• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
لُمْعَةََ أو لَمْحَةُ ضوء على كتاب "كليلة ودمنة" لابن المقفع... /بقلم: علي شهبي
لُمْعَةََ أو لَمْحَةُ ضوء على كتاب "كليلة ودمنة" لابن المقفع... /بقلم: علي شهبي
هو كتاب الفلاسفة الذي جمع بين المرح و الحكمة لا كتاب العوام.
ابن المقفع وراء قناع برزويه الطبيب الفارسي (أسئلة جريئة في زمن راكد)
ما الذي كان يبحث عنه ابن المقفع في شخصية "برزويه الطبيب" و لم يجده ؟
كتاب "كليلة و دمنة" أحق بإسم "المعرفة المرحة " لكتاب نيتشه.

نلاحظ في هذا النص تشبع برزويه الطبيب الفارسي بأخلاق الطب القديمة لكل من جالينوس و أبقراط في السعي الخالص في مداوة المرضى و مساعدة الفقراء و مزاولة مهنة الطب من أجل ذاته لا من أجل المال, بالإضافة إلى جرد لحظات سيرته ابتداءا ( من بر الوالدين إلى تعلم القراءة و الكتابة إلى إختيار علم الطب إلى طلب الدين الصحيح )... و ما يهمني هنا هو مسألة طلبه للدين الصحيح.. فهو لم يقل مباشرة بالإسلام كدين صحيح بل وضعه (ابن المقفع) في كفة واحدة مع جميع الأديان, إنها استراتيجية الرجل في تقديم صورة فارسي يطلب الحق, فهذه الصورة لا تصدم الإنسان المسلم لكن لو قال أنه هو أي ابن المقفع يشكك في الدين و يسعى في البحث عن الدين الصحيح, فهنا ابن المقفع سيجد نفسه تحت سيف الجلاد أو أمام قاطع الرؤوس..

لقد استلهم ابن المقفع شخصية الطبيب الذي يعالج الأبدان كرمز لمعالجة الأرواح النائمة أو التي تقبع تحت اليقين أو التقليد أو الإستسلام للجهل, تلك الأرواح التي لا تعرف ماذا تختار...

كما أن ابن المقفع سرد شخصية الطبيب من رضا الوالدين إلى الخلق الحسن بمعنى, محاربة الفكر الذي يرى أن أساس الأخلاق هو الدين, فهو هنا يتحدث عن أخلاق خارج الدين, ثم يتطرق إلى النظر في أمر الطب أي التأمل العقلي في مهنته التي يزاولها و بيان نقط ضعفها, فهي لا تداوي و لا تبرئ الداء (المرض) بحيث لا يعود مثله أو ما هو أشد منه قوة... فهل يستحق هذا الفعل إسم " المداواة "و إسم " البُرْءُ" ؟ و فعل المداواة و البُرء لا يمنع عودة المرض الذي توهمنا علاجه... فالرجل هنا يشكك في مفهوم لا يزال إلى يومنا إشكاليا في تحديده و تعريفه و هو مفهوم " الصحة " و "الدواء"...

عندما نظر في الطب و عمق إشكاله الذي يحمله معه... أي أن علم الطب لا يعلم موضوعه لم يحصل علم الطب "الوعي بنفسه" أي أن يعرف ما يفعله بالضبط في جسم المريض ( و لاشك أن الطب اليوم واقف بالبحث في هذه النقط عندما استدعى علوما أخرى كالبيولوجيا و المورفولوجيا و الفيزيولوجيا للوقوف على حدود الطب و كيفية عمله و إلى أين يقف حده مع علم يقاربه) إلى التطرق إلى الروح أو ما سماه "عمل الآخرة" الذي يسلم من الأذى الجسماني و خال من العلل الجثمانية... الطب مرتبط بالجسد و "عمل الآخرة" مرتبط بالروح... هذا فصل منهجي عند ابن المقفع (برزويه الطبيب) فهنا شخص ابن المفقع يتحدث على لسان الطبيب كما يفعل أفلاطون عندما يدرج أفكاره بلسان أستاذه سقراط...

