• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
النور الغارق
النور الغارق
أحيانا، ينطلق البعض في رحلة استكشاف أنفسهم، ويحاول آخرون الهروب من كل شيء. لكنهم يغفلون في كلتا الحالتين عن فتح أعينهم.

استقيظ في تلك الليلة على صوت العاصفة في الخارج وكأنها تتناوله من كل جانب، وحبات المطر التي وصلت الى اذنيه كأمواج تتخبط عند مقدمة سريره او أبعد بقليل. الا أنه استسلم لبرودة الجو ولذلك الضجيج الخاص الذي تولده الرياح والذي يشجع على النوم من جديد.

في الصباح التالي، بعدما هدأ كل شيء، فتح الرجل عينيه على ما حوله في نظرة استغراب ثم سأل : أين أنا ؟ ولأن السرير كان عريضا ليتسع لشخصين او أكثر نظر من جديد باحثا عن أحد لكن دون جدوى. ترجل عن سريره وتناول عن الأرض احد الكتب المرمية بشكل غريب هناك. فتح الكتاب ليجد الإهداء في مقدمته "الى العزيز جان" وفراغ عميق بعد المقدمة. عندها سأل نفسه بإستغراب من جديد : من أنا ؟ ثم تفقد كل الكتب التي وجدها والتي لم تحمل أي اختلاف سوى في المرسل والمستهدف. حاول فتح باب الغرفة وبعد القليل من التجربة نجح في الخروج الى العالم. لقد كان هذا العالم قاربا كبيرا وبحرا واسعا ولا شيء آخر. وجد الرجل نفسه على جزيرة متحركة مصنوعة من الحديد والخشب، وأدرك أن الصوت الصاخب الذي راود سباته في الليل ليس سببه قوة العاصفة بل قربه منها. بعث بعينيه من جديد، أرسلهما في كل اتجاه باحثا عن شيء، أيا يكن، الا أن النظرة التي كانت تذهب لا تعود. كل الطرقات تقود الى نفس المكان، بالأحرى الى اللامكان. وبعد سؤاله عن أين ومن، رمى في الفضاء الواسع سؤالا أهم : ماذا الآن؟ ماذا علي أن أفعل ؟ ورغم أن صوته كان تمتمة لا أكثر الا أنه أكمل دون عائق عبر الأفق وعاد اليه من جديد، كأنه يخاطب نفسه. راح يجول في المركب ويتفقد كل جزء فيه، وعلى عكس حال الغرفة التي خرج منها الى العالم، كان المركب قد رتبته أيد خفية على أكمل وجه. عاد الى مقدمة غرفته وشده عند بابها كتاب لم ينتبه له في المرة الأولى وظرف صغير يخرج من ثناياه. فتح الظرف وسحب منه ورقة ممزقة عند أسفلها "ليس المهم من تكون .. المهم ماذا تفعل" هكذا كتب عليها. دخل وأخذ يفكر، تربع فوق سريره لدقائق معدودة قبل أن يبدأ التفتيش من جديد باحثا عن اجابات. وفِي تلك الدقائق حاول الرجل تحديد نقطة ما ينطلق منها، هو لا يعرف من يكون ولا أين ولماذا هو في ذلك المكان، لكنه موجود، هذا ما توصل اليه. ثم سأل "هل كل ما يحدث حقيقي ؟". وعندما فشل في تحديد موقعه من كل شيء حاول أن يتذكر الأمس القريب، فلكل إنسان ماض ما، والحدث الذي أتى به الى هذا المركب. لكن صوت العاصفة في الليل كان آخر ما راود سمعه. مضت تلك الدقائق سراعا وعادا ليتوجه الى الخارج حيث رأى على وجه الماء لوحا خشبيا سميكا يتوجه نحوه، وحبل شديد مربوط طرفه بحلقة فوق اللوح ويمسك عند الطرف الآخر بيد شاب تمدد هو الآخر فوق الماء. كان الشاب مرهقا حتى الموت، لونه الغريب وملامحه المبللة جسدت ذلك، ولقد كان ميتا حقا بجرعة زائدة من الماء. ما معنى أن يرهق المرء نفسه محاولا الهرب وهو يعرف جيدا أن الموت سيبتلعه نهاية المطاف. لقد حمل ذلك المشهد ايجابية واحدة وسلبية واحدة أيضا. وليست السلبية موت الرجل فتلك حتمية لا مفر منها، لكنه شاء أن يسأله سؤالا بالغ الأهمية فيما لو بقي فيه بعض الحياة : هل قتله الماء أم قتلته العاصفة. ولربما لو أن ذلك السؤال كان ممكنا، كان قد تبعه أسئلة عدة عن اسمه والذي أتى به الى هنا وعن العالم، عن الأخرين، وهل من غيرهما في هذا الهدوء الغارق في نفسه. أما الإيجابية فكونه ليس وحيدا. سحب الرجل من الماء ومعه حصانه الخشبي الذي امتطاه الى هنا. مدده على الأرض وجعل رأسه على صدره في محاولة يائسة لسماع شيء ما. انه صوت البحر يتنفس طويلا فيبعث الحياة في سكانه، لا شيء آخر. وحين دنت أذنه من الرجل لامست شيئا غريبا في جيبه، هي ورقة لم يهزمها البحر ولم يكن ذلك غريبا فالأحياء يموتون أما الجماد يبدأ جمادا ويبقى كذلك. قرأ بتأن ما كتب عليها "القاعدة الأولى : العين لا ترى الا الأشياء التي يقع عليها النور". ثم سحب قلادة من عنقه فيها مفتاح صغير أشبه ما يكون لصندوق خشبي قديم الا أنه أعاده الى مكانه بعد لحظة لا أكثر. لم يدري ماذا يتوجب عليه، الرجل ميت نعم، اذا هل من فرق بين رجل ميت على سطح قارب وآخر يقبع في عمق البحر، راح يفكر، الا أنه تركه صديقا يؤنس وحدته وأخذ يعرفه عن نفسه "أنا .. لست أدري في حقيقة من أكون، لكن ليس ذلك بمهم، أنا انسان ينتمي الى هذا القارب ولأن القارب والماء الذي يطفو عليه ليس أرضا يعتريها العشب والتراب فأنا أنتمي الى هذا العالم. ولدت بالأمس لأن ضجيجا ما أشار لي بذلك ثم تعرفت اليك بعد أن أنقذتك .." وانتبه أنه لم ينقذه بل سحبه فقط من الماء.

