• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
البطيخة والمانجا
البطيخة والمانجا
Google+
عدد الزيارات
175
من الحكاياتِ التي تداولتها الشعوبُ، أعيد صياغتها مع إختلافٍ في السّردِ والأسلوب، حكايةٌ تُروى عن رجلٍ اسمهُ عِنادٌ، اشتهر بين قومهِ بكثرةِ الانتقادِ وسُوءِ الاعتقادِ، لم يسلمْ من لِسانهِ لا الطيرُ ولا الحيوانُ، ولا الإنسُ ولا الجانُّ، فملَّ الناسُ من انْتِقادِهِ ونَفَرُوا منهُ لِسُوءِ اعْتقادِهِ.

فأغْروا به الصبيانَ فطاردُوه، وبالحصى رجَمُوهُ، وإلى مَشَارِفِ القريةِ أخْرَجُوهُ. ووجدَعِنَادٌ نَفْسَهُ خارجَ القريةِ ذليلا وحيدا، منبوذا طريدا...

وبينما هو في حيرة وذهول، سمع صوتا ينادي ويقول: ياهذا... أنت يا هذا...

فانتصب عناد واقفا يرتجف، وأدار رأسه إلى الخلف، وإذا بهأمام شيخ كبير، بعصاه إليه يشير، فأجابه عناد: نعم... نعم... أيها الشيخ الجليل...

قال الشيخ: إلىأين أنت ذاهب يا رجل؟

قال عناد وقد فوجئبسؤال الشيخ: ذاهب؟ ذاهب؟! لست أدري يا سيدي!

فقال الشيخالوقور وقد أشعّ من وجهه النّور: عجبا لك أيها الرجل، كيف لا تدري، ومن يدري إذًا؟!

قالعناد وقد زاد ارتباكه: إلى المدينة يا سيدي...

قال الشيخ وقدأضاءت وجهه ابتسامة عريضة: سوف نترافق إذًا لِنُهوّن على بعضنا مصاعب الطريق، فمارأيك؟

وجـــد عناد فيعرض الشيخ خلاصا من وحدته، وحلاّ لأزمته، وأمعن النظر في الشيخ الواقف أمامه، وكانمعمم الرأس، كَثَّ اللِّحْيَةِ أبْيَضَهَا تَدُلُّ هَيْئَتُهُ على التّقوىوالصَّلاحِ، فَأحسَّ عِنَادٌ بالطُّمَأنينةِ والارتياحِ.

قال الشيخوالابتسامة لم تفارق شفتيه: هيا يا رجل ولا تحملق فيّ هكذا فالطريق أمامنا طويل...

كان اليومُ حارا، وترابُ الأرضِ نارا، وكانت الشمسُساطعةً وأشِعَّتُها حارقةً، فوقف الشيخُ والعرقُ يَتًصبَّبُ من جبينهِ، ونظـر عنشماله وعن يمينه، ثم أشار بِعَصَاهُ وهو يقولُ: لَيْسَ لنا من هذا الجحيمِ مَنْجَىسِوَى ظِلِّ تِلكَ الشجرةِ... شَجَرَةُ المَنْجَا...

كانتالشجرةُ كبيرةً وارِفَةَ الظلالِ، انْتصبتْ شامخةً فوقَ تَلَّةٍ من التِّلالِ،فجلس الرجلان في ظلها وقد أنْهَكَهُمَا العطشُ والتّعبُ، ونظرا حَوْلِهِمَا وإذابهما على مشارفِ مزرعةِ بَطِّيخٍ مُتراميةَ الأطرافِ وقد أيْنَعَتْ ثِمارُها وحانقِطافُها، فسال لُعابُ عِنادٍ وازْدادَ جُوعُهُ وعطشُهُ، فانْتَصَبَ واقفا وهويقولُ للشّيخِ: ما رأيكَ بشَيْءٍ من البَطِّيخِ أيُّها الشَّيخُ؟ نُسْكِتُ بهِالجُوعَ ونَرْوي بهِ الضُّلُوعَ؟

قال الشَّيخُ: مَعاذَ اللهِ...أنا لا آكلُ الحرامَ،ولكنْ خُذْ هذه النُّقُودَ وأْتِنَا بِبَطِّيخَتَيْنِ وشَيْءٍ من الطّعامِ.

