:" "وحَدُّ التعصُّب عند أهل الحِكمة العصْرِيَّة: غلوُّ المرء في اعتقاد الصحَّة بما يَراه، وإغراقه في استِنكار ما يكون ضد ذلك الرأي حتى يحمله الإغراق والغلوُّ على اقتياد الناس لرأيه بقوَّةٍ، ومنعهم من إظهار ما يعتقدون، ذهابًا مع الهوى في ادِّعاء الكمال لنفسه، وإثبات النَّقص لِمُخالِفيه من سائر الخلق." [(أضواء على التعصب)؛ أديب إسحاق، ص13، نقلاً عن الدكتور بليل عبدالكريم، من الموقع:https://www.alukah.net/culture/0/38047 ]

ويقول الدكتور بليل عبدالكريم: "وكثيرًا ما يغلب الطبع النفسي على الطبع الفكري، فصاحب الأنا نادرًا ما يرجعُ أو يُراجع، ولا يتقبَّل التصويب من البعيد أو القريب، وهذا يخلقُ شحنةً نفسيَّة تدفع الطاقة الفكريَّة كلها لنُصرة مُعتَقده ورأيه، ويغلق فكره عن تبصُّر أدلَّة الخصم، حتى لو كانت جليَّةً قويَّةً... " [الصفحة السابقة].

وقال في نفس الصفحة:" أمَّا التعصُّب الفكري هو تغَلُّب فكرةٍ ما على عقل إنسان، يجعلُها تسيطِرُ على تفكيرِه، فتَدْرَأ مُناقَضاتها، وتمنعُ مُضادَّاتَها، والبعض يصلُ به الحال إلى أنْ تسيطرَ عليه، وتجتاز الإدراك إلى الأعصاب، فيَثُورُ كلَّما عرض غيرها، ويغلق عليه كلَّما رُوجِع فيها، فلا يقبل حتى النظَر فيما دُونها، لا يُقَلِّبُ النظَر في دليلها، ولا يَقْبل نظرًا في دليلٍ لغيرها، ولا يتمعَّن في رأي مخالف، وتأخُذه روح عدائيَّة إلى درجة الانفجار على خَصمه، ومنشأ هذا التعصُّب، ودافعه تهيُّجٌ في الأعصاب."

ولهذا فإنّ بعض المُتعصِّبين قد لا يكتفون بإلزامِ المُحيطين بهم مِن أقرباء ومعارف بما يرونه حقّاً، بل قد يصل بهم تعصُّبُهم إلى مراقبة وتتبُّع مَن يعمل بما يريدون إلزامَهم به، ومَن لا يعمل به؛ فيرضون عن هذا ويسخطون عن ذاك!

• الجهلُ بمعاني بعضِ المصطلحات المتداولة بين الفقهاء والأصوليين؛ ومن بين هذه المصطلحات، مصطلح (الجمهور) ومصطلح (النّصّ) المذكور في القاعدةِ المشهورة (لا اجْتِهادَ مع النّص).

أ) ما معنى كلمة (الجمهور) عند الفقهاء؟

قال الدكتور محمّد سليمان الأشقر: "كلِمةُ (جمهور) تُطْلقُ على الأئِمّة الأربعة إنْ خالفهم غيرُهم مِنَ [العلماءِ] المُعْتَبَرين، أو على ثلاثةٍ منهم إنِ اتّفقُوا على مسألةٍ وخالفَهم الرابعُ، أو على اثنين منهم إنِ اتّفقا على قولٍ واحدٍ واختلفَ الآخران، كلٌّ منهما على قول." [انظر: د.محمّد سليمان الأشقر: الفُتْيا ومناهجُ الإفتاء، ط3، دار النفائس، ص51].

وهذا يُبيِّنُ خطأَ من يظن أنّ كلمةَ (الجمهور) تعني (الإجماع)، ويظن أنّ الذي لا يعملُ بقول الجمهور، مخالفٌ للإجماع؛ فيَنْكُر عليه ذلك! وقول الجمهور ليس بدليل عند علماء الأصول. [الأشقر، المرجع السابق، ص52].

وهناك مصطلحٌ آخر يظن بعضُهم بأنّه إجماعٌ، وهو قولهم:" اتّفَقَ الأكثر على كذا"، وعند الأصوليين (اتِّفاقُ الأكثر ليس بإجماع، وليس بحُجَّة؛ لأنّ الحقّ قد يكون مع الأكثر وقد يكون مع الأقل).[ الجامعُ لأصولِ الفقه، الطبعة السادسة، السنة2006 مكتبة الرشد ناشرون، أ.د. عبد الكريم النملة أستاذ أصول الفقه بكلية الشريعة بالرياض، ص 314].