تقدمت الشمس شيئا فشيء من مكانها، خفيفة جدا غير ساطعة البتة، الا أنها كانت ترغمه اغماض عينيه بين الفينة والأخرى في النظرة الواحدة، فتختفي الشمس ثم تعود، عن ناظريه. العين لا ترى الا الأشياء التي يقع عليها النور، ولترى، عليك أن تفتح عينيك أولا. ولأن عينه أدركت الشمس في حين أن لا نور يقع عليها، أدرك أن العين ترى الشيء الذي يقع عليه النور والنور نفسه.

عاد البحر ليتنفس من جديد، لكنه كان هذه المرة هادئا متواضعا أمام أعظم المخلوقات، الإنسان. تنفس ذلك الرجل الذي كان ميتا منذ قليل وزرع دون قصد الرعب في قلب الذي يزداد استغرابه في كل لحظة وعند كل موقف. حاول مساعدته ليستقيم في جلوسه وجعل خلفه صندوقا صغيرا ليستند عليه. حينها سمع سؤالا طرحه هو سابقا لكن بنبرة وصوت ولسان آخر "أين أنا ؟" كان هذا أول ما قاله الرجل، ثم أردف سؤالا أصعب "من أنت ؟". ولأن المرء الذي يعجز عن الكلام في شأن ما ينتقل الى شأن آخر طلب منه أن يستريح أولا، أن يأخذ أنفاسا بقدر تلك التي تجاوزها حين قارب الموت. ورغم أن الرجل التائه في المركب طالب الآخر التائه في البحر الصمت قليلا، لتعود اليه قواه من جديد، الا أنه بادره بالكلام. لقد سأله "ما اسمك ؟" بطريقة غريبة حيث حملت ملامحه سعادة واستغرابا مخيفا في وقت واحد. اسمي جان، قالها الرجل ثم مد يده الى الجيب الذي سكن صدره ليتفقد الورقة التي خط عليها نصيحة نجاته "العين لا ترى الا الأشياء التي يقع عليها النور" الا أنه لم يجدها. لقد حدّث أن في احدى الصباحات الخالية من وجه الشمس قابل سيدة عجوز أخبرته كيف ينجو رغم كونهما غرباء، لكن ينجو مما. لقد كانت مدينته غارقة في الظلمة فلا يرى أحد أحد فتدهس أقدام الحكم على الواحد منهم فتقتله. لذلك ولأنه أراد البقاء حيا هجر أرضه نحو النور، وأنهى حديثه بعبارة غريبة بعض الشيء "لم نكن مع الظالمين لنأمن .. لقد كنا مظلومين". لقد ترك بلاده ليس بسبب الظلم، بل لأنه المظلوم. لم يقاطع ربان السفينة هذه كلام الرجل ولم يبدو عليه الاستياء والدهشة لما في هذا العالم من سواد، فهو وإن كان فاقدا للأمس، يدرك بعض الأشياء، ومنها أن الأمور تسير على هذه الشاكلة. الا أن سؤالا راوده غير فيه الكثير، في طريقة جلوسه وملامحه وتوجهه الى ضيفه "كيف رأتك تلك العجوز ؟ كيف وصلت اليك ؟" وقد كانت اجابته بالغة البساطة لعلامة استفهام سوداء تكاد لا ترى "لقد كانت تحمل مصباحا .. ليس يهم". انتهى الحديث هنا قبل أن يستأذن الرجل ويعود الى الماء من جديد ليكمل رحلته، حاملا بين يدين لوحه الخشبي وورقة نجاته وجنونه.

