• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
الغضب يولِّد الانفجار ... قراءة فى رواية " يزن .. حجر القمر " لـ ابتهال الشايب"
الغضب يولِّد الانفجار ... قراءة فى رواية " يزن .. حجر القمر " لـ ابتهال الشايب"
Google+
عدد الزيارات
188

كمْ من أحياء لكنهم موتى بفعل القهر وفُقدان الأمل وظلال الحرية ورائحة الياسمين ( الآن وفى مكان غير محدد ، هناك موتى فاقدو النطق والذاكرة معبأون فقط بلحظاتهم الأخيرة قبل الموت يسيرون فى تيه وصمت ) ذلك ماتوَّد طرحه رواية " يزن .. حجر القمر " للكاتبة ابتهال الشايب الصادرة عن دار النسيم للنشر والتوزيع ، والموت الذى تطرحه الكاتبة هنا معنوى لكنه أقوى من الموت الحقيقى فلسفياً .

      يحاول يزن بعد أن وطأت قدماه هذه الأرض أن يبعث الأمل فى نفوس ساكنيها ويستنهض قواهم الكامنة ، يبث أفكاراً جديدة وعملية فى واقعهم المظلم ، حمل على عاتقيْه تغيير العالم الغارق فى الصمت والرتابة والظلام ، معظم الشخوص بأرض الموتى تشعر بالانكسار والقهر باستثناء الأطفال الذين يملأون الأرض حركة تبث الفرحة فى نفوس الموتى .


مهارة الكاتبة وامتلاكها ناصية السرد تخلق حالة من الانسجام بين كل من : الشخوص ، الفضاء المكان ، الأحداث المحيطة بهم ، كما أن إصرارها على استخدام الضمير الأوحد للراوى العليم تجعله مساهماً فى الأحداث بقدرته على استيعاب هذا العالم بكل تفاصيله وحدوده ، ويعتبر " تودوروف " الكاتب البلغارى هذا الراوى بأنه عارف أكثر مما تعرفه الشخصية الحكائية وإنه يستطيع أن يصل لكل المشاهد عبر جدران المنازل ، كما أنه يدرك رغبات الأبطال الخفيَّة تلك التى ليس لهم بها وعى ( رفع يزن بصره إلى السماء عند ظهور القمر والنجوم ، وكأنها تحاول أن تجذبه إليها بنورها ، والسحاب خجول ، يسرع فى خطاه حين يزداد نسيم الهواء ، لكن يزن طالع فقط القمر بدقة ) الرواية لاتعتمد على حدوتة تقليدية إنما قصص ومشاهد ومواقف لشخوص يقفون مابين الحياة والموت ، هذه المشاهد هى صرخة فى وجه القهر والظلم الاستبداد والفقر والاغتصاب ، كل شخصية لها ملابسات خاصة بها كونها ضحية من ضحايا المجتمع ، " إيما " فتاة جميلة ضحية الاغتصاب ( رأت الموت حين سحقها الاغتصاب ، فقدت الذاكرة والنطق وظلت واقعة الاغتصاب هى الذكرى الوحيدة المعلقة فى فكرها ) ، طفل الشوارع " وسام " ضحية الفقر والجوع والضياع على أرصفة الطرق ( وحين بحث كثيراً عن الطعام وسط أركان الطرق لم يجد شيئاً فالتقى جوعه بالموت ) الشاب " فهد " الذى جاء إلى هذه الأرض شبه فاقد الوعى بسبب الغارات التى أفقدته بيته ، إنه ضحية الحروب الغبية والغارات العمياء التى تعمُّ العالم ( بعدما وجد منزله قد هُدم بفعل الغارات على قريته انضم إلى الموت ونسى كل شىء ) ، " فهد " وحبيبته " بتول " كانا يعدان لزواجهما وراحا ضحية الإهمال وحوادث الطرق التى لاتنقطع وقُتلت أحلامهما فى لحظة سريعة ( ماتا معاً وأتيا إلى هنا معاً ووجه نزار كان آخر شىء رأته بتول حين طارت وسقطت من الدراجة البخارية ، وظلت " بتول " تبحث عن " نزار " الذى يُقال أنه عاد للحياة مرة أخرى ، أما " زياد " صاحب اللحية الطويلة والشعر الأبيض الذى راح ضحية الاحتلال والاستبداد ومعه ابنه الذى لم يره منذ دخل سجون الاحتلال وتنتابه شكوك بأن يزن هو ابنه ( بل يعرف فقط أن هناك جزءاً منه ، إنساناً من دمه ولحمه اختفى عندما كان زياد حياً ولايعرف الآن أين هو ، أدرك أنه ربما يكون يزن هو ابنه ) ، " سامو " ضحية التعذيب فى المعتقلات ، لقد كبَّلوا قدميه ومعصميه بالسلاسل حتى أفقدوه النطق ، جسده مرصَّع بالإصابات ( هذه آثار السلاسل الحديدية التى ربطها لى أحدهم كى لا أقاوم التعذيب ) حتى الحب له ضحاياه ، وهاهو " سيف " يتجرع مرارة فقد حبيبته ومازال يرسم صورتها على التراب ، الانكسار يسكن قلبه والحزن يتجلى فى عينيه (جلس سيف على الأرض ، رسم من جديد صورة الفتاة على التراب وردد فى نفسه " حب " مشيراً للصورة أمام فهد ) هناك أيضا شخوص كُثر ضحايا القذائف والقنابل والحروب والصراعات الثأرية والثورات التى تهبُّ فى وجه الطغيان والظلم ، هؤلاء الثوار صدورهم مغطاة برصاصات الغدر ( أتى موتى جدد صدورهم مغطاة بالرصاص والدم ) أما يزن الشخصية المحورية فى الرواية فهو ضحية كل هذه الظروف التى سقناها ، لكنه مازال يمثل ضوء القمر الذى ينير بضيائه الطريق أمام هؤلاء الضحايا كى ينهضوا من جديد ويأملون فى وطن جميل ، لابد من كسر الحاجز الزجاجى الذى يمثل حاجز الخوف من وجهة نظر الكاتبة ( وهو يدرك : قريبا سأعود .. لايفصلنا عن الحياة الحقيقية سوى جدار زجاجى ) والولوج إلى عالم جميل يسوده العدل والحب والأمان والرخاء. 