بل إنّ اتّفاق الأئِمّة الأربعة على قولٍ اجتهادي في المسألةِ، ليس حجّةً؛ لأنّه ليس إجماعاً. [المرجع السابق: ص 52].

فإذا وُجِدَ قوْلٌ يخالفُ قوْلَ الجمهورِ أو يخالف اتّفاقَ الأئِمّةِ الأربعةِ، أو يخالف قولَ الأكثر، وكان هذا القول لبَعْضِ الأئِمّة الموثوقين الأعلام، وترجّحَ لأهل التّرجيح أنّ الحقّ معه، فالواجب عليهم أن يأخذوا به، ولا حرج على مَن أخذ بترجيحهم مِن المُقلِّدين لهم، إنْ لم تكُن نيتُه تتَبُّعَ الرخص. وقد يرى البعضُ أنّه مِنَ الأحوطِ لِلْمُقلِّد أنْ يعملَ بقول الجمهور، أو بما اتّفق عليه الأكثر أو بما عليه الأئِمّةُ الأربعة.

ب) ما معنى كلمة (النّصّ) المذكورة في القاعدةِ المشهورة (لا اجْتِهادَ مع النّصّّ)؟

قالت لجنة الإفتاء المصرية:"ومن القواعد الشهيرة المتعلقة بالاجتهاد، قاعدة: (لا اجتهادَ مع النص ...)، ولا تعني: لا اجتهاد في فهم النص، كما يظن البعض، بل المراد: لا اجتهادَ مع وجود النص القطعي، الذي يدل على معنى واحد ولا يحتمل معنى سواه، أما لو كان اللفظ يقبل التفسير باحتمالات متعددة فهنا يكون لعقل الفقيه مجال في النظر؛ من أجل ترجيح بعض هذه الاحتمالات على بعض."؛ انظر موقع «دار الإفتاء المصرية»:http://dar-alifta.org/ar/ViewFatawaConcept.aspx?ID=%2037

وقال الأستاذ الدكتور مصطفى ديب البغا:" وإذا كان الرأيُ جماعياً وحصل فيه اتفاقٌ -وهو الإجماعُ- كان بِمَثابَةِ النّص.

ومن هنا كانت القاعدةُ الأصوليّةُ القائلةُ:" (لا مساغَ للاجتهاد عند مَوْرِد النّصِّ)، أي: عند مَجِيئِ آيةٍ أو حديثٍ دلالةُ كلٍّ منهما صريحةٌ وقاطعةٌ في حكمِ المسألةِ. وقد ذكرنا أنّ الإجماعَ إذا ثبت كان بمنزِلة النّصِّ." [أ.د. مصطفى ديب البغا، أستاذ الفقه وأصوله وقواعده، في كلّيتيْ الشريعة والحقوق-جامعة دمشق، أصول الفقه الإسلامي: دراسة عامة، دار المصطفى دمشق-حلبوني، ط 3، سنة 2007، ص 262].

واعتُبِرَ الإجماعُ بمثابةِ النّصِّ؛ لأنّه (إذا ثبت الإجماعُ سقط البحثُ عن الدليل، وتحرُمُ مخالفتَه.) [انظر: «اللّبابُ في أصولِ الفقه»، ص232، عدنان داوودي، طبع دار القلم-دمشق]

وقد يعترِض معترِضٌ قائلاً:" إنّ معاذَ بنَ جبل -رضي اللّهُ عنه- لمّا بعثه النبيُّ -صلّى اللّهُ عليه وسلّم- وسأله: كيف يقضي إذا عُرِضَ له قضاء؟ فقال له: إنّه سيقضي بكتاب اللّهِ، ثم بسنّة رسوله -صلّى اللّهُ عليه وسلّم- فإن لم يجد اجتهد رأيه؛ ولم يذكر الإجماعَ!

أجاب عن هذا الاعتراض الأستاذ الدكتور مصطفى البُغا بقوله:" ولمْ يذكر الإجماعَ؛ لأنّه لا يكون في زمنه -صلّى اللّهُ عليه وسلّم-، كما علمت." [المرجع السابق، ص 262].

وفي «أصول مذهب الإمام أحمد» ص721: "والمراد بنفي الاجتهاد عند وجود النص ما إذا كان النص صحيحاً صريحاً، أمّا الاجتهاد في فهم النص وتطبيقه على الواقعة إذا كان ظنّي الدلالة فهذا أمرٌ آخر تختلف الأفهام فيه، وهو نوعٌ من الاجتهاد في النصوص". [ انظر كتاب (قاعدة: «لا مساغ للاجتهاد مع النّص» وعلاقتها بمحل الاجتهاد الفقهي)، د.حمد بن حمدي الصّاعدي، الأستاذ المشارك في كلية الشريعة قسم أصول الفقه، دار الكتب العلمية/ بيروت-لبنان، ط1 سنة 2007، ص 112].

