• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
الصّندوق الأسود
الصّندوق الأسود
اكتب معنا عن أجمل المناطق السياحية في بلدك
نيزك ثاقب وسرطان فتّاك.

سقوط نيزك خارق

استفقتُ والفزع يحاصرني من كلّ زوايا غرفتي الصّغيرة. لم أجد لهلعي تفسير. هل هو حلم أم كابوس؟. مازالت تراودني أفكار شيطانيّة تعبث بي. وكأنّني  في واحة مهجورة مع كائن فضائيّ سقط على الأرض من شهاب سماويّ ثاقب. المكان خلاء قفار مهجور من البشر، يُسمع سوى صدى الرّيح. خرجتُ حافية القدمين، مسرعة نحو صنبور الماء. تدفّقت المياه الى وجهي. قلتُ بصوت خافت : علياء... انا علياء...

تحسّستُ جسدي النّحيل. شعري يتساقطُ بكثافة هذه الفترة. عادت بي ذاكرتي الى الرعب الذي عشته في الحلم الغريب. حينما رددْت اسمي مرقت منّي بحّة في صوتي. صوّر ذهني كالكاميرا في لقطة الإعادة لسيناريو مزعج أذهلني. فتاة مراهقة في السادسة عشر من العمر، لم تعرف الحبّ يوماً. يلتصق جسدها بجسيم يتكوّن من حطام الصخور وقد يكون في حجم حبيبات الرمل. شعرتُ بنشوة مبهمة خلّفتها علاقة حميميّة لم يقع لها نظير . أطلق نيزك، هكذا اخترت له اسمًا، إشارة صوتيّة بكلمة " واو " اثر عمليّة قذف مباشرة.

 بعد صمت مريب، التقط سمعي موسيقى خلفيّة فضائيّة تعلنُ عن وجود حياة في مجرّة أخرى. أخذتني الأصوات الى سحر موسيقى فانجيليس اليوناني وألبومه (Invisible Connections) "اتّصالات لا مرئيّة".

لمّا نهضت من فراشي، كنت أتصبّب عرقاً. البلل الليليّ يأسرُ جسدي، مثل عدّاءة رياضيّة في سباق المسافات الطويلة. لمستُ ثيابي للوهلة الأولى خلتُ نفسي أصبتُ بالحمّى. ظللتُ أجمّع بقايا الجاثوم، وحالة الإختناق تمنعني من التنفّس وشلل في الحركة.


أمي وأبي  انفصلا منذ ستّ سنوات، أعيشُ رفقة أمّي في بيت صغير. صعب على فتاة في عمري أن تتقبّل أمر الطلاق. وأنا كطفلة أقاومُ أشياء تستعصي على غيري. لا أكترثُ بالمشاكل التي حولي. أشبهُ الفراشة في هشاشتي الداخليّة. تطيرُ بي أفكاري إلى عوالم بعيدة، خفيّة على أقراني. لا مثيل لي في اللّباس وطريقة الكلام و ذوقي الموسيقي مغاير تماما. أتمرّد على السّائد ، أحياناً أقتني كتاباً أنسى مؤلّفه ويبقى عالقاً في ذهني الشخصيّة. ليتني شخصيّة ورقيّة ، تحوم حياتي بين صفحات كتب منسيّة. لم تأبه لها أيادي القرّاء، في رواية متروكة بين أرفف مكتبة عموميّة لم تطأها أقدام العابثين.

لم أرغب في الذهاب إلى غرفة أمّي لإيقاظها من غفوة نومها. أعتقد أنّ الأمهات يتشابهن في العاطفة نحو البنات. كانت تثور ثائرتها كالعاصفة لو آذتني نملة. أخجلُ من دمع أمّي يوم قرّر أبي مفارقتها والسّفر بعيداً الى الخليج. ربّما تزوّج بباكستانيّة أو هنديّة. كانت علاقتي بأبي جافّة كصحراء جرداء لا زرع فيها ولا ماء، لم تنزل فيها قطرة مطر منذ أمد بعيد.
شعرتُ بقشعريرة و وخزة أعادتني الى مشهد الحلم في حوار امتزج فيه المزاح ومزاج المرح مع شخص من كوكب آخر سمّيته نيزك. هل لكِ أو لكَ ان أقمت علاقة مع كيان مختلف عنك؟. ربّما ستصرخ في وجهي بأقذع العبارات والشتائم والإهانات واللّعنات. أنا علياء المطعونة روحاً وجسداً. قطّعت شراييني ألسنة اللّهب الحارقة من مجتمع يسخرُ من كلّ شيء ، تُلعنُ رجماً أنوثتي سرّاً وعلانيةً. كانت أمّي تقول لي دائما بتهكّم امرأة من واقع بائس : أقاربكم عقاربكم ! . لا أعير اهتمامي للدغات المحيطين بي. لا أبالي بالسّموم والقرف من حولي. أصارعُ وحوشاً ضارية بشخصيّتي التهكّمية ، المستفزّة والمستنزفة لطاقات عديمة الجدوى من مخلوقات كذرّة غبار، يندثرون سريعاً من حياتي.
نيزك حبيبي الوديع أين أنت؟ لا تتلاشى، العتمة حالكة هنا. يا قبساً أنارَ روحي وجسدي . أنت أتيت من حجر نادر. أرجوك لا تخذلني، فالخذلان فنّ يمارسُ هنا. ‏أنا لم أقع في حُبّك بسبب أسلوبك في مراقصة ملائكتي بل للطريقة التي تمكّن فيها وقع اسمك من إخراس شياطيني. 


