• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
لم أعد احتمل ..
لم أعد احتمل ..
Google+
عدد الزيارات
1,223
اكتب معنا عن أجمل المناطق السياحية في بلدك
حياة عبثية...

"ألا تتوقف أبدا عن مضايقتي يا هذا ؟" 
صرخت إكرام بصوتٍ مرتفع
وهي تنظر إليه بحنق، ثم اكملت طريقها بخطواتٍ متسارعةٍ بدون الالتفاف .. يلاحقها هذا الشخص المسمى "العَزْوَا" كل مرةٍ تمر من أمامه بلا كللٍ، ولا يُفارقها حتى تتجاوزَ خط بيوت الحي.. كأن "العَزْوَا" مرتبطٌ بحبلٍ سري مع حيِّهِ ولا يفارقهُ ..  مرت ثلاث سنوات، إلا أنه لم يغادره ولا مرة واحدة.. لأنه وببساطة قد أقام عداوات كثيرة مع أبناء الأحياء الأخرى.. فثقافتهم الشعبية المتداولة هنا هي "السنُ بالسنِ والعينُ بالعينِ والبادي أظلم"، فالبطالة والفقر وغياب الوعي و كذا السياقات الاجتماعية والنفسية والثقافية... حفرت في أذهانهم وعقلهم الاوعي أفكارًا مليئةً بالتسلطِ والقهر ،الجريمة والشراسة وكل السلوكات الغير سوية، فهذه الظواهر الاجتماعية تحتاج إلى دراسات سوسيولوجية.. ركبت إكرام الحافلة المتوجهة إلى الجامعة.. فهي تدرس بجد  لكي تغادر هذا الحي الشعبي وأن تحقق أهدافها عن طريق المكافحة في مجتمع ذكوري مهيمن.."الحب هو أن تحترم الآخرين، الحب هو الشعور الكوني الأسمى الممزوج بالخلود"، ابتسمت بسخرية عندما قرأت هذه المقولة على موقع الفايسبوك.. فهي متأكدة في قرارة نفسها أن المجتمع بطريركي ولا يعرف مفهوم الحب، وتعتقدُ أنه أصبحَ وجبة سريعةً أكثر منه شعورٌ راقي.. يا لسخافة الأقدار.. ارتجلت وهي تسحب الهواء بنهم إلى رئتيها. وصلت إلى عالمها الخاص الذي يجعلُ من الصبر صبرين.. دخلت المقصفَ لتجد زملائها الذين يتقاسمونَ الضحك والحديث.. 
"ألم تشتاقوا لي ..أيها المنحطون؟" هكذا قالت.. 
إنتبه الجميع لها لتبدأ قصص العناق الغير منتهية..
قالت صديقتها سوسن:" لم اعتقد أن العطلة القصيرة ستغيرك لقد ازددت جمالا"..
"عينيك  الفرعونيتين، كالمسدس الذي أفرغ في قلبي الثمل كل دخيرته" قالها حسام بحميمية.. واختلط الحديث ليصبح غير مفهومٍ وسط دوامةٍ من القهقهات الغير منتهية، فتسعة أشخاصٍ قادرين على جعل المكان 
إعصاراً من الضجيجِ.. فصوت الأستاذ المرتج في المدرج هو الوحيد الذي تمكن من فرض سيطرتهِ عليهم.. وبعد إنتهاء الحصص المسائية.. غادر جميعهم كل في طريقه الخاص.. إلا حسام ،فهو يقطن مسافة بضعِ أحياء من منزل إكرام.. تبادلا الحديث في الحافلة المكتضة للغاية. الطلبة يختنقون ويتم تدليل كبريائهم وحرياتهم في علبة حديد متآكلة تسلب ذواتهم.. أخد يحادثها وسط هذه الفوضى والضوضاء ليتناسا قليلا هذا الهول قائلا:" لم تحدثيني منذ فترة، كأنني لم أعد أعرفك" ..
" لأنني لست على ما يرام، أشعر بازدياد تعاستي،  أصبحت سلبية للغاية.." أجابته بصوت حزين.. 
قاطعها "فأنت تعلمين جيدا أن التفاؤل هو مفتاح النجاح، مفتاح لجذب الطاقة الإيجابية، لا تسلكي الطريق السوداويةَ رجاءا" .
فاجابته بعصبية:" مرت البشريةُ بعصور من الظلم والإستبداد والآلام والمعاناة.. فالإنسانية غير متجسدة فينا، لا يمكن أن نجعل من الكذب حقيقة.. قد نصل إلى قمة الإحساس والرقي، لكن جانبا خفيا فينا مليئٌ بالوحشيةِ والظلام والشر.. لقد عانت البشرية ومازالت تعاني من أبناء جِلدتها.. عاتوا في الأرض الخراب.. سكبوا فيها دماءًا وجعلوها دماراً.. لم يعترفوا بعد انهم سوى طفيليات مخربة لهذا الكوكب تماما كالنمل الأبيض الذي يخرب اكواخا وبيوتا برمتها." 
- ما بك يا إكرام! لقد أحدثت فيك العطلة تغييرا جذريا.

