• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
الرغبة الأخيرة
الرغبة الأخيرة
قد تبرر الغاية للكثيرين الوسيلة
لكن على أرض الحقيقة، لا الغاية تبرر الوسيلة ولا الوجهة الطريق، الا لذوي العقول أو الضمائر المريضة.

الأب: لقد قال الطبيب أنه لا بد من دخول المشفى .. انت تعرفين أن الأمر انتهى

الأم: لا ..

الأب: بلى .. لا مهرب من كل ذلك

الأم: دعنا أقله نحقق ذلك الحلم قبل الذهاب ..

الأب: ماذا ؟ أنت تعرفين أن ذلك لن يحصل ؟ ماذا سنقول لهم ؟؟

الأم: أرجوك

..

..

كان عماد يجلس في عمله في محل بيع العطور حين اقترب منه زميله ليخبره أن أحد الأشخاص سأل عنه عند المدير، ثم رحل. استغرب عماد ما جرى وأخذ يفكر في ذلك حتى خروجه من باب متجرهم حيث كان ينتظره شرطي طويل طلب منه أن يسير معه الى مركز الأمن ما زاد من شكوكه وتوتره، الا أن ذلك لم يفقده رباطة جأشه. انتظر ما يقارب الساعة هناك قبل أن يقابل الظابط الذي أراد لقاءه. وفي ذلك الوقت أخذ ينتقل من فكرة الى أخرى ومن سيناريو الى آخر وينظر يمينا ويسارا عل أحدهم هناك يلتفت اليه أو يخفف عنه ما به أو يزيد. كذلك كانت تلك الساعة طويلة في الناحية الأخرى حيث كان قائد المركز ينتقي كلماته ويجهزها ليخبره بالموضوع الذي جيء به لأجله. فجأة، جاءه الشرطي نفسه "تفضل معي". دخل المكتب ليجد رجلا بنجمات ثلاث وآخر مدني ببدلة سوداء وشيبة حادة وهيبة أكبر. فتح الأخير الزر الوحيد في سترته وسحب من جيب داخلي هناك صورة وعرضها على عماد ثم سأله "هل تعرف هذه الفتاة ؟ هل سبق ورأيتها ؟". انها رنا، كانت تأتي الى المتجر بين الحين والآخر، بل أقل، في عام ونصف مرتين أو ثلاث. تعرف اليها عماد وتذكر جيدا كيف نظرت اليه في أول مرة تقابلا، وكيف أعادت كرتها في زيارتها الأخرى في حين أنه تعمد تجاهلها لأنه لم يكن في وارد الارتباط ولأن بينهما فوارق عدة في مقدمها الهوة المادية القائمة بين عائلته المتواضعة وعائلتها . أكمل ذو شيبة كلامه "ليس يهم .. انها ابنتي" ثم أشار الى الظابط "وهذا ولدي .. أخوها". هز عماد برأسه، ليس اعترافا بالحقيقة، أنه يعلم بكل ما سبق، لكن متابعة لتسلسل الحديث وكأنه يقول له أكمل. "لقد جئنا اليك، لقد جئنا بك الى هنا نطلب اليك أمرا غريبا بعض الشيء. رنا، أختي، بعد ثلاثة عشر يوما يجب أن تدخل الى المشفى لإزالة ورم من الدماغ ولا أمل في نجاتها." يقول الظابط فيقاطعه والده "يوجد أمل لكنه ضئيل، ضئيل جدا." وقبل أن يبدي عماد رأيه قاطعه الوالد بالقول "أعلم ما يخطر في بالك .. لكن دعنا في المهم ولنكن واقعيين، تبقى أيام فقط في حياة ابنتي وأريد لها أن تحقق بعضا من رغباتها وأحلامها" "رنا تدرك كل شيء وهي أقوى بل أقسى بكثير مما تبدو عليه في الصورة. لقد كانت تحمل رغبة أخفتها عنا، ربما لكونك من ديانة مختلفة أو لسبب مختلف. هي معجبة بك ولم أسأل صراحة إن كان ذلك الشيء إعجاب فقط أو حب، أخبرتني ريم صديقتها. توقف الوالد هنا ليبدأ الظابط من جديد " أختي ليست من أولئك الفتيات اللواتي ينتظرن حصانا أبيض أو فارس، لذا نظن أنها .. أنك أحد مفاتيحها. لذلك نريد أن نعقد صفقة، ولك في المقابل ما تريد، سوف تتقرب منها وتدعي اعجابك بها ثم ندبر صدفة تجمعك بنا. وحين نلتقي تطلب خطبتها فنوافق. كل ذلك سوف يسعدها وهذا كل ما نريد. نهاية الأمر تقنعها أن الذهاب للمشفى هو الحل الأفضل لها، يجب أن تطلب منها ذلك. نعلم أن الأمر قد يرتب عليك بعض الإحراج في حياتك وعائلتك لكننا في المقابل مستعدون لتصحيح كل ذلك .. ما رأيك ؟ ". انتهى ذلك الحوار وقبل أن يغادر عماد استوقفه الظابط "لا نريد أن نضغط عليك أكثر، الأمر غريب جدا، نعرف، لكن ليس لديك الكثير من الوقت للتفكير، ونحن سنحترم قرارك أيا يكن، ننتظر ردا منك" وقال والدها "اخترت المشاركة أو لا يجب أن يبقى ما دار بيننا سرا، حتى والديك يحب ألا يعرفا السبب الحقيقي لكل ما سيحصل.