هي بضع ساعات وتغرب الشمس فتغطس تلك المكورة الصفراء بالماء، لربما نزلت اليه لتسكن في المركب فيظل الغروب حينها الى الأبد.

استسلم الرجل لمصيره، وهو في حين أنه لم يهزم ولم ينكسر، بدأت علامات الاستفهام الكثيرة التي كانت تتخلله تعود شيئا فشيء الى داخله. ولأن هذا القارب، هذا العالم الصغير، أضحى وطنه الجديد شرع يستكشفه. بدأ في غرفته، رتب الكتب المرمية على الأرض ووضعها في زاوية هناك كما رتب سريره. ثم شرع يفتح الصناديق الكثيرة التي كانت في الخارج. وجد في أولها بعض المعلبات، وأثناء ذلك رأى صندوقا كبيرا استثاره ولأنه كان مغلقا بإحكام شديد، أضحى فتحه بالنسبة اليه تحديا. لقد ظل يحاول لعدة دقائق، وقبل أن ينجح في كل مرة كان يصعب الأمر كأن يدا من الداخل تتنفض فتمنعه. نهاية الأمر فتح الصندوق، الا أنه كان فارغا.

جلس يتناول بعض الطعام وشرب القليل من الماء، ثم راح ينظر باتجه البحر الذي بدأ يزداد دكانة وضجيجا. ظل على تلك الحال لساعات حتى غربت الشمس دون أن ينتبه اليها أو يلتقتها حتى.

انهارت أكبر قوة مضيئة في العالم، كسى الظلام كل شيء، لكن الصورة لم تضحي سوداء، بقي القليل من النور، انه القمر. فرد ابتسامته حتى كادت تلاقي عينيه، رفعهما من الماء أولا ثم من على الأرض ومشى بالاتجاه الآخر حتى وصل صندوقا غير مقفل لكن يعتريه لوح خشبي سميك شكل غطاء أعلاه. كانت لا تزال عيناه مثقلتان تعبا وحيرة لكنه ألقى نظرة عليه. وفجأة فتحهما بكل ما أوتي من عزم على فتاة تسكن هذه الغرفة الخشبية الصغيرة التي لا أبواب ولا سقف لها. كان جسدها مطويا داخل الصندوق، ملفوفا برداء طويل غفل عن عينيها اللتين يبعثان السكينة ووجهها المدور كهذا العالم الذي لا ينتهي عند نقطة ما. أخرجها من هناك ثم حملها الى غرفته، وضعها على السرير وجلس يراقبها حتى خمدت قواه. وفي نومه، رأى يومه يعود أمام عينيه، فإذ به يستقيظ مستغربا في سريره ثم يذهب للخارج ثم يعود ثم يعود بالإتجاه الآخر فيرى رجلا ممددا فوق الماء فيسحبه، ثم تتغير الأمور. يفتح الرجل عينيه، ينسى للحظة أنه كان بين مخالب البحر ويجف لوحه الخشبي بسرعة رهيبة، ثم يبدأ بطرح أسئلة غريبة "هل أنت مع العدالة ؟ هل أنت مع العدالة ؟ هل أنت مع أن يعاقب ذلك الذي آذى عائلتي ؟ أولئك ؟ هل أنت ؟ هل أنت ؟" فيجيب بالموافقة دون أن يحرك لسانه أو شفتيه أو عينيه حتى، فلا يصدق جوابه ويكمل أسئلته "هل أنت مع العدالة ؟ هل أنت ؟ هل أنت ؟ هل عاقبت يوما من آذاك ؟ هل فعلت ؟ هل ؟". ثم يستيقظ.