.رائحة الياسمين العطرة يستنشقها " يزن " ليشعر بالأمان والسكينة والصفاء ، إنها رائحة الحرية التى تنقذ الأوطان ( كانت رائحته ذكية جعلت يزن يشعر بالأمان والسكينة والصفاء ، يقربها من أنفه ويحيا ، يستنشقها ويحلق ليصل إلى وطنه ) حتى التجاويف التى يسكنها هؤلاء الموتى / الأحياء ماهى إلا شرانق تلف خيوطها رقابهم حتى وإن فلتت لبعض الوقت لكن سرعان ما تعود وتطبق عليها مرة أخرى ، الأكفان تُبلى وتصبح الأجساد عارية ، الوحيد الذى بدَّل كفنه بآخر هو " يزن " ، صنعه من ورق الأشجار الأخضر فى إشارة للأمل الجديد فى تغيير هذا العالم للأفضل وخاصة انه أصبح يمتلك لغة جديدة ( بالتأكيد هى لغة جديدة اخترعها يزن لكى تساعد على التواصل ) ، الانفجار الذى حدث وهو يشبه الغضب الكامن فى النفوس ما هو إلا دليل على أن شرارة الثورات يشعلها الغضب ( وشعرت أن الغضب له صوت انفجار مدوٍّ رهيب وشنيع والوحش الآن غاضب ، الغضب مفيد ) دائما ما يولِّد الغضب الانفجار ، الوحيد الذى التقط حجر القمر لحظة الانفجار هو يزن ، وظل ممسكاً به لأنه يمثل شعاع الأمل له ولأرض الموتى ( تفحصه ثم أدرك لطالما أضاء القمر ظلام هذه الأرض .. حيث لاضوء فى الظلام سواه ) .

    ابتهال الشايب كاتبة تكتب بوعى وجرأة وغضب ، نتمنى أن تستمر على هذا الطريق الذى بدأته وتبتعد عن التكرار الذى لاحظته أثناء قراءتى للعمل وخاصة أنها تمتلك لغة رصينة ذات فضاء واسع وخصب توظفها بسهولة ولا تقبل للفصحى بديلا ، لم ألحظ مفردة عامية خلال القراءة وهذا يدل على احتفائها الشديد بالفصحى حتى الجمل الحوارية تضمِّنها داخل السرد بحرفية شديدة مستخدمة الفصحى أيضاً طوال الرواية التى جاءت فى اثنين وثلاثين مقطعاً ، استخدامها للفعل الماضى كثيرا يحيلنا مباشرة لرأى الناقد الفرنسى " رولان بارت " حيث يقول : " يختفى خلف الفعل الماضي البسيط صانع هو السارد حتى لا يكون عالم الرواية بلا تفسير وعندما يسرد تكون كل أحداثه ظرفية ويكون هذا الماضي هو العلامة الإجرائية التي يستدرج السارد بواسطتها الحقيقة المتشعبة ويجعلها فعلا صافيا بلا كثافة ولا حجم ولا سعة ."



وختاماً : نعم كما ذكرت الكاتبة فى مستهل روايتها " وحين تتقبل الأمر ، وتعاشر الظلام ، وقبلتك الحارة طازجة على شفتيه ، سيتغير الكون من حولك " ومانزال نحلم معك أملا فى هذا التغيير من حولنا يا ابتهال .

أحمد الليثي الشروني


7
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}