من النظر في الطب إلى النظر في أمر الدين... قيل (صحة الأبدان قبل صحة الأديان"... فهذا الإختيار يتضمن الإنتقال من الطب الذي هو في ظاهره دواء للجسم إلى الدين الذي هو دواء بدوره للروح بمعنى ما من المعاني... الطب الجسماني و الطب الروحاني (الدين) كلاهما يدعي الفهم و العلم و المعرفة بموضوعه و لما فرغ ابن المقفع من نقد الطب و هو العالم بالطب (برزويه الطبيب الذي هو رأس أطباء فارس) و الإستخفاف به كما جاء في النص ( فاستخففت بالطب و أردت الدين)... قصد الآن الدين... لكن إعترضه إشكال فكتب الطب لا تحتوي على الإشاره إلى الدين الصحيح... لذلك نظر إلى الدين في الواقع... فالطب نَظَرَهُ في الكتب و قواعده التي بسطها الأطباء في مصنفاتهم و الآن سينظر إلى الدين خارج الكتب و العلة في ذلك أن الدين " غير مُقَعَد" أي لا توجد قواعد أو مبادئ للأديان بخلاف العلوم و على رأسها علم الطب... فماذا وجد ابن المقفع في الخارج (الدين في أرض الواقع) ؟

الدين عند ابن المقفع في الواقع ,على ثلاثة أضرب: ضرب دينهم متوارث بالتقليد و منقول من جيل إلى جيل.. فهو دين تواتر بالإتباع و الإقتداء... فهو عقيدة الأعمى الذي لا يُبصر... و ضرب من الدين أصحابه دخلوا إليه بالقهر و القوة و السيف حتى دخلوه و هو عقيدة المضطهد أو المقهور و بمعنى آخر هو الدين غير المختار بالإرادة و لا بالتقليد... و ضرب مصنوع من أجل طلب الدنيا فهو دين التجار أو دين سماسرة الدين أو عقيدة الطفيلي الذي يدخل إلى الدنيا بخَلْقِ دين يسرق الناس بالحيلة و يسوق بضاعته بالكلام المزركش و المزخرف, بمعنى آخر الدين المُفترى أو المُختلق للأغراض و المصالح الشخصية...

هنا ابن المقفع يرى أن المسلمين بينهم هؤلاء الأنواع بنوع من الإعتبارات: فهناك إيمان بالدين الإسلامي بالتقليد و هناك نوع من المسلمين أُجبروا على دخوله بالإضطرار و إلا تم إقصاؤهم أو قتلهم و آخرون يصلون بالدين إلى مآربهم كالحكام في زمانه يتوسل بالدين ليطلب الحكم و السلطنة (عقيدة الأفعوان أو ما قد نسميه " التنين ")...

مشكلة هذه الطوائف الثلاث (المُقلدة للدين و المُجبَرين على الدين أو مخترعي الدين للدنيا) كلها تدعي أنها على الحق و الحقيقة و الإختلاف بينها في أمر الخالق و المخلوق كثير... و هنا إشارة بعيدة للفرق الإسلامية التي تزعم أنها على الصراط المستقيم و كفر بعضها بعضا...

هذا المشكل يستدعي حل مشكلة الطوائف بالمناظرة أي إدخال عنصر العقل في محاروة الأديان بمعنى أن ابن المقفع عندما وضع الأديان التي توجد على الأرض في صف واحد و نظر إلى علمائها و أتباعها وجدهم يمدحون دينهم و يذمون الدين الذي يخالفهم و الكل يفعل هذا... إذن فهم تحت قبضة دين الهوى لا دين العدل...

ابن المقفع مثل أبو حامد الغزالي الذي مر بمرحلة الشك بحثا عن اليقين الروحي أو كما فعل ديكارت في البحث عن اليقين العقلي... فهو هنا يبحث عن الدين بالعقل و يطلب الموافقة على ما يعلم لا الإيمان بما لا يعلم... فالإيمان هو مجرد تصور و ليس تصديق بمعناه الأرسطي أي التصور الذي يجمع بين تصورين أو أكثر ليقدم حجة عليه... و الحجة هنا هي البرهان العقلي... فالإيمان عند ابن المقفع هو القضية بمعناها المنطقي أي يحتمل الصدق و الكذب.. فليس كل الأديان هي على حق فهو لا يريد أن يكون مثل المصدق المخدوع الذي يصدق دينا غير حقيقي أصلا و لن يتحقق أبدا ما يبشر به أو يحذر منه...

ابن المقفع هنا يشير أو كان يريد شيئا لم يكن موجود في عصره و متوفر اليوم في عصرنا و هو "علم الدين المقارن"... التي يجب على علماء كل دين أن يفهموها... أن يطلع كل أهل دين على الدين الآخر بدون أحكام مسبقة كقولهم (ذلك دين محرف... دين باطل...) و بدون تهكم و سخرية... فنفس النظرة التي تنظر بها إلى دين الآخر بها ينظر إلى دينك...