توجه عماد الى داره، جلس على سريره يفكر حتى الصباح ويراجع ما ثبت من ملامح رنا في مخيلته ويستذكر كيف كانت ترميه بعينيها اللطيفتين. انها معجبة به وهو معجب بها، اذا لما لا ؟ وقد طلبه والدها واندثرت الأسباب التي كانت تمنع وصالهما. في الصباح، اتصل بوالدها وأخبره الموافقة، ثم توجه عند المساء الى المتجر كما جرى الاتفاق وذهبت هي الى هناك برفقة ريم. انها المرة الأولى التي ينظر فيها اليها، دون انقطاع، ودون تجاهل. وحين هما يخرجان كل الى منزله، حدث عطل مدبر في سيارتها وبعد محاولات عديدة ووقت من تجربة اصلاحها تقدم بشهامة وعرض نقلها الى المنزل كي لا تنتظر طويلا تحت سماء سوداء أحدا ليقلها. في الطريق أخبرت أخاها بما جرى، الذي انتظرهم عند مقدمة منزلهم ودعاه للعشاء. عشاء هادئ رافقه صمت طويل ونظرات متبادلة وشكر في النهاية. وفي اليوم التالي أعادت رنا شكر عماد برسالة نصية قصيرة تلتها رسائل خفيفة ولطيفة بين الطرفين انتهت بلقاء اعترفت فيه باعجابها به وبادلها هو أيضا الحب والإعجاب. ثم قالت "أنا أعتذر .. أنا أعتذر علي الذهاب .. لم يكن علي قول كل ذلك .. أنا آسفة .." وأخذت تسحب أشياءها فجأة عن الطاولة قبل أن يعيدها عماد ويطلب منها بعض التوضيحات لتكمل "نحن لا نستطيع أن نكون معا .. أنا لا أستطيع" وأخبرته عن مرضها، عن الأسابيع القليلة التي تفصلها عن الرحيل، عن الألم الذي ستهديه اياه، الألم الذي سوف يفوق سعادته. لكنه أطفئ توترها "ذلك القليل يكفيني". طلب الفاتورة قبل أن ينهي كوبه الثالث من القهوة وتوجها سويا الى منزلها، وهناك طلب لقاء والدها. بعد ساعة ونصف من لقاء مغلق نادها والدها "يقول هذا الشاب أنه يحبك وأنك تحبينه أيضا، عزيزتي لقد تقدم لخطبتك ويريد أن يكون ذلك السبت القادم فما رأيك. لم تجب فكان صمتها علامة رضا وموافقة، واشارة ببدء التحضيرات للحفل.

بعدها، توجه الى منزله، جلس مع والديه وأخذ يحدثهم "أريد أن أتكلم معكم بموضوع، أرجو أن تسمعوني جيدا. لقد تعرفت منذ فترة بفتاة في العمل، تدعى رنا، أنا معجب بها، وهي كذلك. حين تعرفت بها كتمت الأمر عن الجميع وعن نفسي لأسباب عدة، لكن الآن لم يعد ذلك ممكنا. عرفت بالأمس أن المرض نال منها وأن أسابيع فقط وربما أقل تفصلها عن .... أريد أن أرتبط بها .. أن نلتحم عل ذلك يخفف عنها ويشكل سعادة .." بكت والدته، لم يعرف لماذا، وأخف والده رأسه بين كفيه يفكر. ثم بدأت التحضيرات لليوم الكبير، اختيار المكان، الألوان، التفاصيل الصغيرة، الإتصال بالأقرباء لإبلاغهم، وآخرا وليس أخيرا التواصل مع الأصدقاء، شركاء الدرب.

كان الحفل هادئا مميزا، كلاسيكي فيه الكثير من الرقص والجمال. "بعض الأشياء تأتي في غير أوانها .. بعض الأشياء لا تكتمل" يقول عماد في نفسه وينظر في عيني رنا ويبتسم لإبتسامتها. انكفئ الليل بحضن واعتراف من عماد أنها المرة الأولى في حياته التي يراقص فيها فتاة، ما عدا حين أجبرته معلمته على الرقص مع زميلة له أيام الإبتدائي عندما كان شريكها متغيبا.

في الأيام التي تلت كان عماد ينهي عمله ويلتقيان، يتبادلان الحب والطمئنينة، حتى اتفقا على الذهاب سويا الى المشفى. وفي حين كان العاشق متماهيا مع معشوقه، غارقا في عينيها ومشوشا في التفكير بما ستؤول اليه الأمور، لم يلحظ أن المشفى الذي دخله مع والديه ووالديها هو لذوي الأمراض العقلية.

رنا: لماذا نحن هنا يا عماد ؟

عماد: لقد قال الطبيب أنه لا بد من دخول المشفى

رنا: وهو كذلك .. حسنا .. ستذهب أنت من هنا وأنا من هناك .. وداعا

جلس عماد على كرسي وحاول أن يحاصر رأسه بكفيه، وفي الزاوية المقابلة كانت رنا ووالديها. تقدم والدا عماد منهما

الأم (والدة عماد): شكرا لك يا ابنتي، شكرا لكم جميعا، أعرف أنه ليس من اسهل أبدا أن تقبل أي فتاة بفعل أمر كهذا، لقد كانت رغبته، سواء كانت حلما أو بضع أوهام وهلوسات على ورق، أتمنى أن يكون ما حدث قد جعله سعيدا ولو لقليل من الوقت. شكرا لمساعدتنا في تحقيق ذلك. تستطيعون الرحيل إن أردتم، سنبقى نحن حتى يأتي الطبيب ويدخله. أتمنى أن تتحسن حاله في قادم الأيام.


6
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}