• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
لحدٌ عَطِش
لحدٌ عَطِش
أرسلت الشمس خيوطها الدافئة على المقبرة التي كانت تعج بالناس ، إنها ليلةُ العيد ، الكل حاضرٌ لزيارة قريبٍ له أو حبيب إلا قبر الغريب كان فارغاً ، لا أزهار عليه و لا نبات ، تطوعت البلدية ببنائه ؛ لئلا يزعج أرواح الموتى ، و نظرات الأحياء .

أوصى أن يُكتَب على قبره : لم يحبه أحد ، مات وحيداً .

انتهت مراسم دفن الغريب الوحيد ، وجدوه ميتاً على فراشه ممدداً ، تحملق عيناه بالسقف بنظراتٍ فارغة و كأنها تنتظر أحداً أو شيئاً ما ، بعد أن سمع الجار صوت زجاجٍ يتكسر بالبيت و أشياء تُلقى بعنف دونما هوادة ، دق الجرس و لم يُجِبه أحد ، أحسَّ أن هناك خطباً ما ، لربما هو لصٌ تسلط على الغريب الوحيد ، كسر الباب بمعاونة جيرانٍ آخرين ، كانت الأرض مليئةً بالزجاج ، معركةُ قططٍ إذن ، و لكن أين هذا الرجل من هذا كله ؟! ، هو لا يخرج سوى للعمل في الثامنة و يعود في الثانية ظهراً ، أو لاستلام الراتب أو لقضاء بعض الأمور الروتينية .

لمحه أحد الشبان الذين دخلوا بدافع الفضول ، كان ميتاً ، و غريباً ، و وحيداً ، و ذو نظراتٍ فارغة .

: مات و أعينه تنظر خلفه ، قال أحد الجيران .

: لربما انتظر أحداً و لم يحضر .

: لا ، لا أظن ، كان وحيداً و ...

أرسلت الشمس خيوطها الدافئة على المقبرة التي كانت تعج بالناس ، إنها ليلةُ العيد ، الكل حاضرٌ لزيارة قريبٍ له أو حبيب إلا قبر الغريب كان فارغاً ، لا أزهار عليه و لا نبات ، تطوعت البلدية ببنائه ؛ لئلا يزعج أرواح الموتى ، و نظرات الأحياء .

و هنا قفز طفلٌ على القبر و جلس عليه ، نهره والده و تلت أمه المعوذات ، و السور المحصنات ، و استغفرت الله و سبحت .

: لماذا لا يزوره أحد ؟ ، سأل الطفل .

: ربما انشغلت عائلته يا صغيري ، أو لربما أتت مبكرة و غادرت .

: لا ، لا هذا القبر لا يزوره أحد ، تقول أحد النسوة ، زوجي يعمل حارساً للمقبرة ، و أخبرني يوم وضعت البلدية حجرة لقبره ، انظروا ماذا كُتب عليها : لا يحبه أحد .

: لربما كان رجلاً سيئاً ، أخلاقه فاحشة .

: ربما كان قاتلاً ، فنبذه الناس .

: من المحتمل أنه ارتكب جرماً شنيعاً ، يرفضه الدين و المجتمع .

: آه ، هل كان ملحداً أو كافراً أو مرتداً ، فابتعد عنه الناس .

أعتقد أنه عاقٌ لوالديه ، لاحقته لعنة و طرد من الحياة الآدمية .

: أجزم أن لعنة مظلوم أصابته فمات هذه الموت السوء .

: كان رجلاً غريباً عن البلدة ، أعتقد أنه خائن للوطن ، تبرأت عائلته و بلدته منه ، فلجأ لبلدتنا .

: ما أعرفه أنه كان محاسباً في إحدى الشركات.

: وجدتها كان مرتشياً و ربوياً ، لاحقه سخط الله ، قبحه الله في الدنيا و الآخرة .

و في وسط هذه الفوضى و المعمعة ، انبرى كهلٌ حسن الوجه ، طويل القامة ، يظهر عليه أثر النعمة و الرفاهية .

: كان أخي .

حملقت العيون ببلاهة ، و كادت تبتلعه ، و قبل أن تهطل الأسئلة السخيفة و الفارغة على رأسه ، أردف : أحبه الجميع ، صغيرهم و كبيرهم ، حتى الحيوانات و النباتات ألفت روحه الرقيقة الشفافة ، لكن أمه لم تبصره قط ، و لم تظهر له الرعاية و الاهتمام ، فجعل حب الأب و العائلة و الناس يذهب أدراج الرياح ، كان مرحاً ، حزيناً ، طيباً مكسور النفس ، يحث خطاه بالطرقات ، غير عابئٍ بالدنيا و من فيها ، مات شاباً صغيراً ، حلم بعائلة دافئة فقط ، هكذا كان أخي .

عندما رفع وجهه ، رأى الدموع في عيون النساء ، و الأسى و الأسف بادياً على وجوه الرجال .

انحنت امرأة عجوز و أزالت الأوراق المتساقطة و الحجارة عن قبره ، مشطت بأظافرها التراب ، و أشيب آخر زرع الزهور التي أحضرها لفقيده على قبر الغريب ، و آخر سقى القبر بدلو ماءٍ أحضره من الساقية القابعة في أقصى المقبرة.

: لماذا لم تزره من قبل ؟ ، يقول أحدهم .

: عندما علمنا بموته ، طلبت مني أمي البحث عنه و عن قبره ؛ كي تزوره .

هنا تسربت المياه داخل القبر ، فسقطت على وجه صاحبنا ، و مالت أشعة الشمس نحوه ، و كأنها إضاءة مسرحٍ سُلِطت على شخصٍ منسي ، فتبسم للجمهور .

بعد أيامٍ رُفع الحجر ، و وضع آخر مكانه ، كُتِب عليه :

" كان عزيز أمه ، أحبته فأحبوه ، و من دعائكم لا تنسوه " .


18
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}