• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
لروحكَ الطاهرة ألفُ سلام
لروحكَ الطاهرة ألفُ سلام
أبي يا حبيب القلب، سلامُ الله عليك ورحمته وبركاته، سلامهُ إلى قلبك الطاهر وروحك الزكية.

ما دار في خلدي يا أبي أن إنساناً عظيما مثلك سيترك الدنيا و يفارقنا. ما حسبتُ لرحيلك عنا أي حساب. أعلم أن الموت قدرُ كل إنسان على وجه هذه البسيطة، وأن ساعة الأجل إذا حانت لا تُقدم ولا تؤخر. لكني لم أعلم حقيقة الموت و وجع الفقد حتى فقدتك يا أغلى من أحب. لم أكن أعلم أن فقد الأب أليمٌ لهذه الدرجة، بل إنه الأصعب والأكثر وجعاً و ألماً. 

الحمدلله على كل حال ، والحمدلله على قضائه وقدره. حقاً ان المصيبة عندما تحلُ على الرغم من هولها و صعوبة وقوعها إلا أنه يحِلُ معها الكثير من لطف الله الذي يربط على القلوب. فلا تبتئس ولا تقنط، بل تصبر وترضى. محتسبة الأجر من عند الباري. كم من لطفٍ وجبر نزل في ليلة فقدك، ليلة التاسع عشر من أيلول 2019. 

كل الـأمور تهون على النفس و تصغر حال وقوع المصيبة، ولكن مصيبة الفقد ليست كغيرها. إنها تكشف لنا حقيقة الأمور التي كنا نُفكر بها، و تشغل حيزاً كبيرا من بالنا، و نعدها من أولوياتنا، ونعطيها قدراً كبيراً من الاهتمام والعناية، فإذا هي في النهاية كانت هباءً منثوراً.. وأنها تبقى هي الأصعب مقارنة بأمور الحياة التي تشغل عقولنا.

مصيبة فقدك يا أبي الغالي علمتني الكثير. علمتني ألا أتعلق بشيء أبداً، فالتعلّق يقودنا إلى وهم وسراب أننا سندُوم لبعضنا في هذه الدنيا، وهذا ليس بصحيح. و ما الأمر إلا بالإيمان بأننا أتينا إلى الدنيا بمفردنا وسنرحل بمفردنا، و لكن ليس أي رحيل، بل رحيل يبقي أثرنا الجميل، ويترك بصمة خير لمن خلفنا.

وها أنت يا أبي لم تكن يومًا إنسانا عاديا، ولم تكن كأي رجل؛ كنت رجلًا بأمة وذا أثر طيب في شتى بقاع العالم. رحيلك رحيل خير وعطاء لا مثيل لهما. رحيل آلمني وآلم الكثير ممن عرفوك.

يقولون إن لكل إنسان من اسمه نصيباً، وكذلك كنت، قال تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ) لقد جاهدت في الله حق جهاده يا أبي، لقد كرست جهدك المضني في العمل والنضال في هذه الحياة، كم واجهتك من المصاعب والمشقات الا أنك أكملت طريقك على أتم وجه، وكنت تعلم و تؤمن بتكملة الآية الكريمة وهو الاجتباء و الاصطفاء.. نعم إن الله اصطفاك و اختارك، و نِعمَ الاصطفاء والاجتباء لك ولأمثالك المجاهدين.

نعم اسمك جهاد، ولكن أنت جهادُ الخير وخيرُ الجهاد، ولا نزكي على الله أحداً.

كم كنت أباً حنونا مُطلعاً على أمورنا،

 مهتمًا بها على الرغم من كثرة انشغالاتك 

وسفراتك، لن أنسى توصياتك لي باتخاذ 

طاعة الله تجارة لي لتأتيني الأرباح من غير 

تجارة. كانت عباراتك حافزاً لي للمضي للأمام 

والتفوق دائما؛ حيثُ كنت تخبرني بأن النجاح 

ليس بالأمر الهين، كما أن  المحافظة عليه

 والتألق فيه والتميز يُعد أمراً ليس بالسهل. 

ولن أنسى قولك الدائم لي بأن الفتاة الناجحة

 هي التي تجمع النجاح في دراستها والنجاح 

في بيتها مستقبلاً بمنهجية وسطية لا إفراط فيها

 ولا تفريط، مُقدماً أمي حفظها الله مثالاً حياًّ 

لذلك لأقتدي بها.

لم أجد بحياتي إنسانًا يتقن عمله مثلك. كنت تفضل العمل على الراحة دائماً وتقدر الوقت وتلتزم به. كانت همتك العالية مصدر قوتي لأصبح مثلك، حبك للعمل، جهادك، نضالك، كفاحك، حبك للخير، صلتك لرحمك ، عشقك لوطنك وقضيتك أنارت لي طريقي الذي كان معتمًا. عندما أراك كنت أتساءل دائما كيف أصبح مثلك حيث أن أجمع بين الهمة العالية والرؤية الصادقة والشخصية القيادية.

على الرغم من مرضك في السنة الأخيرة الا أنك كنت متفائلا دائما وكل ما يهمك هو أن تتعافى من أجل أن تعود الى عملك وجهادك. كانت فلسطين من شمالها لجنوبها ومن شرقها لغربها جُلّ اهتمامك. كنتُ اعلم بأنها تسكنُ قلبك حتى ان لم تسنح لك الفرصة للعيش فيها. كانت حاضرة دائما في وجدانك. وكنت أرى بعيني كمية الحب الذي تكنه لها من خلال كلامك عنها والعمل لها والتغني بها. فلسطين تفتقدُ رجلاً عظيمًا مثلك يا أبي.

فسلام على عينيك النائمة طويلا ، سلام على روحك الطاهرة النقية، سلام على قلبك الطيب الذي كان كالبلسم في حياتنا، سلام على ابتسامتك الجميلة، سلام على خلقك الرفيع ونفسك الراضية المحتسبة، سلام على همتك العالية ورؤيتك الصادقة، سلام عليك يا من اشتاقت إليه نفسي، سلام علينا نفتقدك جدا يا أبي.

أسأل الله أن يرحمك رحمة واسعة وان يغفر لك وان يجازيك بالإحسان احسانا كثيرا وأن يجعل قبرك روضة من رياض الجنة وان يسكنك الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.

رحم الله روحك الطاهرة الزكية وأسأله ان يثبتنا ويصبرنا على فراقك الصعب وأن ينزل على قلوبنا الصبر والسلوان و أن يغفر لنا تقصيرنا و أن يعيننا على برك بعد مماتك لنكون لك ((أو ولد صالح يدعو له)) وأسأل الله أن يجعلنا خير خلف لخير سلف وأن يجمعنا بك في جنات عرضها السماوات والأرض.


كلي فخر بأنك والدي و أشهد الله أنك لخيرُ أب، لروحك ألف رحمة وسلام.


1
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}