• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
الصداقة ومرض الاكتئاب (2) كيف تؤدي الصداقة للاكتئاب ؟
الصداقة ومرض الاكتئاب (2) كيف تؤدي الصداقة للاكتئاب ؟
Google+
عدد الزيارات
103
الصداقة دواء للاكتئاب:
-إن دور الصديق مع صديقه المكتئب دور محوري ، ومهمته عسيرة ، فمهمته أن يخرج صديقه من اكتئابه و أن يجدد له الأمل في الحياة وأن يقول له بحاله قبل لسانه : أنا معك لن أتركك لن أتخلى عنك ، عبوسك الحالي لن ينسيني مرحك الماضي و ضيقك اليوم لن يجعلني أكفر سعتك وانبساطك الأمس ، سأكون سلواك و مستراحك ، ستُغلق أبواب الخلق أمامك وبابي لن يُغلق أبدا !!...

إن تلك المشاعر لن تتحقق من جانب الصديق إلا بعد أن يفهم صديقه و أن يفهم طبيعة مرضه وأن يدرك أن حاله المغتمّ و عبوسه الدائم و كسله وملازمته لبيته ووتقصيره الشديد في حق الصداقة إنما هو ليس بيده ، هو مقهور بمرض جاثم على صدره ، مقيد بأغلال لا يستطيع الانفكاك منها ، فكانت هنا أهمية الفهم والوعي بأن هناك مرضا مدمرا اسمه الاكتئاب نسبته في المجتمع كبيرة و تأثيره على الفرد كارثي على علاقاته و عمله وأسرته بل حياته كلها التي تتحول إلى جحيم مستعر و نار تلظّى!!.............

إن الصديق إن استطاع علاج صديقه بحضوره و مآزرته و شعوره و حكمته فسيكون قد حقق معجزة لا تكفي كنوز الدنيا لمكافأته عليها !

 

الصداقة حين تكون سببا للاكتئاب:

- هذا هو دور الصديق في علاج الاكتئاب  وبقي الحديث عن دور الصداقة في إحداث الاكتئاب .!!! .............. الصداقة قد تعالج الاكتئاب ولكنها كذلك قد تكون السبب الأساسي للاكتئاب !! ، 

هل يعقل أن تكون علاقة الصداقة الفاضلة الطيبة سببا لهذا المرض المدمر ؟!! الإجابة : نعم !............

صديق ملك عليك قلبك ، سيطر على حياتك ، صار جزءا أساسيا منها ، صببت عليه حبك صبا و تيقنت أنه يبادلك حبا بحب و إخلاصا بإخلاص حتى صرت لا تتخيل الحياةبدونه ، وفجأة ................. 

تقلبت أمواج الحياة و أطلقت الريح أعاصيرها وقذفت السماء أمطارها وثلوجها ، تبدل الحال و خرج صديقك من حياتك ......... نعم خرج من حياتك كما يخرج الصباّر من قماش لفّ به أو كما تقتلع شجرة عتيقة من أرضها........... بعد أيام الصفاء والوفاء  أتى النفور والجفاء ، إنها حوادث الدهر التي تقلب حياة الإنسان وتزلزل أركانه .. نعم إنه زلزال رهيب يهزّ النفس هزّا ، أتاك ما لم تكن تتصور ، زهد صديقك فيك وتركك ،اندلعت نيران المشاكل والمشاحنات بينكما لتصير العلاقة بينكما محالا  ، وفجأة صرتَ بلا صديق ! كالزرع بلا ماء ، وكالسمك بلا بحر ، تشتت عقلك و حار فكرك وانهارت روحك و نفسك ، إن من لم تستغن عنه يوما من الأيام هجرك وتركك وحيدا لتلاقي مصيرا مظلما ، إنه الانهيار التام ......إنه النتيجة الفظيعة ... الاكتئاب !

إن ذلك الجرح العميق الذي أدى إلى الاكتئاب بفقد الصديق  جرح لن يندمل بسهولة إنه أليم شديد و طويل الأثر قد تستمر معه المعاناة و الألم والكآبة شهورا بل سنينا ، سنين من المعناة والمقاومة سنين من محاولة الإفلات من براثن الاكتئاب ، و قد لا يداوي الجرح إلا صديق مكان الصديق ، إن ذلك الفراغ الذي تركه الصديق الأول  يحتاج لمن يملؤه ، يحتاج القلب بعد فقد حبه الأول أن ينشغل بحب آخر ينسيه الماضي بل يزهده فيه ، حينها يبدأ الإنسان حياة جديدة بأخوة جديدة ويسلو عن الماضي بالحاضر البهيج ..........

ولكن أناسا منكوبين لا تتركهم الحياة ليهنؤوا و لا يستفيقون من ألم حتى يصيبهم ألم جديد ، تتكرر المأساة ، نفس القصة الحزينة الأولى يراها المنكوب مرةأخرى ، تتدهور العلاقة و تتدحرج الصداقة على منحدر الشقاق والنزاع إلى أن تصل إلى النهاية المأساوية ... لا يصدق المسكين نفسه !! لا يتصور ما يحدث له ، يا إلهي ......  مرة أخرة !! أتجرع كأس السم ثانيا !!  إن نفسي الرقيقة الجريحة لا تقوى على ذلك ،إنني لا أتحمل تلك الصاعقة مرة أخرى ............ إنه الانهيار التام و الاكتئاب المضاعف الذي تتوقف معه الحياة ..... حينها يحتاج لأضعاف الفترة الأولى ليتعافى وقد لا يتعافى أبدا ! و بعدها قد يفقد الرغبة الصداقية أبدا ويقرر أن يغلق قلبه إلى الأبد بلا عودة .............

