• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
الحياة والفن
الحياة والفن
Google+
عدد الزيارات
1,999
لم تكن ليلة الخامس عشر من فبراير كغيرها من الليالي المطيرة والعاصفة ففي حين كانت السماء في الليلة التي سبقتها تنزل أوزارها دون رحمة على الأرض , فان اليوم كان يبدو مشرقا منذ الصباح الباكر مما حذا بالمارة الى الخروج من أوكارهم . لكن في هذه الساعة الباكرة من المساء بدأت بوادر تغيير الطقس تظهر من جديد وكأن السماء اكتفت من استراحتها القصيرة التي اتخذتها لنفسها في صباح هذا اليوم .

وعلى الرغم من ذلك ,لم تكن الشوارع خالية تماما بيد انه كان يسيطر جوا من الكئابة على الأرجاء . كانت أغلب المحال التجارية مغلقة ومن بقي مقاوما البرد كان يضع واقيا مطريا أمام متجره مما دعا الناس الى التجمع بأعداد قليلة تحت المظلات المنتشرة على طول الطريق ,حينها بدأ شيئا من الضباب يحل محل ضوء القمر الباهت الذي رويدا رويدا سيختفي نهائيا تحت غطاء الغيوم السوداء .

في ذلك الوقت خرج من حيث لا أحد يعلم شابا في مقتبل العمر يرتدي معطفا رماديا قديما يغطي كامل جسده ويضع وشاحا حول رقبته مغطيا به نصف وجهه وقفازات سوداء بلون الوشاح , كان لباسا شتويا عاديا لكن ما يجعله غريبا هو عدم رؤية أي جزء من جسده باستثناء العينين مما يجعله أشبه برجل طين سائر بين الثلوج , كان يترنح في مشيته وكان التعب والإرهاق قد نالا منه , حين أدار وجهه المتعب الى الجهة المقابلة رأى أبواب حانة شبه فارغة يتوسطها اعلان كبير مكتوب عليه :

 ( عرض خاص جدا لهذه الليلة فقط , أي مشروب بنصف الثمن + كأس آخر مجانا !! )

كان هذا العرض وسيلة لجذب الزبائن من جهة وليصرف فائض المشروبات التي بقيت مخزنة فترة طويلة من جهة أخرى, لكنه في نهاية المطاف عرض مغرٍ لا يفوّت بالنسبة للفقراء ومحدودي الدخل , بدأ يفتش ذاك الشاب في جيوبه الداخلية ليجد بعض الفكات التي في الأحوال العادية لاتجلب له شيئا لكن اليوم تستطيع شراء كأسي شمبانيا او أي مشروب ساخن آخر !

تقدم بخطوات متثاقلة نحو الباب وألقى نظرة استكشاف سريعة نحو الحانة , كانت حانة كلاسيكية صغيرة لا شيء مميز فيها الا لوحة " ليلة النجوم " المشهورة لفان كوخ حيث كانت تتوسط الجدار خلف طاولة الشرب ,  بالإضافة الى الأضواء الباهتة التي تمنح المكان جوا حميميا . 

-    كأس شاي أخضر ساخن , قال بينما يجلس على كرسي من الكراسي المصفوفة على شكل دائرة أمام الطاولة الخشبية

نظرت اليه النادلة بريبة لثوان لكنها فضلت الرد عليه في نهاية المطاف:

-     حاضر سيدي , هل تريد المشروب الثاني الآن ؟

-       لا , سأنتظر قليلا بعد 

في أغلب الأحيان ,كان زوار الحانات يأتون للغوص في بحر الذكريات والماضي الأليم , وهو في كل الأحوال, لم يكن استثناء , ومن دون وعي منه مد يده الى جيبه ليخرج قلادة قديمة منقوش عليها بخط أنثوي ناعم اسم " ماريوس " كانت هذه القلادة هي كل ما تبقى له من والدته التي قد توفت قبل عشرة أعوام عندما كان لا يزال طفلا , فكر كم من الوقت مضى على صنعها وكم من الصعاب مرت به هذه القلادة وهي ما تزال لم تفارق صاحبها كالسماءالشاهدة على تبدل الأجيال وهي ثابتة في مكانها دون حراك . كانت تذكّره بضعفه فهو لا يخرج تلك القلادة من مكانها إلا عندما يكون بحاجة الى حظ كبير ليكتسبه منها لذلك أصبحت معه كتميمة حظ أكثر منها ذكرى من أمه , من ناحية أخرى , لم تدخر تميمته أي جهد بتوفير الحظ له , وفي هذا اليوم بالذات , تمنى انها لم تفقد قدرتها السحرية على تحقيق المعجزات .

