• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
البكاءُ المر
البكاءُ المر
توجهت نحو غرفتي لا ألوي على شيء ، كل شيء مبعثر كما في ذاك اليوم العصيب ، كتبي متناثرة على الأرض ، بقع من الدم المتصلبة على الأرضية ، شعيراتٌ سوداء ...

عصام الوحش ، هذا كان لقبي في المدرسة الجديدة ، التي أصبحت أرتادها بعد وفاة والدي ، انتقلت للعيش بكنف أمي و عائلتها ، تطلق والداي عندما كنت في العاشرة من عمري ، أي قبل سنتين من اليوم ، في كل يوم شجارٌ و ضرب و عنف ، كان أبي يضرب أمي حين يغضب ، يتشاجر في العمل و يعود كي يفرغ حنقه بي و بأمي ، أمي التي أحبته حين كانا معاً في الجامعة ، تزوجته رغم رفض عائلتها التي قاطعتها و هجرتها ، و لكنها ظنت الحب يكفي ، كان ينتظر خطأً بسيطاً ، كسقوط كأس من يديها المرتجفتين أو جلوسي على التلفاز الصامت الذي لا أكاد أسمع منه شيئاً ، فيأخذ حزام بنطاله و يبدأ بجلدنا حتى يقعى و ينطفأ عضبه ، إلى أن جاء ذاك اليوم الذي كان طاقة فرجٍ لأمي ، أما بالنسبة لي فكان بداية أيامي السوداء .

عاد أبي من العمل مبكراً على إثر إتصال أجرته المدرسة معه فتطلب الأمر حضوره ، كنت قد تشاجرت مع ابن أحد المعلمين و أبرحته ضرباً ؛ لأنه شتم أمي ، انفجرت غضباً ، ألا يكفي أبي و سوطه حتى تتطاول أنت على أمي ! ، و أخذت أضربه بلا وعي إلا أن فرقنا المعلمون عن بعضنا ، لقد أدميت وجهه ، توعدني أبي أمام المدير و عائلة الولد الآخر ، و أنا لا أبالي ، بل كنت غارقاً بتفكيري ، و هكذا إلى أن أُوِصدت أبواب البيت خلفنا ، و بدأ التعذيب و التنكيل بي ، ظننتها و أمي جولةً عادية قصيرة ، ثلاث دقائق أو خمسة على الاكثر ، و لكن الضرب يتزايد و الصفعات تأخذني يميناً و يساراً ، و أنا سابح في الفضاء ، إلى أن غادرتني المرئيات ، حين استيقظت وجدتني في المشفى ، وجه خالتي يحملق بي ، سألتها عن أمي ، أخبرتني أنها هنا ، ستكون بجانبي ، بقيت أياماً في المشفى ، و لكن أمي غير موجودة ، بعد إلحاحٍ شديدٍ مني صحبوني إليها ، كانت ممدة على السرير يدها اليسرى ملفوفةً بالبياض ، لقد كسرها ذاك الرجل ، جدي كان يتوعد و يحلف أيماناً مغلظة بأنها لن تعود لذاك البيت ، سكت جدي حين وقعت عينا أمي علي ، ضمتني لصدرها و أخذت تقبلني و تشمني ، ثم سألتني عن سبب فعلتي ، أخبرتها أني لم أحتمل أن يشتمها شخص آخر ، و لكن هل ستعودين له ؟ ، نظرت في وجهي و قالت : كل شيءٍ سيكون على ما يرام ، جلست معها في بيت جدي معززاً مكرماً ، أشاهد التلفاز الناطق ، ألعب بالكرة ، أركض و أقفز دون أن يصرخ علي أحد ، و لكن أيام الراحة و الدعة انتهت ، أقرت المحكمة طلاق أمي و حضانتي لأبي ، ودعتني أمي و الدموع في عينيها ، ابتسمت لها ابتسامةً مطمئِنة أما بداخلي فكان يرتعد خوفاً ، يتهدم كل شيءٍ فوق بعضه ، و لكني تجلدت رأفة بها ، آه كم أنا طفل ناضج و شقي ، و لكن لا بأس ، أخبرني جدي أنه سيقدم اعتراضاً على هذا القرار المجحف علهم يستردونني ، كان أبي ينتظر على ناصية الشارع ، حين رآني احتضنني و فرت دمعة من عينيه أبت إلا الانحدار ، شيء بقلبي اختلج ، هل رق قلبي له بعدما فرقني عن أمي ، أمي التي نالها منه صنوف العذاب ، ترجلنا السيارة مبتعدين و أنا صامت ، فيتحدث هو يسألني عن أحوالي و عن أمي ، يعدني بأننا سوف نسترجعها ، و نعود كي نصبح عائلةً مجدداً ، و متى كنت لنا عائلة ! ، أقول في نفسي ، يربت على ظهري بيده الضخمة ، شعرت بأن ضلوعي ستخرج من صدري .

كانت العنكبوتات بنت بيوتاً كثيرةً ، و لكنها كانت واهنةً كبيتنا الذي هدمتها عواصف أبي .