كانت لا تزال الفتاة على حالها، غارقة في هدوئها. وبين خروجه لبرهة وعودته، غيرت وضعيتها نحو الجلوس، مطوية على نفسها كما في الصندوق، لكنها لم تبرح السرير. التقت عيناه بعينيها قبل أن تزرعهما في الأرض، ولقد كانت تشبه في ذلك المذنب الذي يحني رأسه ويتجنب النظر الى الآخر، بل يتجنب الكلام حتى لأن ليس لديه ما يقوله أو يبرر فعله. طرح السؤال نفسه "من أنت ؟" "لما أنت هنا ؟" ولأنها لم تجب، بل لأن الحزن تقاطر من رأسها الذي لم يتحرك، الحزن الذي كان يفيض فسيقط وليس يهرب منها، لا يهرب الحزن، سألها "هل أستطيع مساعدتك في أي شيء؟". رفعت رأسها، لا يستطيع المرء أن يبقى محني الرأس الى الأبد، ثم رفعت يديها بتردد شديد وأخذت تتمتم بأصابعها. لقد كان ذنبها أنها لا تستطيع الكلام، ولم يدري الرجل الذي اعترته الحيرة اذ كان هذا الذنب العظيم الذي جعلها في حزن واستحياء من أمرها حديثا أو قديما، أأصابها في حياتها ما منعها من الكلام أم أنها ولدت هكذا، لا تستطيع الاجابة على سؤال ما أو قول لا. راح يهز برأسه موافقا لحركاتها، التي لم يفهم منها أي شيء، بطريقة مقنعة جدا. لم يدرك قصدها الا في مرة واحدة فقط حين جعلت قبضة يدها فوق صدرها "مشيرة أنا" ثم قامت بفردها ومدها نحو الأمام والأعلى في وقت واحد لتخبر أنها من مكان بعيد أو أنها في المركب منذ زمن طويل. بعدها حاول هو مكالمتها، فكانت هي الأخرى تستقبل حركاته بابتسامة خفيفة، تكاد لا ترى، تأتي وتنجلي بسرعة، موافقة على اشاراته غير المفهومة. ولقد كانت تبتسم لخطئه الذي وقع فيه فهي لا تستطيع الكلام لكنها تنصت جيدا. لقد حركت به شيئا ما دفعه لمحاولة استكشافها، هي، وليس تلك الغريبة على القارب. ولو أن أخرى كانت مكانها، لسلكت الأمور الطريق نفسه. فإن كل غريب أو جديد فاتن في ذاته، فاتن في اختلافه وفي هالة الغموض التي تلف أبسط الأمور فيه وأعقدها.