الخوف و التحرز من الوقوع في براثن دين كاذب أو مكذوب... فعاد إلى البحث في الأديان التي على الأرض و البحث عن كلمة العدل أو الحق فيها بدون تبجيل الدين الذي يتبعه أو زخرفته... ابن المقفع لا يريد الدين الذي يعتمد الخطابة و الوجدان ليبني عليه نظرته... فالخطابة مثل الإيديولوجيا تصدك عن رأي الغير و تدعوك إلى رأيها...

ابن المقفع عندما بحث مجددا في الأديان لم يجد شيئا يقره العقل... ابن المقفع هنا نظر بموضوعية إلى الدين.. قد نقول أنه كان فارسي ثم دخل الإسلام و هذه النقلة سمحت له بهذه الرؤية و قد نقول أيضا أن ابن المقفع ترجم هذا الكتاب و أوحى له بهذه الفكرة و قد نقول أن ابن المفقع كان دائم البحث داخل العقيدة التي كان يُؤمن بها... فعقيدته هو أي ابن المقفع هي عقيدة الفيلسوف (طالب الحقيقة بغض النظر عن المجتمع أو الآراء المتداولة أو المكان الجغرافي أو الثقافي )...

ابن المقفع يضعنا امام اختيارات متعددة و صعبة: الرجوع إلى دين الآباء ليس له عذر أو حجةو الأديان غير عادلة في حق بعضها و ليس لها كلمة عدل.. فالأديان تزهو بنفسها بالمدح كما يفعل الشاعر الذي يمدح قبيلته و يذم و يهجو القبيلة المخالفة و التي لا ينتمي إليها... هكذا أناس الأديان هم شعراء الأديان... يتبعون الهوى... إذن إعمال ملكة العقل معهم لا تنفع... كما أن البحث عن الدين الحق بين أديان الأرض قد يُفوت خيرا أو أعمالا إنسانية على صاحبها, كما أن العمر قصير بالنظر إلى البحث في كل دين دين... (ابن المقفع كان في حاجة إلى إقامة أو إنشاء فلسفة للدين).

نترككم الآن مع النص المقتطف و من أراد التتمة عليه بالعودة إلى الكتاب.

باب برزويه الطبيب

قال برزويه رأس أطباء فارس وهو الذي تولى انتساخ هذا الكتاب وترجمته من كتب الهند: إن أبي كان من المقاتلة وكانت أمي من عظماء بيوت الزمازمة وكان مما ابتدأني به ربي أني كنت من أكرم ولد أبويّ عليهما، وكان لي أشد احتفالاً منهما لسائر إخوتي، وأنهما أسلماني في تعليم الكتّاب حتى بلغت في العلم، فلما حذقت الكتابة شكرت أبويّ ونظرت في العلم، وكان أول علم رغبت فيه علم الطب فحرضت عليه حتى إذا حصّلت منه جانباً عرفت فضله وازددت عليه حرصاً وله اتباعاً. فلما بلغت فيه إلى أن أدمنت نفسي على مداواة المرضى هممت بذلك في الناس قولاً وعملاً. ولما تاقت نفسي إلى ذلك ونازعت إلى أن تغبط غيري وتتمنى منازلتهم أبيت لها إلا الخصومة وقلت: يا نفس ألا تعرفين نفعك من ضرّك، ألا تنتهين عن تمنّي ما لا يناله أحد إلا قلّ متاعه وكثر عناؤه فيه وخباله عليه واشتدّت البلية عليه عند فراقه وعظمت التبعة منه عليه بعده.

يا نفس ألا تذكرين ما بعد هذه الدار فينسيك ذلك ما تشرهين إليه من هذه الدار. ألا تستحين من مشاركة العجزة الجهّال في حب هذه العاجلة الفانية التي من كان في يده منها شيء فليس له وليس بباق معه والتي لا يألفها إلى المغترّون الغافلون. فانصرفي عن هذه النسبة وأقبلي بقوتك وما تمليكن على تقديم الخير والأجر ما استطعت، وإياك والتسويف. واذكري أن لهذا الجسد وجوداً وآفات وأنه مملوءة أخلاطاً فاسدةً قذرة يجمعها لمنافع أربعة أخلاطٍ متغالبة تغمرهن الحياة. والحياة إلى نفاذ كاللصنم المفصّلة أعضاؤه إذا ركّبت تلك الأعضاء وصنّفت في مواضعها جمعها مسمارٌ واحد يمسك بعضها على بعض، فإذا أخذ المسمار تساقطت الأوصال.