وقال الشيخ أنور عبد الله بن عبد الرحمن الفضفري]:" (ولا اجتهادَ في مكان النّص ...............)

أي: لا يَصِحّ ولا يُعتبَرُ به ( إذا كان في مكان النّص ) أي: النّص الشرعي، وهو الكتابُ والسُّنَّةُ، وكذا الإجماع، فإذا ثبت شيْءٌ بالكتاب المحكم والسُّنَّةِ المُحكَمة، أو الإجماع، فلا يجوز الاجتهادُ بخلاف ذلك؛ ولذا بَطَلَ القول بحلّ نكاح المتعة، والقول بتسوية الذكور والإناث في الإرث... " [ المرجع السابق، ص 113].

وقال الشيخُ حافظُ ثناء اللّه الزاهدي:" مجالُ الاجتهادِ هو كلُّ حُكْمٍ شرْعيٍّ ليس فيه دليلٌ قاطِعٌ مِن ناحية الدلالة على الحكم، ولا هو مِمّا أجمعوا عليه. أمّا المسائلُ التي ثبت حُكْمُها بأدلّةٍ قطعِيّة ثبوتاً ودلالةً أو أجمع عليها العلماءُ إجماعاً صحيحاً فليس لِلِاجْتهادِ فيها مجالٌ." وكُتِبَ في الهامش: "راجع الإحكام (206/3)، المستصفى (354/2)، إرشاد الفحول (ص: 252-253) [حافظ ثناء اللّه الزّاهدي، تيسير الأصول، دار ابن حزم، بيروت، ط2 سنة 1997م، ص 323].

وهذا يبيّنُ خطأَ من يظن أنّ كلمة (النّص) المذكورة في تلك القاعدة، تطلق على كلّ آية من القرآن الحكيم، وعلى كلّ حديث صحيح!

• ومِن هؤلاء المُتعصِّبين مَن يحتجّ بِقول الشافعي -رحمه الله-:" إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي"؛ لِيُلْزِموا النّاسَ بالعمل بأيّ حديثٍ صحَّحَه أحدُ أئمة الحديث مِنَ القُدامى أو من المعاصرين، ولو لم يعمل به أحدٌ من الأئمة المجتهدين!

وهذا القول يحتاجُ إلى توضيحٍ وتفصيل؛ والخطأُ الذي يقع فيه كثير من المُتعصِّبِين هو التّسرُّع في العمل بظاهرِ بعضِ الأقوالِ، وعدمُ قَبول أيِ توضيحٍ أو تفسير لها، يخالف ظاهرَ ما فهموه!

قال الإمام النوويُّ -رحمه الله-: "وهذا الذي قالهُ الشافعيُّ ليسَ معناه أنَّ كُلَّ أحدٍ رأى حديثاً صحيحاً قال: هذا مذهب الشافعي، وعمل بظاهرِه! وإنَّما هذا فيمَن لهُ رتبةُ الاجتهاد في المذهب على ما تقدم مِن صفته أو قريب منه، وشرطُه: أنْ يغلب على ظنِّه أنَّ الشافعيَّ رحمه الله لَمْ يقف على هذا الحديث، أو لم يعلم صحته، وهذا إنَّما يكون بعد مطالعة كتب الشافعي كلّها، ونحوها مِن كُتب أصحابه الآخذين عنه وما أشبهها، وهذا شرط صعب قلَّ من يتصف به، وإنَّما اشترطوا ما ذكرنا لأنَّ الشافعي رحمه الله تركَ العملَ بظاهرِ أحاديثَ كثيرةٍ رآها وعَلِمها، لكنْ قامَ الدليل عنده على طعنٍ فيها أو نسخِها أو تخصيصها أو تأويلها أو نحو ذلك." [ النووي: المجموع (64/1)].

وقال ابنُ حَجَرٍ العَسْقلانيُّ -رحمه الله-:"ووجهُ النظر أَنَّ مَحَلَّ الْعَمَلِ بِهَذِهِ الْوَصِيَّةِ[يعني: قول الشافعي:(إذا صح الحديث فهو مذهبي)] مَا إِذَا عُرِفَ أَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، أَمَّا إِذَا عُرِفَ أَنَّهُ اطَّلَعَ عَلَيْهِ وَرَدَّهُ أَوْ تَأَوَّلَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوه، فلا". [الفتح (ح/706).