وقفت أمام الباب و تجمدت قدماي ، لا تقلق ، ستعود أمك قريباً ، يقول هو .

توجهت نحو غرفتي لا ألوي على شيء ، كل شيء مبعثر كما في ذاك اليوم العصيب ، كتبي متناثرة على الأرض ، بقع من الدم المتصلبة على الأرضية ، شعيراتٌ سوداء طويلة يبدو أنها اقتِلعلت من جذورها عنوة ، حملتها عن الأرض و أخذت أمدها بأصابعي ، ثم وضعتها في علبةٍ صغيرة بجانب سريري ، انتشلني صوت أبي من هذه الذكرى المريرة، طلب مني أن أعد له كأساً من الشاي ، أخبرته أني لا أعرف ، أمي كانت تمنعني من اللعب بالنار أو المطبخ ، يصرخ : لقد دللتك أمك كثيراً ، لا يحتاج لخبرة كبيرة ، تصنع هكذا و هكذا ، أعددت له كأساً من الشاي ، كان أسوداً و مراً كشاي القرية ، بصقه على الأرض و نهرني ، في الصباح توجه لعمله ، حين استيقظت وجدت عملةً معدنية بجانب رأسي لا تكاد تكفي لشراء قطعة خبز ، الثلاجة خاوية ، لا بأس ، المهم ألا يعتدي علي بالضرب .

وصلت المدرسة متأخراً ، مغبراً من كثرة الركض و الجري ، لا أفقه شيئاً مما تقوله المعلمة ، تباغتني بسؤالٍ فلا أعرف الإجابة ، يسخر مني بقية الأولاد ، و يكشر ذاك المشاغب الذي ضربته عن أنيابه راسماً ابتسامةً ملؤها الشماتة و السخرية ، احقد عليه و أتمنى لو أضربه حتى الموت.

أعود للبيت مشياً على الأقدام ، أحث الخطا و أتسلى بزجاجة أمامي ، أجعلها كرةً ، إلى أن أصل ، يستقبلني أبي الحبيب بالباب صاباً علي سيلاً من الشتائم ، يقول : سأذهب لبيت جدك اللئيم الذي فرق أمك عنا ، لقد ملأت الثلاجة بصنوف الطعام ، تناول شيئاً و لا تخرج للشارع و إلا عوقبت .

أفعل ما أمرني حرفياً ، ليس تنفيذاً لرغبته . و لكن رضوخاً لأمي التي أوصتني بألا أخالفه فيما يقول و ألا أجادله حتى لو شتمها و ذكرها بالسوء .

حين عاد كنت أنا نائماً ، و لكني استيقظت على صوت زجاجٍ يتكسر في المطبخ ، إحدى نوبات الغضب تنتابه الآن ، ماذا أفعل ، ماذا لو سحبني من سريري و بدأ بجلدي ، لا لن يفعلها ، لقد كنت نائماً و سأتظاهر بالنوم إلى أن يقعى و يهدأ ، يبدو أن جدي أعطاه الرد المناسب . ساعةٌ مرت و هو يتشاجر مع نفسه أو مع خيال جدي و أمي ، و لكني أريد الحمام ، لا أعلم ماذا يحصل لي ، لقد ذهبت مسبقاً ، أنا خائف ، و لكني أخاف بالأكثر من أن يكتشف استيقاظي ، بقيت متنبهاً إلى أن بللت سريري ، بكيت لأول مرةٍ من تسعة شهور ، حبست دموعي و لكنها انفجرت اليوم ، بكيت سراً و خشيت من الانتحاب فيسمعني ، فتح الباب بقوة لدرجة أني شعرت بأن المقبض خُلِع من مكانه ، اقترب مني ثم جلس بجانب السرير ، ظهره أعطاه لي ، و أخذ يبكي ، يبكي و ينشج كالأطفال ، ثم وقف و تأملني طويلاً و غادر . في الصباح حين استيقظت لم أجده و لكني وجدت ورقةً نقديةً هذه المرة ، جلست في سريري أفكر بما حصل بالأمس ، أيُ شخصٍ هو ، هل أخبر أمي بما حصل ، لا أعلم !

حين دلفت من بوابة المدرسة الكبيرة الزرقاء ، رأيت أمي تركض نحوي ، عيناها منتفختان من كثرة البكاء و السهر ، تقبلني و تبكي و تتفحص جسدي ، و تسألني إن أصابني مكروه ، تفرستُ في وجهها ، هل أخبرها ، لربما ستعود و تسامح أبي ، و هو سيصبح أفضل لن يعنفنا ، لقد شعر بقيمتها و بغيابها ، و لربما سيعود لضربها مجدداً ، قد تموت ، سمعت جدي يقول : لن أدعه يقتلك ، ستموتين تحت يديه يوماً أنت و هذا الصغير .

عزفت عن الفكرة و أخبرتها أن كل شيء سار بشكل طبيعي ، نظرت في عيني مشككة ، كيف لا و هو زوجها الذي عاشت معه عمراً طويلاً .