بعد أخذ ورد، تناول أحد الكتب الفارغة التي رتبها وجعلها تخط روايتها الخاصة. أولا بدأت باسمها "أسماء" دون أن تكتب " أنا"، ثم أشارت الى سكنها ب"هناك"، ولقد كان واضحا عدم رغبتها في تحديد مكان ما. لقد كانت ساحرة كما كتبت، تحمل في يدها عصا قصيرة وتمارس بعض الحيل في عروض الأطفال. وفي أحد الأيام حدث ما لم يكن في الحسبان، فحينما شرعت بالخدعة التي تختم بها عادة، والتي كانت تؤديها بعد أن ترفع صوتها عاليا كي يسمعها كل الحاضرين، فقدت صوتها. لقد كانت تخبرهم  دائما أنها قادرة على اخفاء صوتها  فتردد بعض الكلمات الغريبة التي لا معنى لها لكي تضفي بعض الغموض على الجو، والغموض رديف السحر، ثم تتظاهر بأنها تريد الكلام لكنها لا تستطيع، كأن حاجزا ما تخلل حلقها ومنع كلماتها من الخروج. ولقد كانت أعين الأطفال تشع انبهارا لتلك الخدعة خاصة، فيحاولون تجربتها فيما بينهم دون أن ينجحوا. الا أنه في ذلك اليوم وبعد أن أدت ما اعتادته، لم تستطع النطق من جديد. وحين ذهبت الى الطبيب، لم يصدقها أولا ثم طلب منها أن تعيد تلك الكلمات السحرية التي قالتها علها تكون هي الحل، لكنه لم يقدم لها أي شيء نافع. أي كلمات، هي لا تدري، لقد كان تقول شيئا مختلفا في كل مرة، لقد كان كل ذلك خداعا. هذا ليس كل الأمر، ففي ذلك اليوم نفسه، كان قد عزم أحد الأولاد على تعلم السر الذي يجعل المرء ساحرا، فجلس يستمع اليها بكلتا أذنيه وحفظ عن ظهر قلب ما تلته من كلمات. فيما بعد أخبر الآخرين أنه ساحر وحين اجتمعوا حوله، انطلق يبهرهم. لقد كان يعتقد أن ما يراه حقيقي، وأن الحيلة سحر، لذلك توقع أن تسلك الأمور المسير نفسه. الا أنه حين بدأ لم يختفي صوته فبرر ذلك بخطإ في لفظ احدى الكلمات، ثم حاول مرة أخرى وفشل ما جعله يعتقد أنه غفل عن شيء مهم، الا أنه لم يتراجع وأضاف تبريرا آخر. وفي المرة الثالثة نجح الفتى. لم يرد أن يبدو غبيا أمام الآخرين، فادعى أنه لا يستطيع الكلام. ولأنه لايعرف الرمز الخاص بفك السحر، ولا يوجد شيء لذلك، استمر في صمته حتى الأمس حيث شكل أنينه موسيقا خاصة تناغمت مع تمتمته "لم أرد ذلك، أنا لا أريد أن أكون ساحرا".

يزداد الأمر غرابة ..

توجه الرجل الى الخارج باحثا عن الفتى، ووجده. جانب الصندوق الذي افترشته الشابة كان، مختبئا يسترق النظر، وخائفا في الوقت عينه. لقد بقي صامتا حتى بعدما أدرك أنهم متساوون جميعا هناك، فكلهم غرباء. لم يدري الرجل لما استمر في ذلك، أهو الخوف أم كبرياؤه الذي لم يسمح له بالتراجع. أغلق الباب وعاد اليهم، سألها "هل هنالك أحد آخر ؟" لكنها لم تجب. بعد ذلك وضعت نقطة واضحة فوق الورقة، ولقد شكلت تلك النقطة سكونا اعتلى الصمت، صمت من نوع آخر. لكن كل ما قيل