فالإمامُ الشافعي -رحمه اللّهُ- لمْ يكن يعمل بكلّ حديثٍ وَصَلَه؛ بل كان يَرُدّ العمل بالحديث إذا قامَ الدليل عنده على طعن فيه أو نسخِه أو تخصيصه أو تأويله أو نحو ذلك؛ كما نبَّه إلى ذلك الإمامُ النّووي.

إنّ الإمامَ الشافعي كان يردّ بعض الأحاديث التي صحّحها أبو حنيفة أو الإمامُ مالك، فهل إذا عثرنا على حديثٍ مِنْ هذه الأحاديث سنقول إنّه مذهب الشافعي، رغم أنّه اطلع عليه ولم يعمل به؟

وهل إذا صحّح أحدُ المحدِّثين المعاصرين حديثاً وخالفه آخرون، سنُلْزِم جميع العلماءِ بالعمل به؟

إنّ صِحّةَ الحديث لا تكفي وحدها لوجوب العمل به، وهذا معلومٌ عند أهل الفقه والاجتهاد، ومن قال غير ذلك، فليرجع إلى أبسط كتابٍ في علم (أصول الفقه).

إنّ هؤلاء المُتعصِّبين يجهلون أنّ هناك (مِن الأحاديث الصحيحة ما انْعَقد الإجماعُ على ترك العمل بها، أي اتفق الصحابة أو التابعون على ترك العمل بها، وما كان كذلك فلا يجوز العمل به إن تحقق الإجماع، وهذا منهج متفق عليه بين أهل العلم .

فقد نقل القاضي عياض في "ترتيب المدارك" (1/45) :" قال مالك: وقد كان رجال من أهل العلم من التابعين يُحدّثون بالأحاديث، وتبلغهم عن غيرهم، فيقولون: ما نجهل هذا؛ ولكن مضى العمل على غيره ". انتهى .

وقال ابن رجب في رسالته "فضل علم السلف على علم الخلف" (ص83) :"فأما الأئمة وفقهاء أهل الحديث: فإنهم يتبعون الحديث الصحيح حيث كان، إذا كان معمولا به عند الصحابة ومن بعدهم، أو عند طائفة منهم .

فأما ما اتفق على تركه: فلا يجوز العمل به، لأنهم ما تركوه إلا على علم أنه لا يُعْملُ به".) [وانظر إنْ شِئْت: https://www.google.com/amp/s/islamqa.info/amp/ar/answers/270890 ]

قال الدكتور عبد العزيز صغير دخان (أستاذ الحديث وعلومه):" ومن هنا نُدرِك حَجْمَ الانحراف الذي يقع فيه مَن يَدْعُون النّاسَ إلى الاكتفاء بِصِحّة الحديث للعمل به، وهذا -في نظري- انحرافٌ كبيرٌ يُسِيءُ إلى السُّنَّة إساءةً بالغةً..."[مظاهر الإنحراف في فهم السنة وضوابط العصمة من ذلك، عبدالعزيز دخان، مكتبة الصحابة-الشارقة ، مكتبة التابعين-القاهرة، ط1، سنة 2003، ص65].

ولا شكّ أنّ الذي يُسِيءُ إلى السُّنَّة يُسِيءُ كذلك إلى النّّبِيِّ -صلّى اللّهُ عليه وسلّم-، ويُسِيءُ إلى الدَّعْوة الإسلامية؛ وبِتَعَصُّبِه يُنَفِّرُ النّاسَ من الدين؛ ويكون من الذين قال عنهم النّّبِيُّ -صلّى اللّهُ عليه وسلّم-:(يا أيُّها النَّاس، إنَّ منكم مُنَفِّرِين) [رواه البخاري ومسلم].

• ومِنْ أسباب التّعصُّبِ الاعتقادُ بوجوب الورع والاحتياط في الدين، وهذا يدفعُ المُتعصِّبين الذين عندهم ميل إلى التشدّد في الأخذ بالاحتياط إلى الإنكار على غيرهم مِمَّن ليس عندهم هذا التشدّد!

ولا شكّ أنّ هذا خطأٌ كبير، ويدلّ على الجهل وقلة الفقه.

ولقد عرّف الإمامُ القَرَافِي الاحتياطَ بقوله:"تَرْكُ ما لا بَأْسَ به حَذَراً مِمّا به بَأْس"، [الفروق للقرافي: 4/368]، وأقرّه عليه ابن القيم في كتابه (بدائع الفوائد: 3/257).