لا زال العزف المنفرد متواصلاً كأنّه موسيقى تصويريّة لفيلم بين علياء ونيزك. لمحتُ الملحّن فانجيليس بلحيته البيضاء، يُحملق بنظرة مايسترو يقود فرقته الموسيقيّة بثبات ورصانة.
ربّما مصادفة علياء تلتقي مع نيزك، في أرض خراب تكثرُ فيها الكهوف. 

تحدّقُ علياء في الجدار، تقول جهراً : _ أتمنّى أن يكون فيلماً للرّعب ما شاهدته !
هي لا تنتظرُ مثل غيرها من البنات فقرات الأبراج وتفسير الأحلام، جاءت للحياة مصادفة، في نزوة عابرة انتهت بخصام.
تكرهُ مناسبات الأعياد. لم تحتفلْ يوماً بعيد ميلادها. لها قطيعة مع الحفلات الخاصّة. تعيشُ في قوقعتها دون أن تُزعج شخصاً معها. 

هرعت نحو المطبخ كي تحضّر قهوة ساخنة بإظافة بنّها المفضّل، تسكب قليلاً من الحليب فوقها. وتتالت الرّشفات بأسلوب أرستقراطيّ تعتمده علياء أثناء احتفائها بقهوتها. للقهوة سطوة خاصّة ، هي مفتاح البدايات  ليوم روتينيّ كئيب.
خلال الرّشفة الأخيرة سقطت علياء أرضاً. ضجيجا أحدث وقوعها.

أتت الأمّ والخوف يعتريها على ابنتها الوحيدة. لمست وجهها والحرارة نار موقدة في كامل جسد الفتاة. بلّلتها بكأس من الماء لعلّه يوقظها من الإغماء. لاذت والدتها بصمت طويل. أحسّت بأثر عرق يتصبّبُ من مسام وجه ابنتها يتهاطل كدمع رقيق. 

حملتها كتلة واحدة. وزنها ريشة على حالها. رمتها بليونة على سريرها. و أخذت منديلا وضعته في وعاء ماء بارد فمسحته على جبينها داعية الله أن تكفّ الحمّى عن صغيرتها. 

داخت علياء. وسافر بها الدّوار الى رحلتها المشتهاة التي لم تنتهي. تُراقص نيزك بخفّة ورشاقة رقصات الباليه. يعود بها الحنين إلى طفولة سُرقت منها في وقت وجيز. خلاف والديها انهارت فيه الكثير من أحلام الصّبا.  نيزك ، أيُّها النّازل من السّماء. اِحملني معك ، التقينا في مكان ما و نغادر هذا العالم معاً ، فالصّعود طهارة تُزيل عنّي دناسة الأرض القميئة. ستكتبُ الصّحف والمجلاّت عن علاقتنا، وستلقى علينا منابر تلفزيونيّة يُستدعى فيها عالم فلك ومفسّر للأحلام وداعية وسياسي هرم. سنسمعُ اللّغط والفوضى ومسيرات تدعم وأخرى تُندّد بعلاقتنا الغرائبيّة. يا لَهُ من عالم هشّ. 

بينما علياء تكرّرُ في هلوساتها : _نيزك ، نيزك ، ني..

استغربت الأمّ وقرّرت مع طلوع شمس الصّباح ان تطرق باب أخيها. كي ينقلا علياء الى المستشفى المحلّي. ركبوا جميعهم السيّارة، الخال والأمّ تربّتُ بيديها على علياء. 

أثناء الفحص اليدوي لعلياء، تَوصّل الطبيب الى اكتشاف وجود كتلة دهنيّة غير طبيعيّة. ليتبيّن في الأخير اصابتها بورم خبيث. تلعثم الدكتور بلكنة وجع خفيّ في صوته : _علياء أصيبت بسرطان الثدي. حدّثت الأمّ نفسها لعدم إظهار لوعتها : _ ليس هذا وقتًا للبكاء. أحتاجُ الى الصّبر والقوّة لنواجه أنا وابنتي خصماً شرساً.
خلّف هذا الخبر حرقة داخليّة في قلب أمّ ترى عيون علياء ابنتها الوحيدة ذابلة كوردة عطشى. تمشي علياء بخطى متثاقلة نحو غرفة لا تعلمُ ماذا تخبّأ آلاتها وأشعّتها الضّوئيّة. اختفت داخل فضاء مُبهم تتعدّد فيها الإشارات والموجات الصّوتية. مرّت في بالها صورة اليف شفاق في غلاف كتاب مذكّراتها " حليب أسود" بثوبها الأسود القاتم، هي آخر رواية قرأتها.
ظلّ يُرافقها طيف نيزك في كلّ مكان تذهبُ اليه، تُصارع المرض بإبتسامة مرسومة على وجهها الطفوليّ. لها إرادة مفعمة بالحياة شعارها ان تفكّر خارج الصّندوق. وأنّ ما تجرّبه محدّد بما تتعرض له وما نقوم به تجاهه. أغمضت عيناها لتنام وتحلم مرّة أخرى بحبيبها نيزك. نيزك صعد في مركبته الخاصّة ولمْ يعد. 

بعد ستّة أشهر ماتتْ علياء بعد أن انتشر السّرطان في كامل خلايا جسدها. لم تمتلك شيئا سوى ستّة أمتار وقبر داخل صندوق أسود ونيزك يتابعُ مشهد الجنازة من الفضاء. 

#الغرياني_بالسّعيدي #حزوة_تونس

31
1
5

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}