ليس بمهم، ولا يغير أي شيء. تناول الكتاب من يدها، قلب الصفحة منتقلا الى أخرى ووضع نقطة أعلاها، نقطة بداية، ثم جعله والقلم بين يديها. أكملت كلامها لكن يدها كانت أبطأ هذه المرة. حين حدث ما حدث، لم تستطع السيدة، التي تربي في بيتها الطيني الصغير تسعة أولاد، أن تتحمل صمت الفتى. هو ليس ولدها، كذلك الآخرون. ولأن المتشابهين يجتمعون، اجتمع السحرة معا. أخذته معها الى المنزل ثم طرقت الباب وانتظرت. كانت قد اعتادت ألا تترك البيت حين يكون والدها في الخارج، كذلك لا يذهب هو حتى تعود. ظلت واقفة ترمي الباب بضرباتها الناعمة لمدة طويلة من الزمن، منتظرة وكلها ثقة أن يفتح، لكنها لم تعلم أن شيئا ما قد حدث. كان والدها من أولئك الكثر الذين يملكون القدرة على المسير في طريق الحق، ومن القلة الذين فعلوا ذلك. وليس من المبالغة قولها أنه الوحيد في قريتهم الصغيرة. إن صح الأمر فعله، وإن وجب الأمر سار به، دون حسابات أخرى. عدا ذلك، كل الآراء والأشياء بلا معنى. كان ذا مكانة في مجتمعه، على معرفة من الجميع، وعلى قدر ما عرفوه كرهوه، فهو لم يكن مثلهم وهم لم يملكوا الجرأة ليكونوا مثله. هي آفة الاختلاف. ولدت الفتاة، لأم خرساء، ومنها استوحت حيلتها التي كانت تطلقها على الأطفال. وعندما بلغت من العمر عشرة أعوام توفيت والدتها غرقا في النهر أثناء مساعدة زوجها، فقد كانوا يقصدون في كل يوم القرية المجاورة لجلب الماء ثم يرمونه في بئر قريتهم. هو لم يكن بئرا، بل حفرة عميقة صنعها الرجل، ولقد كان متاحا للجميع وحاجة لهم، الا أن أحد لم يسحب حجرا منه أو يرمي فيه ماء. ولقد كان الليل عند انسحابه وجه الفجر يلتقي بتلك السيدة وزوجها، ومعه عيون الكثيرين الذين لم يقدموا المساعدة يوما أو الشكر حتى. فالحفر عمل وضيع ونقل الماء لا يليق بمكانتهم الاجتماعية. يوم تحول السحر الى لعنة، توقف الحمار في منتصف الطريق وأكملت المرأة وحدها وغرقت. لم تقل يوما كلمة واحدة لذلك كانت استغاثاتها بلا صوت، فلم يسمعها حتى زوجها الذي كان على مسافة قريبة منها. وبعد عشر سنين اخر مات الزوج، لقد قالوا للفتاة أنه سقط في البئر، ولقد رأته نائما هناك وقد غمره الماء، لكنها لم تصدق. "لقد قتلوه .. لقد قتلوه" كتبت. بعدها لم يعد يهم كيف حدث ذلك، وأضحت غايتها أن تقتص له. من قتله، لا يهم، الجميع. من يقيم العدل، لا أحد. لقد كانت الحياة مجبولة بالقهر قبل وفاة والدتها وغدت سوداوية لا تطاق بعدما رأت والدها غريقا. لذلك كان لا بد من الهروب، لكن قبل أن تخلف قريتها، قتلت سكانها جميعا ولم تستثني أحدا، أي أحد. ثم أكملت "أخذت الفتى وانطلقنا، من قرية الى أخرى، حتى بلغنا الشاطئ حيث سرقنا قاربا حملنا اليك، الى النور."