كان ماريوس كاتبا معدما يكتب النصوص القصيرة مستخدما تلك الأفكار التي تختلج في عقله والتي لا تفارقه حتى يتخذ لها شكلا بين أوراقه , أمضى طفولته في بيئة بعيدة عن الفن والكتابة لكنه في داخله كان يشعر انه لا ينتمي الى ذاك الحي الذي نشأ فيه , كانت المواضيع السائدة في ذاك المكان هي القتل والسياسة والرياضة في أحسن الأحوال. في طفولته الأولى لم يكن لديه لا عائلة ولا حتى أصدقاء: لم يتعرف الى أبيه , وأمه لسوء حظه , توفت في بداية مراهقته اما بالنسبة للأصدقاء فكان يكره أن يلتقي بأطفال في مثل سنه لأنه وببساطة لا يشاركهم أدنى فكرة من أفكارهم التي كانت تتمحور كلها في نطاق واحد , ترى كل كانوا نسخا ؟عاش خمسة عشرة سنة في ذلك الحي والإجابة التي خرج بها انهم كانوا جميعا شخصا واحدا قرر الاله لسبب ما ان ينشئ منهم نسخا مختلفة ! . الآن وفي هذا المكان لم تتسع دائرة علاقاته التي بقيت محدودة الى هذا اليوم . لذلك أصبح يفكر هل البشر من حوله أخيار وهو الشرير أم العالم شرير وهو استثناء ؟!

عندما قدمت له النادلة كأس الشاي ظهرت خلفها لوحة " ليلة النجوم " تلك اللوحة التي تذكره بآلامه وأحلامه في آن , كان يحب الفن بشكل عام والرسم بشكل خاص لأنه نادرا ما يتشارك رأيان في لوحة واحدة فغالبا الرسوم كانت تًرى وتًعرف بالنسبة للمتأمل حسب منظوره ورأيه الخاص وماذا تلامس هذه اللوحة في روحه , فاللوحات بشكل عام لا تكون فكرتها حكرا على الرسام وعندما نعجب بلوحة ما , في أغلب الأحيان , تعجبنا فكرة خلقها عقلنا من نتاج أوهامنا , وليس شرطا أن نفهم ماذا أراد الرسام من رسمها .

 بصوت هادئ بدأت الحان موسيقية تصدح في المكان لتخرجه من دوامة أفكاره المتعلقة بالرسم ولينتقل بأفكاره الى عالم الموسيقى , تعرف الى المقطوعة مباشرة حين سمعها , السيمفونية التاسعة لبيتهوفن تلك المقطوعة التي لطالما سحرته فهي بالنسبة له بوابته لعالم الموسيقى الكلاسيكية وكما نعرف جميعا فان السبب الرئيسي لجعلنا نتعرف الى عالم آخر سوف يبقى خالدا بخلودنا ولن يموت اذا متنا ,فذلك الشخص الذي كان يوما سبب دخولنا الى عالم الحب سوف يبقى اسمه رنانا حتى لوعشنا مئة سنة ولتهطل علينا كل الذكريات التي ترافقت بتلك الحقبة , وتلك اللوحة التي أدخلتنا الى عالم الفن سوف تبقى نظرتنا لها ثابتة وإعجابنا وانبهارنا فيها لن يتغير وسوف يبقى شعورنا حكرا لها لو نظرنا الى آلاف اللوحات الأكثر منها جمالا ,الكتاب الأول مهما كان اختيارنا له سيئا فلن ننسى فضله بإفساح لنا المجال لنتعرف الى تلك الكتب الاخرى التي نعيش اليوم بفضل تعاليمها وقصصها .

الرجوع كثيرا الى الوراء يستنزف طاقة الانسان فالذكريات مرض وماريوس بدأ يستشعر أعراضه . حاول الخروج من دوامة الماضي فأخرج علبة السجائر ليشعل واحدة حين لاحظ ان الكراسي المحيطة بطاولة الشرب ما زالت خالية منذ دخوله , سأل نفسه هل السبب في ذلك يعود الى تأخر الوقت وبرودة الطقس ؟

لم يُترك له المجال للتساؤل كثيرا حين رأى الطاولات خلفه قد امتلأت بعدما كانت شبه فارغة لكن ما لفت انتباهه أكثر هي تلك النظرات المفعمة بالريبة والازدراء التي يوجهها الجالسين له , لم تفاجئه النظرات بحد ذاتها لأنه قد اعتاد عليها منذ الصغر , لكن الغريب بالأمرانها لا زالت تلاحقه حتى في هذا المكان الصغير , ربما ما يرتديه هو السبب , فلباسه كان مخيفا وينذر بالخطر والطريف بالأمر انه هو نفسه كان يحب ان يخلق حاجزا بينه وبين الناس وكان شكله الخارجي اولى الخطى في سبيل تحقيق ذلك . أما بالنسبة للنظرات , فقد قرأ يوما في رواية ما " دائما ما تكون هناك لحظة يتعب فيها الخصم من الضرب " 1

محاولا تذكر اسم الرواية التي اقتبس منها للتو , أعاد نظره الى النادلة ليطلب منها المشروب الثاني وليسقط نظره مباشرة نحو رواية " الجريمة والعقاب " لفيودور دوستويفسكي حيث كانت الرواية تغطي وجه النادلة خلف صفحاتها تاركة عنوانها يرفرف امام أعين ماريوس .

ذاك المزيج: فان كوخ, بيتهوفن , دوستويفسكي , الثلج , والوحدة !