أصبحت في الثانية عشر من عمري ، مرت سنتان على انفصال أمي عن المنزل ، أصبحت هزيلاً شاحب اللون ، أجمع مصروفي الذي يعطيني إياه أبي و الذي تدسه لي أمي بالخفاء في حصالة ؛ لكي أهرب به ، ما زال أمامي وقت طويل كي أستطيع الاختيار بين والديّ ، كم هو غبي ذاك القاضي ، ألم يرَ الإجابة في عيني ، كيف يهفو قلبي لأمي و لقلبها الذي يحلم بالاجتماع .

في المساء و كعادتي دلفت لسريري مسرعاً ، حين سمعت صوت هدير محرك سيارة أبي ، لقد عاد ، و لكنه لم يتوجه لغرفته أو للمطبخ ، بل دخل غرفتي و اقتحم سريري و تمدد بجانبي ، يداعب خصلات شعري المبللة بالعرق ، يطالع صور زواجه من أمي ، صورنا حين كنت طفلاً صغيراً ، أذكر أنه كان يصطحبنا للمصور كي يلتقط لنا الصور ، أجلس في حضن أمي ، و يضع هو يده على كتفها بقوة و يبتسم من تحت شاربه الكث ، بينما تنظر لي أمي و نبتسم معاً ، و كأنه كومبارس أو إضافة غير مهمةٍ بالصورة ، هكذا كنت أشعر ، في الصباح حين استيقظت ، وجدت عشر ورقاتٍ نقدية بجانب سريري ، يبدو أنه نسيها ، لن آخذ منها شيئا لربما يضربني حين يعود حتى أني استكملت المبلغ الذي يوصلني للمدينة الأخرى ، يكفيني حتى أجد عملاً أعتاش منه ، و بينما كنت أستعد للمدرسة ، سمعت صوت المفتاح بالباب ، يبدو أنه عاد ، لقد تذكر أوراقه النقدية، لكنها كانت أمي ، أمي و جدي تحتضنني و تلفني بذراعيها و تبكي ، لم عدتِ يا أمي أسألها ! ، هيا غادري بسرع قبل أن يأتي ، تقول بصوت متحشرج مختنق : والدك غادرنا ، غادر الدنيا بالأمس بحادث غير مرئي .

تجمد الدم بعروقي و توقفت الدنيا لدي ، هل أبكي أم أضحك ! ، بقيت هكذا أخاف أن تكون إشاعة متداولة أطلقتها الألسنة الرخوة ، و لكنها كانت حقيقة ، حقيقة لدرجة الوجوم ، بقيت صامتاً ، لا أتحدث سوى بالقليل ، أرتاد المدرسة الجديدة الخاصة بأبناء الأغنياء، ألحقني بها جدي ، كنت غريباً تماماً ، ليس عن الناس أو البيئة الجديدة ، بل عن نفسي ، متغرب أنا و هزيل ، و صامت إلى أن تنمر علي طفلٌ سمين أحمق ، ستغذيك أمك فلا تقلق ، سمعت أن والدك كان فقيراً و مريضاً ، هنا تحركت كل أعضائي ، استنفرت يداي و قدماي ، و تلقيت الأوامر ، تلقائياً وجدتني أضرب و أشتم و أركل ، أفعل كما يفعل أبي تماماً ، بل أسحله من شعره الطويل رغم حجمه و حجمي ، خرجت مني قوةٌ لا أملك لها تفسيراً ، في مكتب المدير وجدت أمي جالسةً على الكرسي ، بقيت واقفاً بجانبها ، الشرر يتطاير من عيني ، أريد الهجوم على السمين مجدداً كي أذبحه ، أذبحه و أقدمه قرباناً لروح أبي !

_ لم فعلت هذا يا صغيري ؟

- لأنه وحش ، تقول أم السمين .

أنظر لوقع الكلمة على أمي ، فتنفعل بهدوء كعادتها ، فيفرق المدير ما بيننا و تخرج المرأة و خلفها السمين يبكي و يمسح دموعه ، انتابني الضحك حينها ، أخذت أضحك بصوتٍ عال، ثم انفجرت الدموع من محجريها ، أبكي و أضحك بشكل هستيري، قفزت أمي من كرسيها و المدير خلفها ، ما الذي حصل لك ؟ ، تهزني أمي بشدة .

_ أمي ، قبل سنة من الآن ، في إحدى المرات التي حاول فيها أبي إسترجاعك ، جلس يبكي و ينتحب بعدما رفضته و جدي ، قبلني و شمني ، و لعب بخصلات شعري ، لم يضربني بعدها أبداً ، أعطاني النقود و اشترى لي الألعاب و الملابس ، أنا آسف يا أمي ، لقد خنت أبي ، لربما لو أخبرتك، لكان الآن على قيد الحياة، لم يكن ليموت يا أمي ، لقد كان مريضاً يحتاجنا ، و لكني خفت أن يقتلك في إحدى نوبات غضبه ، كنت خائفاً ، أنا آسف . و هنا خرج المدير و أغلق الباب خلفه ، و انهرنا نحن بالبكاء .


100
0
2

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}