يقول قطب الريسوني:" وإذا كان الاحتياط أصلاً ثابتاً، ومسلكاً مشروعاً، يُسْتدلُّ عليه بالنصوص القاطعة من الكتاب والسُّنَّة، ويُسْتأنسُ له بعمل السلف الصالح وفتاوى الأئمة الأربعة، فإنّ التوسُّطَ فيه مَنْزَع محمود يليق بمحاسن الشريعة ومقاصدها في التكليف، فلا نغالي فيه إلى حد التنطع والتعمق وإيجاب ما لم يجب، ولا نجفو عنه إلى حد تقحّم الشبهات ومظانِّ الرِّيَب، وقد قيل: إن كل شيء تجاوز حدَّه انقلب إلى ضده.

ولعلَّ من الغلو في الاحتياط ـ سواء كان أخــذاً بأكثــر ما قيل أو بأثقل ما قيل ـ أن نُلْزِمَ الناسَ به على سبيل الوجوب، مع أنه تنزه وتورّع.

يقول الدهلوي: «أصل التعمق أنْ يُؤْخذَ موضِعُ الاحتياط لازماً»[ الحجة البالغة للدهلوي: 2/134]، فمن المرغوب فيه أنْ يُنْدِب العالِمُ إلى الورع، ويشير باجتناب ما حاك في النفس، إلاَّ أنه لا يقضي بذلك على أحد، ولا يفتي به فتوى إلزام، وإن شاء أن يكون شديد الأزر على نفسه فيأخذها بالتحوط فله ذلك، ما لم يُخشَ عليه التنطع في الــدين، وهـو مهلكة ما بعدها مهلكة. [انظر: الاحتياط الشرعي.. حقيقته وضوابطه؛ د. قطب الريسوني/ على الموقع:http://www.denana.com/main/articles.aspx?article_no=7741&pgtyp=66].

ويقول الشيخ الدكتور سلمان العودة:" الورعُ والاحتياطُ سلوكٌ شخصيٌّ تفعلُه بنفسك، فلا تُلْزِمْ به حتى أقرب النّاسِ إليك؛ زوجتك أو ولدك أو تلميذك، وربما تنصح أو تقترح، لكن لا تُلزِمْ بذلك؛ لأنّ في ذلك مشقّةً وإلْزاماً زائداً على ما أوجب الشرع" [ كيف نختلف؟ د. سلمان العودة، دار السلام، ط1 سنة 2014، ص 79 ].

نعم يمكن للرجلِ أنْ ينصح زوجته أو ولده بالأخذ بالاحتياط على سبيل الإرشاد -كما قال الشيخ العودة-؛ ولكن لا ينصحْ إلاَّ إذا علم أنّ الأخذَ به في مسألةٍ ما ليس فيه مشقةٌ على المَنْصوح؛ وأنْ ينصحَ بدون إِلْحاحٍ، وبدون أنْ يُكثِر على أهله بالأخذ بهذه الاحتياطات.

وأمّا أنْ يتحوّلَ إلى داعيةٍ مُتخصِّصاً في دعوة النّاسِ إلى الأخذ بالاحتياط والورع في المسائل الخلافية، فهذا مَدخلٌ مِن مداخل الشيطان؛ لأنّ فيه تنفيرٌ للناس من الدين، وقد يكون هدفُه أنْ يعلمَ الناسُ قوّته في الدين وبُعْدَه عن الشبهات وهذا فيه رياءٌ خفِي مُهْلِك لصاحبه!

ثُمّ إنّ إلزامَ النّاسِ بالأخذ بالاحتياط والورع في جميع المسائل الفقهية المُختلَفِ فيها، فيه تشديدٌ عليهم؛ للأمور الآتية:

أ) أكثرُ النّاسِ لا يُطيقون مقام الوَرَع.

ب) هذا الإلزامُ قد يُنَفِّرُ بعضَ النفوس من الدِّين؛ ولقد جاء النّهْيُ عن تنفيرِ النّاسِ مِن الدين -كما ذكرنا سابقاً- في قوله -صلّى اللّهُ عليه وسلّم-: (يا أيُّها النَّاس، إنَّ منكم مُنَفِّرِين)، [متّفقٌ عليه].

ج) وهو مخالف لسماحة الإسلام، الذي يدعو إلى التيسير والتّبشير، فلقد صحّ عن رسول اللّهِ -صلّى اللّهُ عليه وسلّم- أنّه قال: (يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا ، وَبَشِّرُوا ، وَلاَ تُنَفِّرُوا) [متفق عليه].