أي كائن لا يحلم بمثله ؟ بالنسبة لماريوس كان هذا المشهد مجرد حلم دفنه في قلبه ظن انه لن يتحقق ,كان كصورة قديمة اعتلاها الغبار فلم تعد تظهر الوجوه داخلها .. لم يكن يتوقع ان حلمه سوف يتحقق في حانة رخيصة على قاطعة الطريق في ليلة كان ذاهب فيها الى المقصلة بقدميه , ترى هل الحياة تستبقيه ؟ أم هو تأثير السحر في القلادة ؟ لم يكن يعلم ولن يعلم قط , ففي لحظات تحقيق الأحلام تأخذ روحنا قوة الهية تطوف بها السماوات والأرض بحيث تصبح ردات فعلنا غير مسؤولة ولاحقا سوف ننسى ما قمنا به في تلك اللحظات ..

أغلق عينيه وترك نفسه تستمتع باللحظات الاخيرة قبل عودة الروح من طوفانها , هل كان حلما زائفا او حتى سخيفا ؟ لا , يستطيع المرء ان يفتح هاتفه المحمول على مقطوعة لبيتهوفن متأملا لوحة فان كوخ و واضعا الرواية أمامه لكنه لن يشعر قط بما شعر به ماريوس في تلك اللحظة,, فكل الترتيبات اخذت مظهرا شكليا بينما الجوهر الذي انعش قلب ماريوس هو ان الحياة هي التي رتبت كل شيء من دون سابق تدبير منه , كان أشبه بحلم حلمناه في الطفولة ولم يتحقق إلا في سن الأربعين من دون ان نسعى لتحقيقه .

في لحظة واحدة , أفاق ماريوس من غيبوبته القصيرة وفكر بلعب لعبة صغيرة , فها هو يتذكر من جديد مقولة اخرى " فكر واحد يجيئك في سكينة الليل يسير بك الى المجد او الى الجنون " 2 أراد ان يتحدث مع الفتاة التي من خلالها اكتمل المشهد .. فهو ان نجح في ذلك سوف تتغير حياته وربما يقترب من المجد , من يدري ؟ بينما لو اخفق فهو لن يجن , لان المجنون لا يجن مرتين ! فهو اذا لن يخسر شيئا ...

في البداية أبعد وشاحه عن وجهه وانتزع القفازات ثم فتح الأزرار الأمامية من المعطف وبحركة يد واحدة صفف شعره على نحو ملائم .. وخلال دقائق بدا شخصا آخر , ان الدقائق المحدودة كفيلة بتغيير مصير الانسان وذلك رهنا بما سوف تحتويه اللحظات السابقة لها .

ربما اكتشف ماريوس ان الذي كان يجمّل الوحدة في نفسه هو نفسه ذاتها ! من يعش في الظلام غير مدرك وجود النور , يقنع نفسه بحب الظلمة لأنه لا يملك خيارا آخر وما ان يكتشف الضوء , يخرج من عتمته ويغلق الباب وراءه وهذا ما قرر ماريوس ان يفعله اليوم مهما كانت اجابة تلك الفتاة القارئة الجالسة امامه مباشرة .

" تتغير الأشياء أمام اعيننا بتغير عواطفنا , وهكذا نتوهم الأشياء متشحة بالسحر والجمال عندما لا يكون السحر والجمال الا في نفوسنا " 3

تردد قليلا لأنه لم يكن يريد ان يكون مريبا مثيرا للشفقة لكنه في النهاية استسلم لموجة السحر الجديدة التي كان يصدرها بيتهوفن الجالس خلفه وللنظرات الحادة التي يسددها له فان كوخ المختفي خلف لوحته :

-       الجريمة والعقاب ! انها البوابة التي أدخلتني الى القصر , هل تعاطفتِ مع راسكولنيكوف ؟

خرجت الفتاة النادلة ببطء من عالم الرواية لتهبط روحها في عالم الواقع , أدارت وجهها من خلف روايتها نحو ماريوس بعينين مشرقتين لم يعرف أكثر منهما اشراقا , ووجنتين حمراوتين لم يرَ أكثر منهما احمرارا , كان شعورهم المتبادل في تلك اللحظة كمن وجد قشة في كومة للإبر !

بصوت ناعم تختفي القوة في نبراته خلف الاندهاش , قالت:

-       راسكولنيكوف ؟! نعم بالطبع اظنه كان مظلوما , لو كنت في مثل حالته لفعلت ما فعله ..

أخذهما الحديث تحت ضوء القمر جالسين تحت أنظار فان كوخ الحارسة التي كانت تنظر نحو ماريوس بفخر ..

أدرك في تلك المحادثة التي طالت الى لا نهاية انه باستطاعة الحياة مهما كانت قاسية ان تمنحنا لحظات قليلة تنسينا بفرحها جميع احزاننا التي عشناها في أكثر مخططات القدر حلكة ..

في تلك اللحظة أدرك ماريوس أيضا أن الجريمة والعقاب كانت فعلا البوابة التي أدخلته الى القصر ..


الاقتباسات:

1 - غيوم ميسو - لأنني أحبك 

2 - جبران خليل جبران 

3 - جبران خليل جبران


0
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}