• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
الأخت ...نسخة مصغرة عن الأم
الأخت ...نسخة مصغرة عن الأم
Google+
عدد الزيارات
389
‎بعد أربعة و عشرين ربيعاً أكتشف أني نسخةٌ من أمي في عطائها، نزقها، غضبها، حنانها، تعاملها، تصرفاتها، إيجابياتها وبعض أخطائها.

‎أجدني إذا نفذ صبري  أستعمل مفرداتها وأسلوبها، فأعود إلى "لطيفة" الصغيرة التي حملت من أمها تربيةً ونهج حياة، بعضها أحبته و لائمها، وبعضها غادرته إلى أسلوبٍ أكثر عصرية ومرونة.

لا زلت أذكر جيدا أول يومٍ عدتُ فيه بصفة نهائية إلى منزل والديّ بعد تلاث سنواتٍ من الغياب و الدراسة انتباني شعورٌ غريبٌ!!

فجميع الأشياء في بيتنا بدت مختلفة الأحجام في نظري، السقفُ مرتفعٌ جداً عكس سقف بيتي المنخفض، والمفروشات شاخت وبعض أقمشتها هَرِمت، أدوات المطبخ خفّ بريقها وكُسرت أجزاءٌ منها، شعورٌ لم يختفِ إلا بعدما اعتادت عينيّ على ما كانت تألفه سابقاً، وعادت الأحجام إلى سالف عهدها في رأسي.

أكثر ما كان خارجاً عن المألوف هو رؤية أختي الصغرى، دعاء التي تركتها في سن الثانية لأعود و أجدها قد بلغت سنتها الخامسة في المنزل الذي ربيت وكبرت به، ذاك أني خرجته بحقيبة سفرٍ وحلم، وعدته عند تحقيقي لذلك الحلم و زفه.

عندها أدركتُ أني كبرت فعلاً ولم أعد ابنةً صغيرة كما تعود أبي أن يراني و أختاً فقط، بل أصبحتُ كبيرة أخواتي بعدما زفت أختي الكبرى إلى بيت زوجها. فأخذت دورها و أصبحت مثل أمي، أقاسمها الأمومة ومسؤوليات أخواتي ومشاكلهم ومشاكساتهم، و أصبح لي أخوات عليّ إطعامهم والاهتمام بهم في غياب أمي، أهيم بهم وأذوب في حركةٍ منهم مثلها.. أنا ما زلتُ ابنتها لكن بقالبٍ جديد!!

الليلة ها أنا أنظرُ إلى أذينةِ القلب "دعاء" بربيعها السابع وهي تلعب أمامي بألعابي وأغراضي، وتخلق عالمها من أشيائي القديمة وممتلكاتي الغاليات، و لا تبخل علينا بشقاوتها وطفولتها.

و كما قالت لي أمي، أعمارنا مرهونةٌ بخبرات أبنائنا ومعارفهم وتجاربهم. كم عمر الوالدة إذا ؟ ربما بعددِ سكبي الماء على الأرض و أنا صغيرة أو تكسيري لمواعين المنزل، أو بسعة صدر أختي الكبرى على أحاديثٍ لا تنتهي عندما يغالبني التعب والإرهاق، أو بعدد المرات التي قصدتني صغيرتي دعاء حتى نشاهد رسومها الكرتونية المفضلة...

لم تكذب أمي عندما قالت لي ذات يوم أن  الأمومة تستبدل عيوننا بأُخرى لا نملكها إلا بعد ليالٍ من السهر، وآلافٍ من الدموع، وأطنانٍ من الندم والتربية، فلا يعود إلحاحُ أمهاتنا مزعجاً عند موعد الطعام أو تأخرٍ في العودة إلى المنزل، لأننا -بشكلٍ بديهيٍ- سنصبح صوراً طبق الأصل عمَن رفضن خوفهن وقلقهن علينا يوماً.

‎أرى أن الأمومة فطرةُ حنانٍ تولدُ مع جينات الأنثى إن تزوجت أو بقيت عذراء، وإن أنجبت أو أعرَض رحمها عن وهب الحياة، تبقى الأمومة جيناً موروثاً في بنات حواء، ينبض في لحظاتِ اللهفة والعطف والطفولة.

و أعتقد أن بعد الأمومة و الأبوة تُقاس أعمار الوالدين بمراحل الأبناء ونموهم، لا بأرقامٍ التصقت إلى جانب أسمائهم، كُل مرحلةٍ في حياتهم تُشيدُ تطوراً وتأسسُ فكراً وتبني جسداً، و مهما هرب الوالدين من عداد العُمر، يفشي أولادهم السر بأشكالهم ونضجهم، ليكونوا أجمل دليلٍ وعلامةٍ و وشاية..


5
0
5

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}