يا نفس لا تغتري بصحبة أحبائك وأخلائك ولا تحرصي على ذلك كل الحرص فإن صحبتهم على ما فيها من السرور كثيرة الأذى والأحزان، ثم يختم ذلك بعاقبة الراق. ومثله مثل المغرفة التي لا تستعمل في سخونة المرق في جدتها. فإذا انكسرت صارت عاقبة أمرها إلى أن تحرق بالنار. فأمرت نفسي وخيّرتها الأمور الأربعة التي إياها يطلب الناس وإليها يسعون فقلت: ينبغي لمثلي في مثل العلم أن يطلب أيها أفضل: المال أم اللذات أم الصّون أم أجر الآخرة.

فاستدللت على الخيار من ذلك أني وجدت الطب محموداً عند العقلاء، ولم أجده مذموماً عند أحد من أهل الأديان والملل. ووجدت في كتب الطب أن أفضل الأطباء من واظب على طبه لا يبتغي بذلك إلا أجر الآخرة. فرأيت أن أواظب على الطب ابتغاء أجر الآخرة ولا أبتغي بذلك ثمناً وأكون كالتاجر الخاسر الذي باع ياقوتة كان مصيبا بثمنها غنى الدهر بخرزة لا تساوي شيئا. مع أني قد وجدت في كتب الأولين أن الطبيب الذي يبتغي بطبه أجر الآخرة لا ينقصه ذلك من حظه في الدنيا وأن مثله في ذلك مثل الزارع الذي إنما يحرث أرضه ويعمرها ابتغاء الزرع لا ابتغاء العشب، ثم هي لا محالة نابت فيها ألوان العشب.

فأقبلت على مداواة المرضى. فلم أدع مريضا أرجو له البرء ولا آخر لا آرجو له البرء إلا أني أطمع له في خفة الوجع والأذى إلا بلغت في مداواته جهدي. ومن قدرت على القيام قمت عليه ومن لم أقدر على القيام عليه وصفت له وأمرته وأعطيته ما يتعالج به من الدواء ولم أرد على ذلك أجرة ولا مكافأة. ولم أغبط من نظرائي ومن هو مثلي في العلم وفوقي من المال والجاه أحداً لغير ذلك ممن له صلاح وحسن سيرة.

يا نفس لا يحملنك أهلك وأقاربك على جميع ما تهلكين في جمعه إرادة لصلتهم ورضاهم فإذا أنت كالدخنة الطيبة التي تحرق بالنار ويذهب بعرفها آخرون.

يا نفس لا تغتري بالغنى والمنزلة التي ينظر إليها أهلها، فإن صاحب ذلك لا يبصر صغير ما يستعظم حتى يفارقه فيكون كشعر الرأس الذي يخدمه صاحبه ما دام على الرأس فإذا فارق رأسه استقذره ونفر منه.

يا نفس داومي على مداواة المرضى ولا تقلعي عن ذلك أن تقولي للطب مؤونة شديدة والناس لها ولمنافع الطب جهال. ولكن اعتبري برجل يفرج عن رجل كربه ويستنقذه منه حتى يعود بعده إلى ما كان فيه من الروح والسعة ما أخلقه لعظم الأجر وحسن الثواب. فإن كان الذي يفعل هذا برجل واحد يرجو ذلك كله فكيف الطبيب الذي يداوي العدة التي لا يعلمها إلا الله ابتغاء الأجر، فيصيرون بعد الأوجاع والأسقام الحائة بينهم وبين الدنيا ولذتها ونعيمها وطعامها وشرابها وأزواجها وأولادها إلى أحسن ما كانوا يكونون عليه من حال دنياهم. إن هذا لخليق أن يعظم رجاؤه ويثق بحسن الثواب على عمله.

يا نفس لا يبعدن عليك أمر الأخرة فتميلي إلى العاجلة فتكوني في استعمال القليل وبيع الكثير باليسير كالتاجر الذي زعموا أنه كان له ملء بيت من الصندل فقال: إن بعته موزونا طال علي، فباعه جزافاً بأخس الأثمان.

فلما خاصمت نفسي بهذا وآخذتها به وبصّرتها إياه لم تجد عنه مذهباً فاعترفت وأقرّت ولهت عما كانت تنزع إليه، وقامت على مداواة المرضى ابتغاء أجر الآخرة. فلم يمنعني ذلك أن أصبت حظا عظيما من الملوك قبل أن آتي الهند، وبعد رجوعي إلى ما نلت من الأكفاء والإخوان فوق الذي كان طمعي فيه وتجمح إليه نفسي وفوق ما كنت له آهلا.