-لم أشعر بالراحة ،فالأطفال جعلوا من تحت نافذة غرفتي ملعبا لكرة القدم كل صباح.. وذاك "العزوا" يطاردني كلما تسنت له الفرصة، حتى كرهتُ ومقت هذا الحي ومن فيه، جرائم، صياح، عراكات، ، جهل،فقر.. وفوق كل شيء ،أنَّ عائلتي تريد أن تزوجني لشخص ما ..وأن انقطع عن دراستي نهائيًا، كل شيء يُسيطر على حياتنا أليست لنا القدرة على تغيير مصيرنا.. 
أجابها حسام بعطف:- لقد صدق العالم (إميل دوركايم) عندما قال أن الفرد عليه قوة قهرية وسلطة ضاغطة من قبل المجتمع.. 
-لن ارضخ لهم مهما تطلب الأمر..
شعرت بإرتياح كبير عندما مرت عبر العديد من الأزقة ولم يصادفها ذلك الشبح الذي زاد من تعاسةِ أيامها حلاكة، لم تكتمل الفرحةُ في حين باغتها كطيفٍ وسط زقاقٍ فارغٍ ، ارتعش بدنها بقوة وتصفد جبينُها عرقا، وبدأ قلبها ينبضُ بقوة حتى بدى صدرها أكثر ضخامة بين كل خفقة وأخرى.. 
-أتدرين ما الذي فعلته اليوم، لا أحد يجرؤ في هذا الحي على مجابهتي..
اخرج سكينا ،يتلألأ نصلهُ تحت عمود المصباح الذي يتأرجح بين الفينة والأخرى.. إنهارت الدموع بكثافة على خديها ولم تجرؤ على النبسِ ببنت شفة..
فاستغل الموقف :- إذا أردت أن تحافظي على خدك بلا نذب فما عليك إلا وان تطيعي أوامري..
سارت بجنبه وهو يمسك بذراعها ، متوجها بها إلا أحد البيوت المهجورة، فإذا بصوت صارخ يوقفهما عن الحراك..
-يا هذا ما الذي تحاول فعله؟ 
فعندما استدار ، تصفحه مليا وتأكد بأنه غريب عن حيه .. تقدم حسام في إتجاهيهما بشجاعة.. 
فأجابه العزوا بصوت رخمٍ:" أنصحك بالمغادرة يا فتى الحليب"..
لكن حسام أظهر بسالة ليس لها مثيل وأمسك بقنينتيْ نبيذٍ كانتا بجانبِ إحدى القمامات، وهشم إحداهما..
-ما دمت تجرأت علي وبالأحرى في حيي فأنت من عداد الموتى..
بدأ العراك الحادُ بين كلا الطرفين؟ يتراشقُ كل واحدٍ فيهما بما يمسكهُ.. إستغلتْ إكرام هذه الفرصةَ لتطلب الاستغاثة.. إجتمع الأهالي وأبناء الحي بسرعة بعدما داع الخبر كسرعة النار في الهشيم .. ثم حاولوا إخماد العراك بعد جهد مضنٍ إلى أن كللت تدخلاتهم بالنجاح أخيرا .. فحسام أصيب بجرحٍ غائر في ذراعه .. فحمله أحد الرجال إلى المستشفى بدراجته النارية.. وبعد فترة من الزمن وصلت دورية الشرطة.. فهرب "العزوا".. ولم يتمكنوا من القبض عليه.. فاجتاح قلب إكرام ذلك الخوف الهائل من فرضية انتقام هذا المختل منها..أخدت الشرطة المعلومات وغادروا. 