والذي يدعوا النّاسَ إلى الورع والأخذ بالاحتياط في أكثر المسائل الخلافية، عليه أنْ يعْلمَ أنّه مِن الورع عدَمُ تنفيرِ النّاسِ من الدين، حتّى لا يكونَ هو السّبَب في تحرُّر بعضِ النفوس الضعيفة من تعاليم الإسلام، أو سبباً في ارتدادهم عن دينهم؛ فيتَحوّل بذلك من داعية إلى الهدى إلى داعية إلى الانحلال، ومُعيناً للشّيطان!

ولذلك فإنّنا -غالباً- ما نلاحظُ أنّ بعضَ أولادِ هؤلاء المُتعصِّبين يكونون مِنْ أبْعدِ النّاسِ عن دينهم! ولقد ورد في الدعاء النبوي: (اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ، وَأَنْ أَقْتَرِفَ عَلَى نَفْسِي سُوءًا أَوْ أَجُرَّهُ إِلَى مُسْلِمٍ) [رواه أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد].

وفي هذا الدعاء يتعوّذُ المسلمُ من أنْ يجُرَّ على نفسِه سوءًا أو يَجُرّه إلى غيره من المسلمين؛ ولا شكّ أنّ مَن يُلْزِمُ النّاسَ ما لا يُطيقونه، قد يَجُرُّ بعضَهم إلى المعاصي واقتراف الموبقات.

د) هناك أمور إذا توَرَّع فيها بعضُ النّاس -أخْذاً بالاحتياط في الدين- حصلتْ لهم مشقةٌ كبيرةٌ وضررٌ عظيم، وهذا مُخالِفٌ لأمرِ اللّهِ الذي يأمر أن تكون الدعوةُ بالحكمةِ في قوله تعالى: (ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ) [النحل: بعضُ آية 125].

قال الشيخ السعدي في تفسيره لهذه الآية:" أي: ليكن دعاؤك للخلق مسلِمِهِم وكافرِهم إلى سبيل ربك المستقيمِ المشتمِلِ على العِلم النّافع والعمل الصالح ( بِالْحِكْمَةِ ) أي: كلُّ أحدٍ على حسبِ حالِه وفهمِه وقولِه وانقيادِه.

ومِنَ الحكمة الدعوةُ بالعلم لا بالجهل والبداءةُ بالأهم فالأهم، وبالأقرب إلى الأذهان والفهم، وبما يكون قبوله أتم، وبالرفق واللين". انتهى كلام الشيخ السعدي.

• والأخذ بالاحتياط في الدين، يدفع بعضَ المتعصِّبين إلى التَّشْديدِ في المنع منَ الأخذ ببعض الرُّخَص الفقهية، وينكرون على مَن يعملُ بها؛ ولقد عرّف المجمع الفقهي الإسلامي الرُّخَصَ الفقهية بأنها (ما جاء من الاجتهادات المذهبية مُبيحاً لأمرٍ في مقابلة اجتهادات أخرى تَحْظُرُه) [انظر : قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي (ص159-160).

والرّخص الفقهية هي غيْرُ الرُّخَصِ الشَرعية التي رخّص فيها الشرع؛ كإجراء كلمة الكفر على اللسان مع اطمئنان القلب إلى الإيمان عند الإكراه، وكالمُضَطر إلى أكل الميتة، وكالفطر في رمضان وقصر الصلاة للمسافر، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حالة الخوف؛ فهذه تُسمّى رُخصاً شرعيةً، شرعها اللّهُ لعباده، وليس فيها اختلافٌ بين العلماء.

وأمّا الرُّخَصُ الفقهية، فمثل المسح على الجوارب، وإخراج زكاة الفطر نقداً، وغيرها من الاجتهادات التي التي اختلف الفقهاء فيها بين الحظْر والإباحة.

والأخذ -في بعضِ الأحيان- ببعض الرُّخَص الفقهية، التي ليس فيها نصٌّ قاطع على المنع، أجازه بعضُ العلماء، فلقد جاء في الفتوى رقم 134759 بموقع إسلام ويب، ما نصّه: (مسألة تَتَبُّع الرُّخَصِ: جاء في شرح الكوكب المنير: "ويحرم عليه" أي: على العامي "تتبع الرخص"، وهو أنه كُلّمَا وجد رُخْصة في مذهب عمل بها، ولا يعمل بغيرها في ذلك المذهب. "ويفسق به" أي: بتتبع الرخص. لأنه لا يقول بإباحة جميع الرخص أحد من علماء المسلمين: فإن القائل بالرخصة في هذا المذهب لا يقول بالرخصة الأخرى التي في غيره. قال ابن عبد البر:"لا يجوز للعامي تتبع الرخص إجماعا."