ثم نظرت في الطب فوجدت الطبيب لا يستطيع أن يداوي المريض من مرضه بدواء يزيل عنه داءه فلا يعود إليه أبداً وغيره من الأدواء. والداء لا يؤمن عوده أو أشد منه. ووجدت عمل الآخرة هو الذي يسلم من الأدواء كلها سلامة فلا تعود إليه بعد ذلك فاستخففت في الطب ورغبت في الدين.

فلما وقع ذلك في نفسي اشتبه علي أمر الدين ولم أجد في الطب ذكراً لشيء من الأديان ولم يدلّني على أهداها وأصوبها. ووجدت الأديان والملل كثيرة من أقوام ورثوها عن آبائهم وآخرين خائفين مكرهين عليها وآخرين يبتغون بها الدنيا ومنزلتها ومعيشتها، وكلهم يزعم أنه على صواب وهدى فاستبان لي أنهم بالهوى يحتجون وبه يتكلمون لا بالعدل. وقد وجدت آراء الناس مختلفة وأهواءهم متباينة وكلاً على كل راد وله عدو ومغتاب ولقوله مخالف.

فلما رأيت ذلك لم أجد إلى متابعة أحد منهم سبيلاً وعلمت أني إن صدّقت منهم أحدا بما لا علم لي به أكن مثل المصدق المخدوع.

الذي زعموا في شأنه أن سارقاً علا ظهر بيت رجلٍ من الأغنياء، وكان معه جماعةٌ من أصحابه، فاستيقظ صاحب المنزل من حركة أقدامهم، فعرف امرأته ذلك؛ فقال لها: رويداً إني لأحسب اللصوص علوا البيت، فأيقظيني بصوت يسمعه اللصوص وقولي ألا تخبرني أيها الرجل عن أموالك هذه الكثيرة وكنوزك العظيمة؟ فإذا نهيتك عن هذا السؤال فألحي علي بالسؤال. ففعلت المرأة ذلك وسألته كما أمرها؛ وأنصتت اللصوص إلى سماع قولهما. فقال لها الرجل: أيتها المرأة، قد ساقك القدر إلى رزقٍ واسعٍ كثيرٍ: فكلي واسكتي، ولا تسألي عن أمرٍ إن أخبرتك به لم آمن من أن يسمعه أحدٌ، فيكون في ذلك ما أكره وتكرهين. فقالت المرأة: أخبرني أيها الرجل، فلعمري ما بقربنا أحدٌ يسمع كلامنا. فقال لها: فإني أخبرك أني لم أجمع هذه الأموال إلا من السرقة. قال: وكيف كان ذلك؟ وما كنت تصنع؟ قال: ذلك لعلمٍ أصبته في السرقة، وكان الأمر علي يسيراً، وأنا آمن من أن يتهمني أحدٌ أو يرتاب في.ين. فقالت المرأة: أخبرني أيها الرجل، فلعمري ما بقربنا أحدٌ يسمع كلامنا. فقال لها: فإني أخبرك أني لم أجمع هذه الأموال إلا من السرقة. قال: وكيف كان ذلك؟ وما كنت تصنع؟ قال: ذلك لعلمٍ أصبته في السرقة، وكان الأمر علي يسيراً، وأنا آمن من أن يتهمني أحدٌ أو يرتاب في. قالت: فاذكر لي ذلك، قال: كنت أذهب في الليلة المقمرة، أنا وأصحابي، حتى أعلو داء بعض الأغنياء مثلنا؛ فأنتهي إلى الكوة التي يدخل منها الضوء فأرقي بهذه الرقية وهي شَوْلم شَوْلم سبع مرات، وأعتنق الضوء؛ فلا يحس بوقوعي أحدٌ، فلا أدع مالاً ولا متاعاً إلا أخذته. ثم أرقي بتلك الرقية سبع مراتٍ. وأعتنق الضوء فيجذبني؛ فأصعد إلى أصحابي، فنمضي سالمين آمنين. 

فلما سمع اللصوص ذلك قالوا: قد ظفرنا الليلة بما نريد من المال؛ ثم إنهم أطالوا المكث حتى ظنوا أن صاحب الداء وزوجته قد هجعا؛ فقام قائدهم إلى مدخل الضوء؛ وقال: شولم شولم سبع مراتٍ؛ ثم اعتنق الضوء لينزل إلى أرض المنزل، فوقع على أم رأسه منكساً. فوثب إليه الرجل بهراوته، وقال له: من أنت؟ قال: أنا المصدق المخدوع المغتر يما لا يكون أبداً؛ وهذه ثمرة رقيتك, و عاقبة من يصدق كل ما يسمع.

علي شهبي


35
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}