بدأ المطر يتساقط بغزارة، تهاوت حبات الماء، وجعل الرجل يعيد في رأسه "ما كل هذا الشيء .."

"لقد كنا نرى النور من بعيد فأتينا هنا"، وقلبت الصفحة من تلقاء نفسها، "وكان ذلك رغم المسافة يستحق. ليس تمردا على ظلمة فقط لكن سعيا الى النور. انه يومنا الثالث والخمسون بعد الألف، لكننا وصلنا. أصعب ليلة حلت هي تلك التي سبقت الماضية فقد كنا، حال الكثيرين، نقترب ثم تهب عاصفة شديدة فتمنعنا، ثم نحاول فتشتد، حتى رمتنا على سطح قاربك."

توقف المطر وكسى السماء طفح رمادي، "أنت تعرفينني اذا" قالها بصيغة الاستفسار لا السؤال. "أعرف من تكون لكن لا أعرفك أنت" أجابت. ثم أضافت "أتريد أن أخبرك ؟". وقف الرجل يتساءل، كيف لغريب يبعد مسافة تفوق الألف يوم أن يدرك فيه ما لا يدركه في نفسه. ولما عليه أن يصدق المكتوب وفق الورق، فأي شخص يستطيع كتابة أي شيء. بقيت تنتظر اذنا للانطلاق، وهو البحر والجزيرة النائية المقصودة والباحث في آن معا، وهي المركب والشراع. اعتلت ملامحها علامات الصدق قبل أن تنقلب فجأة الى قلق حين طرقت يدٌ صلبة جدران باب الغرفة طالبة المساعدة. لم يصدق أن ذلك الصخب كله أحدثته يد فتاة في العشرين من العمر، وما ازاد استغرابه أنها لم تستهدف عونا في انقاذ أولئك اللذين ينتقلون الى عالم البحر، لكنها أرادت مشورة في اتخاذ قرار. لقد كان عليها أن  تنزل الى أسفل المركب حتى تنقذ أحدهما، معلمها وآخر لا تعرفه، وفي ذلك مخاطرة وتضحية، لكن ليس هذه المشكلة بل وجود طوق نجاة واحد وحبل واحد أيضا، وفتات وقت لذلك. حين يقف المرء ليختار بينه وآخر، سيضحي بنفسه بكل بساطة، ثم لا يتأذى أحد. لكنه حين يختار بين اثنين، كما هو حال الفتاة، فانه سيحدد من سوف ينقد وبمعنى آخر بمن سيضحي. تحرك دماغ الفتاة سريعا وجعل يبسط المسألة، التضحية واجبة وأناني من لا يفعل ذلك، هكذا أولا. ثانيا، كان الحل أن يختذل أحد من المعادلة، فتضحي هي وآخر فقط ليسهل الأمر. ولفعل ذلك كان عليها إما أن تعتبر أحدهما غير موجود، ما لم تقبله على الفور، أو أن تندمج فيه. اذا هي، معلمها،والشاب. المعلم في مساحة الفكر هي، وفي مساحة المكان رجل على وشك الموت، هو جزء منها وليس بذلك في آن معا، هو شخصان لا واحد. إذا أنقذته، كأنما تخلت عن الآخر لنفسها، وتلك أنانية. واذا أنقذت الآخر، كأنما ضحت بنفسها لكن به في الوقت عينه، كأنما تخلت عنه لتفعل ما يجب أن تفعله هي "انقاذ الآخر" وتلك أنانية أيضا. مرت تلك الأفكار كقطار فوق رأسها، ورغم أن اصطداما لم يحدث الا أن ضجيجه كان كافيا ليولد خطوة مجنونة. رمت طوق النجاة الوحيد الى الشاب ومعه الحبل من أعلى المركب، ثم توجهت نحو الماء الى معلمها. بعدها اختفـت آثار تلك التي لعبت دور البطل وأولئك الذين أرغموا دور الضحية، في حين ظل أشخاص آخرون يؤدون باتقان دور المتفرج. أحضرت الفتاة كتابها، كان هنالك شيء ملح وجب قوله، وعادت اليه. كتبت "لما لم تنقذهم .. لما لم تنقذها" بخط ساخط، وكان الجواب بغاية الاستغراب "ماذا تقصدين". "لما تركت الماء يأخذهم بعيدا، ألست ربان السفينة." لم يكن ما خطته ضروريا ليعي حجم الغضب الذي حملته في تلك اللحظة والذي كان واضحا في ملامحها، ولم يكن كافيا في الوقت عينه ليفهم مايجري. أكملت "لقد كانت تحبك"، شيء آخر تدركه فيه لا يدركه في نفسه. لقدكانت تلك الفتاة لأيام طويلة وليال هناك تراقبه، قبل أن تذهب باتجاه معلمها، الذي أغلب الظن مات، ماتا معا. كانت قبل أن يصل الجميع، ولقد روت كم كانت تحبه في حين أنه لم يلتفت اليها يوما. لقد مضى على ولادة الرجل يومان فقط، أخذ يفكر، لكنها عرفته وأحبته قبل ذلك، قبل أن يعرف نفسه. الا أنها رغم تلك النظرات الطوال سلكت نهاية الأمر سبيل معلمها، فهو لم يكن حبا عرضيا بل حقيقي لذلك رضخ للحقيقة المطلقة.

لم يعد من شيء عادي. رجل يترك المركب بعد أن كاد يموت، وفتاة تجتاز عمرا لتصل الى شيء، هربا من شيء آخر، وفتى. كهل وشاب يتجرعون الهزيمة في مواجهة التيار فيفشلان في الوصول الى السفينة، آخرون على متنها تفصلهم مساحة ضئيلة عن الربان، وعاشقة.

لقد رأى الرجل كم كانت جميلة، لكنها رحلت. ابتعد أولئك الغرباء الذين ظهروا فجأة، وبدأ الواحد تلو الآخر منهم يختفي، داخل صندوق أو خلفه، كل في جهة. "ماذا تعرفين أيضا .. عنها" سألها فأجابت "لا شيء" وكأن ما قالته لا يكفي. تذكرت حينها قصة راما، الشابة المميزة. وبدأت تكتب مسترجعة تفاصيل الحكاية دون أن تنتبه لنفسها. تتكلم وتفكر بالطريقة ذاتها. هي بعض من الخيال، ككل شيء، الا أن رواجها بين الناس كان كبيرا منذ زمن طويل. تبدأ حين تلتقي راما بشاب، فلا يحرك فيها أي شيء ولا هي تفعل، رغم تكامل كل منهما وتناسبهما. ثم تتكرر اللقاءات، ولأن قلب الأنثى أرق، يخترقه الشاب عادة قبل أن تفعل، وذلك ما جرى. بدأ يتسلل كل منهما، دون قصد أو نية، الى الآخر، ودون الوصول الى عتبة الاعجاب. ثم وصلت هي وبقي له القليل، لكن هذا القليل أضحى كثيرا فجأة بعد أن دخلت أخرى على الخط واعترفت عن طريق رسول أنها تحبه. ولأن الحب حينها كان حقيقة، وشيئا عظيما، ذهب باتجاهها وتزوجا. أما راما، فقد تعرفت بآخر وأكملوا سويا بعدما حصلا على الوقت الكافي للوصول.