 

قد يتعجب بعض القراء ويقول : من هذا الذي يكتئب وينهار لترك صديقه له ؟! هل الاكتئاب يحدث لهذه الأشياء التافهة ؟! أي صداقة تلك التي يهتم لها الإنسان و تؤثرفيه حتى يصاب بالاكتئاب ؟! هل هذا أحمق أم مريض ؟؟!

والإجابة أنه ليس أحمق ولا مريضا وإنما هو إنسان رقيق القلب يُعلي قدر الأحاسيس الجميلة والمشاعر الفياضة ، إنسان يعيش بالحب ومع الحب ، إنسان قلبه فوق عقله ، يؤمن بالصديق و يؤمن بالإخاء ، والحمقى المرضى حقا من تركوا نصيبهم من حياة القلوب ليعيشوا جفاةً ماديين يلهثون وراء الدنيا والمتاح الحسي ، وهم معذورون في تعجبهم وتندرهم لأنهم يعيشون بلا قلوب ولم يذوقوا طعم الحياة الحقيقية طعم الحب ! ذلك الطعم الذي من ذاقه مرة فلن يرضى عنه بديلا طول حياته !!

جرح آخر لا يقل عن الأول شدة وهو فقد الصديق بموته !  إنها صدمة لا تتحملها الأنفس المحبّة ، رفيق الدرب و حبيب القلب أفقده إلى الأبد في الدنيا ؟!! كيف سأعيش من بعده وكيف ستحلو الحياة لي ، كيف أنساه وهو يجري في عروقي ؟! وماذا ينسيني وماذا يسلّيني ؟! ..

إن الكارثة هذه المرة أعظم من الأولى ففقد الصديق بالهجر قد يعوضه صديق جديد يحل محله ليهيل عليه التراب و يلقيه خلف ظهره ، أما فقد الصديق بالموت فلا معوض له ، فغيابه ليس بإرادته وإنما بإرادة فوق البشر ، إرادة فوق كل الإرادات ، غياب ليس له فيه يد ، وغياب ليس فيه أمل – في الحياة الدنيا أعني  - فما السلوى وما الجدوى ؟! يقع المسكين حينها فريسة للاكتئاب ليعاني مصيرا مظلما لا يعلم نهايته إلا الله  سوى أن يتغمده الله برحمة منه وفضل !

وصف ابن رشيق القيرواني اكتئابه لموت صديقه في قصيدة طويلة آخرها هذه الأبيات الرقيقة :

تصرَّمَ ما بيننا وانْقَـــــــــــــــضـى      وزال التـزاورُ والإِلتـــــقاء

فماليَ منك سـوى الاكتئابِ       ومالك مِـــــني إِلاَّ الدُّعَـــــــاء

ويبكي عليكَ فَمِي بالقَريضِ    إِذا قلَّ مِنْ مقلتـــــيَّ البُــــكَـاء                    ( القريض : القيء )

فَجوزِيتَ عنِّي خـــَيْر الجزاءِ     وأَعطاكَ مَنْ بيَديْهِ العــــطاءُ

ولا زِلْتَ بالقَــبْرِ في جــــــــــــــنةِ      لك الرِّيُّ من ظَمْئِها والرُّواءُ

أما الطريق الثالث الذي تسببه الصداقة للاكتئاب فهو السعي وراء من لا يسعى إليك ، إنه التعلق بمن لا يشغل بالَه بك ، إنه الحب من طرف واحد بلا أمل وبلا جدوى، يبذل المسكين كل جهد ليستميل حبيبه لصداقته ومبادلته الود والحب فلا يجد سوى النبذ والصدّ إما لأنه لا يحبه وإما لأنه لا مجال عنده للصداقة ولا يعرف معناها أصلا ، فيسلك المسكين طريقا وعرا نهايته حافة جبل ! فيكبت صاحبنا مشاعره في قلبه ويكبت حزنه وهمه خصوصا لو تكررت معه تلك التجربة المريرة فتختزن مشاعره المصدودة في جسده الذي لا يقوى على التحمل فينهار الجسد و تنهار النفس ويحدث الاكتئاب الذي قد يلازمه طول حياته ....!!

ولابن دقيق العيد أبيات جامعة لأسباب الاكتئاب الصداقية  حيث قال :

بعض أخلائي صــار ميْـــتاً       وبعضهم فِي البلاء غائـــــــــبْ

وبعضُهم حاضر ولكـــــــــــــن       يُحصى ويُقصى ولا يقــارب

وصرت بَيْنَ الــورى وحيداً      فلا قريبٌ ولا مــــــــــــــــــــناسِب

فلا تَلُمني عَلــَى اكتِــــــــــئابي      سُرورُ مثلي من العــــــــجائِب

إنه المصير المشئوم بعد طول مسير في الحياة بين الناس ، الوحدة .......الوحشة ............. الغربة ، فلا يجد الإنسان سوى الحزن المتزايد والشجن المتراكم الذي يُهال عليه كتراب من الذكريات الخالية تجتمع عليه حتى تخنقه وتقتله كمدا وغما !!

 


0
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}