وقال عياض بن نامي السلمي في كتابه «أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله»: "وينبغي أنْ يُعلمَ أن تتبعَ الرخص إنما يتحقّقُ في شأن مَن هذا ديدنُه في مسائل الخلاف. وأما من أخذ في مسألة أو مسألتين بالقول الأخفّ لحاجته إليه: فهذا قد اختُلف في صحّة عمله." انتهى،

وممن رجَّح جواز الأخذ بالرخصة عند الحاجَةِ السُّبْكِيّ فقال رحمه الله: "يجوز التقليد للجاهل والأخذ بالرخصة من أقوال العلماء بعض الأوقات عند مسيس الحاجة من غير تتبع الرخص، ومن هذا الوجه يصح أن يقال الاختلاف رحمة؛ إذ الرخص رحمة". انتهى.

فإذا كُنْتِ قد أخذتِ بالأيسر في هذه المسائل المعدودة لحاجتك إلى ذلك، وكون القائلين بالرخصة من ثقات العلماء، والمسألة من مسائل الاجتهاد التي ليس فيها نص قاطع، فنرجو ألاّ يكونَ عليكِ حرج في ذلك إن شاء الله، وقد قال سفيان رحمه الله: "إنّما العلمُ عندنا الرخصة من ثقة، فأمّا التشديدُ فيُحْسِنُه كلُّ أحد". ولكن ينبغي أن يُقَيَّدَ هذا بما ذكرناه، فلا يكون اتباع الأسهل والأيسر لك دأبا وديدنا، فإن اتباع الأيسر لمجرد كونه الأيسر ليس هو المشروع على الراجح من أقوال أهل العلم.) [انظر: تتبع الرخص.. رؤية شرعية - إسلام ويب- مركز الفتوى، رقم الفتوى: 134759، على صفحة الموقع:https://fatwa.islamweb.net/ar/fatwa/134759/ ]

ولقد قرَّرَ مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر سيري بيجوان، بروناي دار السلام من 1 – 7 محرم 1414هـ الموافق 21 – 27 حزيران (يونيو) 1993م، بشأن الأخذ برخص الفقهاء (بمعنى اتباع ما هو أخف من أقوالهم)، في البند (4) ما يلي:

لا يجوز الأخذ برخص المذاهب الفقهية لمجرد الهوى، لأن ذلك يؤدي إلى التحلل من التكليف، وإنما يجوز الأخذ بالرخص بمراعاة الضوابط التالية:

أ) أن تكون أقوال الفقهاء التي يترخص بها معتبرة شرعاً ولم توصف بأنها من شواذ الأقوال. [ولقد قال الإمام الشاطبي:" زَلَّةُ العالِم لا يصحّ اعتمادُها من جهة، و لا الأخذ بها تقليدا له ،..، كما أنه لا ينبغي أن يُنسب صاحبها إلى التقصير، ولا أن يُشنَّعَ عليه بها، ولا يُنتَقَصَ من أجلها، أو يعتقد فيه الإقدام على المخالفة بحتاً، فإن هذا كلَّه خِلافُ ما تقضي رُتْبَتُه في الدّين."، (الموافقات، للشاطبي: 4/170 و ما بعدها)]

ب) أن تقوم الحاجة إلى الأخذ بالرخصة، دفعاً للمشقة سواء أكانت حاجة عامة للمجتمع أم خاصة أم فردية.

ج) أن يكون الآخذ بالرخص ذا قدرة على الاختيار، أو أن يعتمد على من هو أهل لذلك.

د) ألا يترتب على الأخذ بالرخص الوقوع في التلفيق الممنوع الآتي بيانه في البند (6).

ه) ألا يكون الأخذ بذلك القول ذريعة للوصول إلى غرض غير مشروع.

و) أن تطمئن نفس المترخص للأخذ بالرخصة.

انظر التفاصيل -إن شئت- على الصفحة: http://www.iifa-aifi.org/1950.html

ولنذكر حالتَيْن من الحالات التي يحتاجُ فيها بعضُ النّاسِ إلى الأخذ ببعض الرُّخَص الفقهية.

الحالة الأولى: إنّ المرءَ المُوَسْوَسَ (أَيْ: المَرِيضَ بِالوَسْوَاسِ) في الطهارة والصّلاة، إذا ألْزمْناه بالشِّدّة وعدمِ الأخذ بالرّخص في مسائل الطهارة والصّلاة؛ فإنّه سيجد مشقّةً كبيرة في طهارته وأداء صلواته، وقد يترك الصلاةَ التي هي عمود الإسلام! [انظر علاج الوسوسة في الطهارة بالأخذ بالرخص الفقهية في كتاب (تحفة المؤمنين في ذمّ الوسواس وعلاج الموسوَسين)، تأليف عبد الله بن سليمان العتيق، دار الصميعي، ط1 سنة1999].