توجه عناد نحوالكوخ الذي كان يتوسّط المزرعة، وبعد فترة من الزمن عاد حاملا من البَطِّيخِبَطِّيخَتَيْنِ ومن الخُبزِ قُرْصَيْنِ، فأكلا حتّى شَبِعَا وذهبَ ظَمَؤُهُمَاوارْتَوَتْ عُرُوقُهُمَا، فحمد الشَّيْخُ اللهَ وأثنى عليهِ، رافعا إلى السماءِيَديْهِ، وبدلا من الحمدِ والثّناءِ تَجَشَّأَ عِنَادٌ ثُمَّ اضْطَجَعَ، وكاديَخْتَنِقُ من شِدًّةِ الشَّبَعِ، ثُمَّ جَالَ بنَظرهِ في الشجرةِ الكبيرةِوتعجَّبَ من ثِمارِ المَانْجَا الصّغيرةِ، فَلَمْ يُعْجِبَهُ الحالُ وجالَ بهِالخَيَالُ، فاعْتَدَلَ جالسا ثُمَّ قال: بِرَبِّك أيُّها الشَّيْخُ أخْبِرْني،كَيْفَ يُعْقَلُ أن تَحْمِلَ هذه الشجرةُ العملاقةُ ثمارا صغيرةً، بينما تَحْمِلُنَبْتَةُ البَطِّيخِ ثمارا كبيرةً بذلكَ الحَجْمِ؟! أليْسَ منالمَنْطقِ أن يكُونَ العَكْسُ هُوَ الأسْلَمُ؟ ولم يَكَدْ يُنْهِي كَلامَهُ حتَّىصاحَ من الألمِ، وقعتْ حَبَّةُ المَانْجَا على رأسِهِ فَسَبَّبَتْ لهُ وَرَمٌ.

فبَادَرَهُالشَّيْخُ قائلا: هذا هو الجوابُ وهذا فصلُ الخطابِ، لَوْ كانتِ البَطِّيخَةُمَكَانَ حَبَّةِ المَانْجَا لأوْدَتْ بحياتكَ، فاسْتَغْفِرِ الله وَتُبْ إليه قبلمماتكَ، وأصْلِحْ عَقِيدَتَكَ، وطَهِّرْ سَرِيرَتَكَ، وأحْسِنِ الظنَّ بخالقِكَ..

قال عِنادٌ وهويَتَحسَّسُ رأْسَهُ: زِدْنِي أيُّها الشَّيْخُ الجليلُ، فكَلامُكَ يشْفي الغَليلُ،وأريدُ أن أتَزَوَّدَ من نُصْحِكَ قبْلَ الرَّحِيلِ...

قال الشَّيْخُ : يا بُنَيَّخُذْ مِنِّي زُبْدَةَ الكلامِ، إذا أرَدْتَ أن تَعيشَ بسلامٍ وتُحْظَى بين النّاسِبالتقديرِ والإحترامِ، فعليك ألاَّ تَتَدَخَّلَ في ما لا يَعْنيكَ حتَّى لا تَجِدَما لا يُرْضيكَ، وأنْ تُحْسِنَ الظّنَّ بالجَميعِ، وأن تَبْتَعِدَ عن كلِّ فِعْلٍوَضيعٍ، وأن تَنْظُرَ إلى الأشياءِ بِعَيْنِ الرِّضا، لأن السُّخْطَ يا وَلدي،يَجْلِبُ لِصَاحِبِهِ الهَمَّ والشَّقَاءَ، وعَلَيْكَ أن تَبْنِي ولا تَهْدِمْ،وأن تقولَ خيرا عندما تَتَكَلَّمُ، وعَلَيْكَ باتِّبَاعِ سُنَّةِ سَيِّدِ الأنَامِرَسُولُنا الحبيبُ مُحمَّدٍ عليهِ أفْضَلُ الصلاةِ وأزْكى السَّلامِّ، وأن تُضِيءَشَمْعَةً خَيْرٌ لك من لَعْنِ الظّلامِ.

 

 

 


5
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}