استغلت أسرتها هذا الموقف للضغط عليها في مسألة الزواج.. خرجت الكلمات الخشنة من وراء شارب أبيها الكثيف" الدراسة لن تنفعك بشيء.. وهذا الزمن أصبح محفوفا بالمخاطر.. إن لم تتزوجي ستأتين يوما ما ببطن منتفخ.. هذا هو واقع الحال" .. 

"فالزواج هو مستقبل النساء عموما، هذه هي الفرصة المناسبة لكي لا تصبحي عانسا" هكذا أكدت امها.. 
شعرت بالمرارة من هذه الكلمات الجوفاء ..أوغرورقت عيناها بالدموع وغادرت إلى غرفتها ، احكمت إقفال الباب لتكتب في مذكرتها هذه الكلمات" ينظرون إلى المرأة دائما بأنها كائن دنيوي، بأنها المفعول بها، بأنها بلا قيمة ،حتی أنَّ أغلبية النساء يعتقدنَ أن الزواجَ أسمى هدف وأرقى حلم.. لن أتزوج من هذا الشخص الذي لا أعرفه مهما تطلب الأمر".. 
اليوم الثاني، جو مشرق ،سماء صافية كالزمرد وهواء منعش ..زارت حسام في بيته لتطمأن على صحتهِ وليجيب على أسئلة عديدة..
اشترت بعض الزهور ورواية"لقيطة إستنبول لأليف شفاك".. لأنه من القراء الأوفياء لهذه الروائية .. دلفت إلى غرفته وما أن سقط بصره علی الرواية حتی لم يعد يهتم لجرحه ، ألمه ولا كمية الحرارة المنبعثة منه بقدر ما أصبح كالطفل السعيد والمشدوه.. 
"شكرا جزيلا يا صديقي.. فأنت منقذيوبطلي .. لا أعرف كيف سأرد لك الجميل" هكذا باشرت الحديث بعطف.. 
إحمر خجلا ليجيبها:" أنت صديقتي ومن واجبي أن أساعدك مهما تطلب الامر".. 
صمتا لبرهة يتأملان الحائط المزركش بلوحات العواصم العالمية ،،قطعت إكرام هذه اللحظة الرسمية قائلة :"ما الذي أتى بك إلى حيي وفي تلك اللحظة بالذات".. 
فأجابها:" لقد نسيت الكتاب عندك حين هممنا بالخروج من الحصة ،وبعد إفتراقنا بقليل تذكرتُ بأني في حاجة ماسة إلى هذا المرجع.. فتبعت خطاك.. حتى وجدتك مع ذلك..." لم يحبذ أن يتمم الحديث فصمت.
"الكتب تنقذنا من الجهل، من الضياع، من الحياة الغير العادلة،حتى من المخاطر" هكذا تمتمت إكرام ببطئٍ.. حرك حسام رأسه بإيماءةٍ تدل على الموافقة..
مر شهر على إمساك "العزوا" فشعرت إكرام بارتياح عظيم  ،فهي حرة بلا خطر.. لم تنصعْ لأوامر أبويْها إلى أن حققت حلمها بعد ثلاث سنوات.. حصلت على منحة دراسية لإتمام تعليمها في سلك الماجستير بفرنسا.. لقد أصبحت أكثر انوثة وجمالا لكن ملامحها لم تتغير.. وجه دائري،عينين بنيتين ،غمازتين رائعتين.. أنف مرسوم بدقة ،شفتين كحب الكرز .. فهي لم تتغير إطلاقا ،بل صارت أكثر نضجا..عادت بعد عشر سنوات مع إبنها ذا السنتين والنصف وكذا مع زوجها الذي يحبها بجنون بلا مقابل .لم تعد  تلك الطالبة التي عانت طوال سنين ..بل أصبحت  عالمة نفس و أستاذة جامعية مميزة.. شعرت بالحزن الشديد ، لقد رأت "العزوا" وباقي أبناء حيها تقريبا في حالة يرثى لها ..فلمعرفة الحياة يجب أولا معرفة أربع روافد مفاهيمية..العبثية،الوجودية، الفوضوية والعدمية.. وحين فهمها جيدا يجب على المرأ أن الكفاح في الفترة المتوفرة له لينعم بشعور رائع ما دام يتنفس.. 

زارت بيتها الذي أصبح فارغا ،تصالحت مع الذكريات ثم ودعته نهائيا لتبدأ حياة أكثر عطاءا وإفادة للآخرين .


0
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}