الحالة الثانية: كثيرٌ من النّاسِ، إذا مُنِعوا من الأخذ برخصة المسح على الجوربين، فإنهم سيجدون صعوبةً كبيرة في أداء فريضة الصلاة. إذا رجعنا إلى الفقه الإسلامي، فإنّنا نجد أنّ جمهور العلماء لا يُجيزون المسح على الجوربين المصنوعين من الصوف أو الكتان، أو القطن، ونحو ذلك (بالإنجليزية: socks) ؛ ورغم أنّ هناك من العلماء مَن يُجيزون المسح عليهما، فإنّ البعضَ يرى أنّ الاحتياطَ هو عدمُ المسح؛ ولكنْ الأخذُ بالجواز فيه تخفيف على كثير من الناس في الوضوء للحفاظ على صلواتهم بدون مشقة. [انظر: بحث (الترخص في الفتوى)؛ المسألة الثانية: الترخص برأي الحنابلة في جواز المسح على الجوارب غير الشفافة؛ على الموقع: https://www.aliftaa.jo/Research.aspx?ResearchId=61#.XYj9F2nzMex ]

الفصل السادس: نَموذَجان لِلتّعصُّبِ المذهبي.

النموذج الأول: إخراجُ زكاةِ الفطر نقداً.

يذهب الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) إلى عدم جواز إخراجِ زكاةِ الفطر نقداً، ويذهب الحنفيةُ والبخاري وعمرُ بنُ عبدِالعزيز والحسنُ البصري وغيرُهم إلى الجواز؛ وفي رواية عند الحنابلة يجوز إخراجها نقداً عند الحاجَةِ فقط، وهي اختيار ابن تيمية. [انظر التفاصيل والأدلة على الصفحة: http://almoslim.net/node/99843 ].

المُتَعَصِّبُ لرأيِ الجمهور، يقول لِلْحَنَفِي الذي يُخرجها نقداً:" إنّ زكاتَك غيرُ مقبولةٍ".

وأمّا دائرة الإفتاء العام في الأردن، التي اختارت مذهب الإمام الشافعي مرتكزا للفتوى في مسائل الفقه المختلفة، فإنها قد تنتقل إلى مذهب آخر إذا كان رأي الشافعية فيه عسر في مسألة ما، لغاية التيسير على الناس في الفتوى، بشرط أن يكون هذا الرأي الجديد رأيا معتبرا له أدلَّتُه وليس رأياً شاذاً؛ ولذلك فإنّها اختارت في الفتوى رقم 2017 بتاريخ 3/5/2012م التَّرَخُّصَ برأي الحنفية في إخراج زكاة الفطر نقداً. انظر: https://www.aliftaa.jo/Research.aspx?ResearchId=61#.XYOow2nzMew

وأفتى المجلس العلمي الأعلى -التابع لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب، وهو على مذهب الإمام مالك- بجواز إخراج زكاة الفطر نقداً، ولم يجد حرجاً في ذلك. ونُشِرَت الفتوى بتاريخ 19 رمضان 1440 الموافق لِ 25 ماي 2019.

النموذج الثاني: المسحُ على الجوارب غير الشفافة، التي يلبَسُها النّاسُ في هذا العصر.

يُجيز الحنابلةُ المسح عليها، وأمّا أبو حنيفةَ والشافعيةُ والمالكيةُ فإنّهم يرون المنعَ من ذلك.

الشافعي المُتَعَصِّبُ لرأيِ الشافعية -مثلاً-، يقول للْحَنْبَلي الذي يمسحُ على جَوْرَبَيْه:" إنّ صلاتَك باطلة!".

وأمّا دائرة الإفتاء الأردنية، والتي تُفْتِي بمذهب الشافعية -كما ذكرنا سابقاً-، فإنها أخذت في الفتوى رقم 1999 بتاريخ 7/2/2012م برأي الحنابلة في المسح على الجوارب غير الشفافة، ولم تجد حرجاً في ذلك! [انظر الصفحة على الموقع السابق].

تَمَّ البحثُ بفضلِ اللّهِ ونِعْمَتِه، واللّهُ تعالى أعلمُ، والحمدُ لِلّهِ رَبِّ العالَمين.


تحرير 1/10/2019

وكتبه: عبد المجيد فاضل.


2
0
3

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}