لم يكترث الرجل لأولئك الذين ظهروا فجأة، وأضحى يترقب شيئا غريبا آخر. ليس بعد ما يمنع أن يصدقها فهي الحقيقة الوحيدة التي يملك. عاد الى الغرفة الداخلية، الى قلب المركب، ثم سألها "ماذا لو انتهى بك الأمر دون الوصول الى هنا ؟" لكنها أجابت بطلب الماء. مد يده باتجاه أحد الصناديق هناك ورغم أن اليد كانت يده والخيار خياره لم يستطع أن يسحب قارورة ماء واحدة من الصندوق الذي اختزن أكياسا من الملح وبعض الحلي من الفضة. تجاوز الصندوق وظل يبحث حتى وجد مراده واستدار اليها ليجد الغرفة فارغة. لم تتركه وحيدا، فقد خلفت هناك كتابها. جلس على السرير وانطلق. بداية "لا ينتهي الأمر حتى نصل" ثم "كان هنالك رجل لا اسم له، لا ينتمي لأحرف معينة، جاء من الشمس. وقد اصطبغ بسرها الا أنه ظل وحيدا ولم يشعر يوما بكوكب قريب ولا بحرارة تفوق تلك التي سكنت قلبه. الوحدة خلاص النفس وعذابها. لقد كان يذهب باتجاه الآخرين في كل يوم، يصل صباحا اليهم ثم يبتعد عنهم مكرها، فيدخل الليل، ثم يعود في اليوم الذي يليه وهكذا. يغمض عينيه ثم يفتحهما فلا يجد أحدا، ويغمضون أعينهم ليتجنبوه. وفي أحد الأيام، بعد دوران طويل، قرر أن يقف في مكان ما، أن يذهب، أن يترك الذين لا يريدون النور، وتوجه بعيدا. لذلك سكن في عمق البحر، لكنه غفل عن البعض الذي كان يريده. بعده أصبح الرسامون يستخدمون اللون الأسود فقط وأضحى الناس يرويهم الحبر نفسه لا الماء. لكن في الوقت عينه لم يتأذى أحد من الذين أقفلوا أعينهم، أي أحد، واقتصر الأمر على أولئك الذين أضحوا كالخفافيش يرمون أصواتهم الخفيفة يثبتون بها وجودهم أمام العالم ويتفقدون سلوك الطريق. غير أن بعض تلك الخفافيش فقد جناحه وخسر قدرته على الطيران، فانطلقوا يبحثون عن السفينة المنشودة. لكن رجل الشمس لم يعي ذلك وجعلت رغبته في البقاء وحيدا الوصول صعبا على الكثيرين، الا أن أحدا لم يكف عن المحاولة. وحين اهتدينا اليك منعتنا عاصفة كانت تنطلق كل ما جرب أحدنا مس القارب، ملامستك." انتقلت الى سطر آخر رغم المسافة المتبقية، ضحت بفراغ يتسع لبعض الكلمات لتقول شيئا أهم. "العديدون هناك، بعضهم جاء هربا لا أكثر، والبعض جاء قاصدا، ومنهم أصدقاء من فتات الشمس ينتظرون اذنا للتقرب. وهنالك أخرى تحبك، في السر أيضا. كلهم في تلك الصناديق، افتحها." ثم تخلت عن فراغ أكبر لسطر آخر. "لقد عاد الفتى الى الصندوق حيث وجدته أول مرة، قل له أن هذا المكان مختلف والناس هنا آخرون. أما أنا فقد انطلقت في رحلة العودة الى قريتي، الى اللقاء."


4
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}